أخبارتغير المناخ

حرائق الغابات تمحو سنوات من تحسن جودة الهواء بأمريكا.. آلاف الوفيات المبكرة بسبب الأوزون

7,974 وفاة مبكرة في عام واحد.. كيف يرفع دخان حرائق الغابات مخاطر الأوزون؟

أظهرت دراسة علمية حديثة، أن دخان حرائق الغابات يعكس سنوات من التقدم الذي حققته الولايات المتحدة في خفض تلوث الأوزون، ما يؤدي إلى زيادة تعرض السكان لمستويات ضارة من هذا الملوث، ويرفع المخاطر الصحية المرتبطة به.

ونُشرت الدراسة في دورية Science، وعلى مدى عقود، ساهمت الإجراءات التي استهدفت انبعاثات السيارات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع في خفض مستويات تلوث الهواء في الولايات المتحدة، كما أدت إلى انخفاض تركيزات الأوزون القريب من سطح الأرض.

لكن حرائق الغابات بدأت في تغيير هذا الاتجاه، إذ خلص تحليل جديد إلى أن الانبعاثات الناتجة عن الحرائق عكست مسار انخفاض مستويات الأوزون الذي تستخدمه السلطات في وضع معايير جودة الهواء منذ عام 2015، ما أدى إلى محو ما يقرب من 4 سنوات من التقدم الوطني.

ولا يقتصر تأثير دخان الحرائق على المناطق القريبة من مصدر الحريق، إذ يمكن للدخان أن ينتقل عبر حدود الولايات، ويتفاعل مع ملوثات المدن، كما يمكن أن يتسبب في تكوين الأوزون حتى بعد ابتعاد عمود الدخان الكثيف عن المنطقة.

دخان حرائق الغابات
حرائق الغابات

كيف تنتج حرائق الغابات الأوزون الضار؟

يختلف الأوزون القريب من سطح الأرض عن طبقة الأوزون الموجودة في طبقات الجو العليا، والتي تؤدي دورًا مهمًا في حماية الأرض من الأشعة فوق البنفسجية.

أما الأوزون الموجود بالقرب من سطح الأرض فهو ملوث ضار بالصحة، ويتكون عندما تؤدي أشعة الشمس إلى تفاعلات كيميائية بين أكاسيد النيتروجين والغازات الناتجة عن عمليات الاحتراق، إلى جانب المركبات العضوية المتطايرة، وهي مواد كيميائية تحتوي على الكربون ويمكن أن تنتقل بسهولة إلى الهواء.

وتطلق حرائق الغابات العديد من المواد الكيميائية التي تدخل في هذه التفاعلات.

وتتأثر كمية الأوزون التي تتكون ومكان تراكمها بعوامل متعددة، من بينها درجة الحرارة وأشعة الشمس والرياح والظروف الجوية ووجود مصادر أخرى للتلوث بالقرب من المنطقة.

ويبلغ معيار جودة الهواء الصحي الحالي في الولايات المتحدة 70 جزءًا في المليار من الأوزون.

وتستخدم الجهات التنظيمية أعلى متوسط يومي لمدة 8 ساعات في المرتبة الرابعة من حيث الارتفاع سنويًا، ثم تحسب متوسط هذه القيمة على مدى 3 سنوات، بما يجعل تكرار الأيام التي تشهد مستويات مرتفعة من الأوزون عاملًا مهمًا في تحديد مدى التزام المناطق بالمعيار.

كوارث المناخ في أمريكا
كوارث المناخ في أمريكا

خريطة جديدة لتلوث الأوزون في أمريكا

تعتمد وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) على محطات رصد لقياس الأوزون بصورة مباشرة، إلا أن شبكة الرصد الحالية تترك فجوات جغرافية كبيرة.

وتغطي هذه المحطات نحو 2% فقط من مساحة الولايات المتحدة القارية، وتخدم ما يقرب من 26% من السكان.

وللتغلب على هذه الفجوات، استخدم فريق بحثي، ضم علماء من جامعة أيوا، تقنيات التعلم العميق، وهي أساليب حاسوبية قادرة على اكتشاف الأنماط من خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات.

