حرب إيران تعيد رسم خريطة الطاقة.. مكاسب للمتجددة وضغوط على الغاز

من مضيق هرمز إلى الطاقة النظيفة.. تحولات استراتيجية في سوق الطاقة

تربك حرب إيران خريطة إمدادات الغاز عالميًا، ما يدفع الدول المستوردة إلى البحث عن بدائل لتأمين احتياجاتها من الطاقة، سواء لأغراض الطهي أو التدفئة أو توليد الكهرباء، في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة، بوصفها أكبر مصدر للغاز في العالم، للاستفادة من هذا الاضطراب على المدى القصير.

وتدفع الأزمة الحالية الدول الأوروبية والآسيوية إلى إعادة التفكير في سياساتها الطاقوية، من خلال دراسة خيارات متعددة، مثل الفحم والطاقة الشمسية والطاقة النووية، بهدف تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي واستباق تقلبات الأسعار ونقص الإمدادات خلال الأزمات الجيوسياسية.

وتكشف هذه التطورات عن هشاشة أسواق الطاقة العالمية، إذ يمر نحو خمس النفط العالمي وكميات كبيرة من الغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة ينعكس سريعًا على الأسعار والإمدادات.

وقد تجلّى ذلك مع توقف قطر عن إنتاج الغاز الطبيعي المسال، وتأثر مصانع في دول مثل الهند وكوريا الجنوبية وتايوان، في ظل سعي الدول لتأمين احتياجاتها من مختلف المصادر.

الغاز الطبيعي المسال

مكاسب وخسائر

بحسب تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، قد تحقق الولايات المتحدة ودول أخرى مصدرة للغاز مكاسب كبيرة من هذا الاضطراب، إلا أن الأزمة تدفع الدول المستوردة إلى التفكير في بدائل مثل الفحم والطاقة المتجددة والطاقة النووية.

ويشير التقرير إلى أن الحرب، التي دخلت شهرها الثاني، تعيد التذكير بمخاطر الاعتماد على استيراد الغاز، إذ تجعل الدول عرضة لارتفاع الأسعار ونقص الإمدادات خلال الأزمات، كما حدث سابقًا عقب الحرب في أوكرانيا.

ورغم أن أسعار الغاز لا تزال أقل من مستوياتها قبل أربع سنوات، فإن استمرار الحرب قد يؤدي إلى ارتفاعها بشكل ملحوظ، خاصة إذا تأخر استئناف صادرات الغاز من قطر، أحد أكبر الموردين عالميًا.

جزر إيران.. خطوط دفاع متقدمة تتحكم في تجارة النفط العالمية

إعادة التوازن لا الاستبدال

يؤكد المدير التنفيذي لمركز كوروم، طارق الرفاعي، أن أي نزاع واسع لن يؤدي إلى تراجع سريع في الاعتماد على الغاز الطبيعي، نظرًا لارتباط أنظمة الطاقة ببنية تحتية معقدة وعقود طويلة الأجل.

ويشير إلى أن السيناريو الأقرب يتمثل في “إعادة التوازن” بدلًا من الاستبدال الكامل، عبر تنويع مصادر الطاقة وتعزيز استخدام البنية الحالية، مع اللجوء المؤقت إلى وقود بديل لضمان الاستقرار.

ويضيف أن أوروبا، على سبيل المثال، زادت اعتمادها مؤقتًا على الفحم بعد تراجع الإمدادات الروسية، فيما عاد النقاش حول الطاقة النووية في بعض الدول لتعزيز أمن الطاقة.

ويرى أن أبرز المستفيدين هم مصدرو الغاز الطبيعي المسال، مثل الولايات المتحدة وقطر وأستراليا، إلى جانب قطاع الطاقة النووية، بينما قد يشهد الفحم انتعاشًا مؤقتًا، في حين تبقى الطاقة المتجددة خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد.

من مضيق هرمز إلى الأسواق العالمية العالم أمام اختبار استراتيجي

فرص وتحديات

يشير تقرير آخر إلى أن أزمة الطاقة الحالية قد تدفع الدول إلى تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة، مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة الاعتماد على الفحم، باعتباره خيارًا سريعًا ومنخفض التكلفة.

كما قد تصبح السيارات الكهربائية أكثر جاذبية اقتصاديًا مع ارتفاع أسعار الوقود، ما يعزز التحول في قطاع النقل.

وقد كشفت الأزمة عن نقاط ضعف واضحة في منظومة الطاقة العالمية، خاصة مع اعتماد جزء كبير من الإمدادات على ممرات حيوية مثل مضيق هرمز.

وفي ظل توقف إنتاج الغاز في قطر، ارتفعت الأسعار وأُغلقت مصانع في عدة دول، بينما ظهرت بوادر أزمة طاقة في دول أخرى، دفعتها لاتخاذ إجراءات استثنائية لترشيد الاستهلاك.

وعلى المدى القصير، تتجه الدول إلى تأمين احتياجاتها من خلال الوقود التقليدي، الذي لا يزال يشكل نحو 80% من مزيج الطاقة العالمي.

تحولات طويلة الأمد

توضح خبيرة الطاقة لوري هايتان أن الاستجابة للأزمة تختلف بين المدى القصير والطويل، إذ تلجأ بعض الدول إلى الفحم كحل سريع، بينما تتجه على المدى البعيد إلى إعادة هيكلة سياساتها الطاقوية.

وتشير إلى أن تقلبات أسعار الغاز وتعطل الإمدادات سيدفعان الدول إلى تعزيز الاستثمار في الطاقة المتجددة، بهدف تقليل الاعتماد على المصادر الخارجية وتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الطاقوي.

وتؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد اعتمادًا أكبر على مزيج طاقوي متنوع، مع زيادة حصة الطاقة النظيفة، ما يعزز مرونة الأنظمة ويحدّ من تأثير الأزمات المستقبلية.

وتختتم بأن الأزمة الحالية، رغم كونها طارئة، قد تسهم في تسريع وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة على المدى المتوسط والبعيد، خاصة في قطاع الكهرباء.

Exit mobile version