د.رفعت جبر: الخروج الكبير.. نهاية المظلة الأمريكية وميلاد “الشرق الأوسط الكبير”
أستاذ ورئيس قسم التقنية الحيوية- كلية العلوم- جامعة القاهرة
حلم أم وهم، حيث تتسارع خطى التاريخ في المنطقة لتعلن عن زلزال جيوسياسي غير مسبوق؛ فبينما يلملم “التاجر” حقائبه الدبلوماسية من الرياض وأنقرة، تبرز حقيقة واحدة لا تقبل التأويل: نحن لا نشهد مجرد انسحاب عسكري، بل نشهد انكسار الهيبة التاريخية التي قامت عليها معادلات القوة منذ عقود.
إسرائيل: القلعة المعزولة في مواجهة “الإعصار”
مع تمزق عباءة الحماية الأمريكية، تجد إسرائيل نفسها أمام حقيقة وجودية مُرة؛ فقد انتهى عصر “الوكيل المدلل”. إن تآكل الردع لم يعد مجرد تحليل، بل صار واقعًا تفرضه “دقة الوصول” التي جعلت العمق الإسرائيلي مكشوفًا تمامًا، خاصة مع ترنح منظومات الدفاع الجوي أمام الصواريخ الفرط-صوتية.
وفي ظل هذا الفراغ، قد تندفع القيادة الإسرائيلية نحو مغامرة “شمشون” الأخيرة لاستدراج واشنطن، لكن البيت الأبيض يدرك اليوم أن كلفة العودة تعني انتحارًا اقتصاديًا لن يربح منه دولارًا واحدًا، مما يترك تل أبيب تواجه عزلة إقليمية خانقة كـ “جيتو” عسكري محاصر ببيئة ترفض وجوده، حيث إنه كيان مزروع لا وجود له أصلاً، رغم أننا نرحب بوجود اليهود كطوائف وكديانة سماوية في حياة تسودها السلم والسلام والأمان للجميع.
المعادلة الجديدة: الهروب الغربي أمام التمدد الشرقي
هذا التحول الجذري في موازين القوى يعكس تباينًا حادًا بين إرثٍ يتلاشى وفجرٍ يبزغ؛ فبينما تحول ملف إسرائيل من كونه “رأس حربة” للمشروع الأمريكي إلى عبء استراتيجي ومالي ثقيل، نجد أن القوى الشرقية الصاعدة بدأت تتعامل مع هذا الملف كورقة ضغط ذكية لفرض شروط الاستقرار الجديد.
وعلى الصعيد الأمني، تنتقل المنطقة من نموذج “الحماية القائمة على الابتزاز وصناعة الصراعات” الذي مارسته واشنطن لسنوات، إلى نموذج شرقي رصين يبحث عن توازن الرعب والمصالح المشتركة.
أما في الشق الاقتصادي، فقد ولى زمن العقوبات وسيطرة الدولار المطلقة، ليحل محله منطق الاستثمارات الضخمة والتعامل بالعملات المحلية (اليوان والروبل)، حيث يُرى التنين الصيني والدب الروسي في المنطقة “شريكًا تنمويًا” لا مجرد “ساحة تجارب” عسكرية.
سيناريو “الزلزال”: أول 48 ساعة بعد الرحيل الرسمي
الساعة 0–12 (صدمة الصمت): يسود صمت مريب في أروقة صنع القرار في تل أبيب، بينما تبدأ البورصات العالمية في تسعير “النفط باليوان” لأول مرة بشكل علني. تخرج المسيرات في العواصم العربية والإسلامية احتفالاً بسقوط “المظلة”، في حين تشهد المطارات الإسرائيلية ازدحامًا غير مسبوق لـ “حملة الجوازات المزدوجة” العائدين إلى أوروبا.
الساعة 12–24 (دبلوماسية الطوارئ): تهبط أول طائرة رئاسية صينية في الرياض، وطائرة روسية في طهران، لرسم “خارطة طريق أمنية” جديدة.
تُعلن موسكو عن نشر منظومات دفاعية متطورة تغطي سماء المنطقة كـ “خدمة تأجير أمني” مدفوعة بالموارد الطبيعية، بعيدًا عن شروط واشنطن السياسية.
الساعة 24–48 (واقع الجغرافيا الجديد): تجد إسرائيل نفسها أمام فوهة “الجبهات الموحدة” دون “فيتو” أمريكي يحميها في مجلس الأمن، ودون حاملات طائرات ترهب خصومها.
تبدأ المفاوضات الإقليمية الكبرى تحت رعاية “بريكس”، حيث تفرض القوى الصاعدة شروطًا قاسية لتفكيك المفاعلات والترسانات التهديدية، مقابل ضمانات أمنية محدودة، معلنةً رسميًا دخول المنطقة في “العصر الشرقي”.
الخلاصة: ملء الفراغ بذكاء “التنين والدب”
رغم أن هذا السيناريو المتوقع يستند إلى حقائق على الأرض، إلا أنه ملئ بالتفاؤل الحذر؛ فبينما تهرب واشنطن لإنقاذ ما تبقى من خزائنها، تدخل الصين وروسيا كـ “ضامن استقرار” بديل.
إن المنطقة اليوم لا تعيش تفاؤلًا مفرطًا، بل تعيش نهاية حقبة “سايكس بيكو” الثانية؛ حيث ترحل أمريكا لأنها لم تعد تستطيع شراء الأمن، وتستلم القوى الشرقية مفاتيح المنطقة، تاركةً إسرائيل تواجه قدرها كدولة “خارج التاريخ” في محيط لا يرحم الضعفاء ولا يعترف بالحصون الورقية.
إن ما نشهده اليوم ليس بدعًا من الزمان؛ فالتاريخ يخبرنا أن القوى العظمى مهما توغلت، تنتهي دائمًا عند حدود عجزها عن إدارة التكاليف.
تمامًا كما طوت بريطانيا شراعها من ‘شرق السويس’ في ستينيات القرن الماضي بعد أن أرهقتها الديون، تطوي واشنطن اليوم مظلتها بعد أن استنزفتها الحروب العبثية.
إن التحول من “المركزية الغربية” إلى “التوازن الشرقي” ليس مجرد تبادل أدوار، بل هو عودة الجغرافيا لأصحابها؛ حيث تتحول القلاع المعزولة إلى أطلال، وتستعيد المنطقة هويتها بعيدًا عن الوصاية، مؤكدةً أن البقاء في هذا الشرق ليس لمن يملك الترسانة الأكبر، بل لمن يملك الجذور الأعمق والقدرة على التعايش مع المحيط.





