11 مليون أمريكي قد يواجهون خطر الفيضانات دون علمهم.. الذكاء الاصطناعي يكشف الثغرات
خرائط الفيضانات الأمريكية تخفي الخطر.. الذكاء الاصطناعي يرصد 4.1 مليون مبنى مهدد
كشفت دراسة جديدة أن نحو 11 مليون شخص و4.1 مليون مبنى في الولايات المتحدة قد يكونون معرضين لخطر الفيضانات دون أن يظهروا ضمن المناطق المصنفة رسميًا على خرائط مخاطر الفيضانات، في اكتشاف يسلط الضوء على فجوات كبيرة في أنظمة رسم المخاطر الحالية.
وطوّر باحثون من جامعة سنغافورة الوطنية (NUS) وجامعة تسينجهوا الصينية إطارًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي والتعلم العميق لاستكمال المناطق التي تفتقر إلى خرائط للفيضانات أو تعاني من خرائط غير مكتملة، ما أتاح إنتاج خريطة شاملة لمخاطر الفيضانات على مستوى الولايات المتحدة المتصلة بدقة مكانية تبلغ 30 مترًا.
ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Nature Communications، وتشير إلى أن حجم السكان والمباني المعرضين للفيضانات قد يكون أكبر بكثير مما تعكسه الخرائط الرسمية الحالية.

ملايين الأشخاص خارج خرائط الخطر
وتعتمد خرائط الفيضانات الرسمية على تحديد المناطق التي يُحتمل تعرضها للغمر، وهي معلومات تؤثر بصورة مباشرة في استعداد المجتمعات للكوارث، وقرارات التأمين، والتخطيط العمراني، وتحديد أولويات مشروعات الحماية من الفيضانات.
لكن الباحثين وجدوا أن أجزاء واسعة من الولايات المتحدة لا تزال غير ممثلة على نحو كافٍ في قواعد بيانات مخاطر الفيضانات.
وأظهرت الخريطة التي أنشأها الذكاء الاصطناعي أن نحو 11 مليون شخص و4.1 مليون مبنى قد يكونون خارج المناطق المصنفة رسميًا رغم وجود مؤشرات طبوغرافية على تعرضهم لمخاطر الفيضانات.
ولا تتوزع هذه الفجوات بصورة متساوية بين السكان، إذ أظهرت الدراسة أن بعض المناطق التي تعاني نقصًا في رسم خرائط الفيضانات تضم أعدادًا كبيرة من الفئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا، ومن بينها كبار السن والأطفال.
ويرى الباحثون أن هذه النتيجة تثير تساؤلات تتجاوز الجانب التقني للخرائط، لتشمل كيفية إيصال معلومات المخاطر إلى السكان وتوزيع الموارد المخصصة للتكيف مع الكوارث وحماية المجتمعات الأكثر تعرضًا للخطر.
كيف أعاد الذكاء الاصطناعي رسم مناطق الفيضانات؟
اعتمد الباحثون على تدريب نموذج للتعلم العميق على بيانات خرائط الفيضانات الرسمية الموجودة بالفعل، إلى جانب بيانات التضاريس والارتفاعات.
وتعلم النموذج العلاقة بين خصائص سطح الأرض والمناطق المعروفة بتعرضها للفيضانات، ثم استخدم هذه الأنماط لتقدير مناطق الخطر في الأماكن التي كانت خرائطها ناقصة أو غير موجودة.
وبهذه الطريقة، تمكن الفريق من إنشاء طبقة متصلة لمخاطر الفيضانات تغطي الولايات المتحدة المتصلة بالكامل، بدقة مكانية تبلغ 30 مترًا.
وتوفر هذه المنهجية وسيلة أسرع وأوسع نطاقًا لاستكمال خرائط الفيضانات التقليدية، التي يمكن أن تتطلب وقتًا وتكاليف كبيرة لإعدادها وتحديثها.

الذكاء الاصطناعي لا يكرر أخطاء الخرائط القديمة
ومن أبرز مزايا النموذج أنه لم يكتفِ بإعادة إنتاج البيانات القديمة الموجودة في الخرائط الرسمية.
وأوضح الباحثون أن قاعدة البيانات التي دُرّب عليها النموذج تضمنت خرائط متفاوتة الجودة، بعضها قديم أو يحتوي على أخطاء، إلا أن النموذج تمكن من إعطاء الأولوية للأنماط المرتبطة بالتضاريس والهيدرولوجيا.
وفي بعض المناطق، تجاهل النموذج الحدود المفاجئة وغير المنطقية لمناطق الفيضانات التي ظهرت في الخرائط القديمة بسبب حدود إدارية، وبدلًا من ذلك رسم مناطق الخطر بما يتوافق بصورة أكبر مع شكل التضاريس.
كما وسّع النموذج في مناطق أخرى حدود المناطق المعرضة للفيضانات عندما أظهرت طبيعة الأرض أن نطاق الخطر الفعلي قد يكون أكبر من المسجل رسميًا.
أما في المناطق التي لا توجد لها خرائط رسمية للفيضانات، فقد تمكن النموذج من تقديم تقديرات لمخاطر الغمر اعتمادًا على خصائص التضاريس المتاحة.
وقال رودي ستوفس، الأستاذ المشارك في قسم الهندسة المعمارية بجامعة سنغافورة الوطنية، إن النموذج يعمل كأداة للتحقق والتصحيح، ولا يكتفي بنسخ المعلومات القديمة، بل يستفيد من بيانات التضاريس الحديثة لإنتاج خرائط أكثر اتساقًا مع الخصائص الهيدرولوجية للأرض.
خريطة تكشف من وقع خارج نطاق الرؤية
وقال الباحثون إن أهمية الدراسة لا تكمن فقط في إنتاج خريطة جديدة، وإنما في قدرتها على الكشف عن من قد يكون معرضًا للخطر دون أن يظهر ضمن المناطق المصنفة رسميًا.
وأوضح يي تشانج، الأستاذ المشارك في جامعة سنغافورة الوطنية وجامعة تسينغهوا وأحد المشاركين في الدراسة، أن الذكاء الاصطناعي يمكنه المساعدة في اكتشاف الأماكن التي لم تُرصد فيها مخاطر الفيضانات، وكذلك تحديد الفئات السكانية التي قد تتأثر بها.
وأضاف أن هذه القدرة تتيح فرصة لتحسين وعي المجتمعات بالمخاطر، وفهم آثارها الاجتماعية، وتوجيه جهود تعزيز القدرة على مواجهة الفيضانات بصورة أكثر استراتيجية.

ليست بديلًا عن الخرائط الرسمية
ورغم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، يؤكد الباحثون أن الخرائط التي أنتجها الذكاء الاصطناعي لا تهدف إلى استبدال الخرائط الرسمية التنظيمية للفيضانات.
وبدلًا من ذلك، يمكن استخدامها كأداة عامة تساعد في الكشف عن المناطق التي ربما لم تحظَ برسم خرائط كافٍ، وتحديد الأماكن التي تحتاج إلى مزيد من الدراسات والبيانات الميدانية.
ويرى الباحثون أن هذه المنهجية يمكن أن تساعد الجهات المختصة على تحديد أولويات تحديث خرائط الفيضانات وتوجيه الاستثمارات المستقبلية في البنية التحتية والوقاية من الكوارث.
وقال أبراهام نواه وو، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن جعل المخاطر الخفية أكثر وضوحًا يمكن أن يساعد المجتمعات وصناع القرار على التحرك في وقت مبكر والتخطيط بصورة أكثر فاعلية.
وتشير الدراسة، في النهاية، إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى أداة مهمة لسد الفجوات في خرائط الكوارث الطبيعية، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى معرفة المناطق الأكثر عرضة للفيضانات قبل وقوع الكارثة، وليس بعد فوات الأوان.