وجمع النموذج بين قياسات وكالة حماية البيئة وبيانات الطقس والغلاف الجوي والأقمار الصناعية واستخدامات الأراضي والكثافة السكانية.

وأسفر ذلك عن إعداد خريطة يومية لمستويات الأوزون تغطي الولايات المتحدة القارية خلال الفترة من 2003 إلى 2024، وبخلايا مكانية يبلغ عرضها نحو 0.62 ميل، أي قرابة كيلومتر واحد.

وصمم الباحثون النموذج بحيث يعطي اهتمامًا إضافيًا للأحداث النادرة التي تشهد مستويات مرتفعة جدًا من الأوزون، وهي أحداث كانت النماذج الحاسوبية السابقة تواجه صعوبة أكبر في رصدها.

وأظهرت الاختبارات التي أجريت باستخدام قياسات مستقلة أن النموذج استطاع تفسير 88% من التباين اليومي في مستويات الأوزون، كما تمكن من رصد 75.3% من الأحداث التي تجاوزت المعيار الصحي.

كما كشفت الخريطة الجديدة عن تغيرات في مستويات الأوزون بالمناطق الداخلية من الولايات المتحدة لم تكن تظهر بوضوح في بيانات محطات الرصد وحدها.

حرائق الغابات تمحو سنوات من تحسن جودة الهواء بأمريكا

الأوزون يغير اتجاهه بعد سنوات من التحسن

بين عامي 2003 و2015، انخفض المؤشر الوطني لمستويات الأوزون المستخدم من جانب الجهات التنظيمية بمعدل 0.65 جزء في المليار سنويًا.

وجاء هذا الانخفاض متزامنًا مع تراجع الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية، والتي تسهم في تكوين الأوزون.

لكن الاتجاه تغير خلال الفترة من 2015 إلى 2024، عندما ارتفع المؤشر بمعدل 0.13 جزء في المليار سنويًا.

وعند استبعاد الانخفاض غير المعتاد في تلوث الهواء الذي شهدته الولايات المتحدة خلال عامي 2020 و2021 بسبب تداعيات جائحة كورونا، ارتفع معدل الزيادة إلى 0.20 جزء في المليار سنويًا.

حرائق الغابات تمحو مكاسب مكافحة الأوزون

لفصل تأثير حرائق الغابات عن بقية مصادر التلوث، استخدم الباحثون طريقتين مختلفتين.

اعتمدت الطريقة الأولى على استبعاد الأيام والمناطق التي شهدت مستويات مرتفعة بصورة غير معتادة من أول أكسيد الكربون، باعتباره مؤشرًا على وجود دخان حرائق الغابات.

أما الطريقة الثانية، فقارنت بين محاكاة للغلاف الجوي في سيناريو يتضمن انبعاثات الحرائق، وأخرى تفترض عدم وجود هذه الانبعاثات.

وأعطت الطريقتان نتائج متقاربة للغاية فيما يتعلق بمستويات الأوزون التي كان يمكن أن تحدث في غياب تأثير الحرائق.

ووفقًا للنموذج، كان من المتوقع أن تستمر مستويات الأوزون في الانخفاض بعد عام 2015 بمعدل يقارب 0.25 جزء في المليار سنويًا لو لم تكن هناك انبعاثات ناتجة عن حرائق الغابات.

لكن انبعاثات الحرائق أدت إلى محو ما يعادل 3.9 سنوات من التحسن الوطني في مستويات الأوزون.

وكان التأثير أكبر في بعض المناطق، إذ وصل إلى نحو 6.2 سنوات في غرب الولايات المتحدة و5.3 سنوات في منطقة الغرب الأوسط.

ألسنة اللهب تلتهم غابات بالقرب من أثينا وسط تصاعد كثيف للدخان ومشاركة طائرات الإطفاء
حرائق الغابات تمحو سنوات من تحسن جودة الهواء بأمريكا

ارتفاع حاد في العبء الصحي

لم تقتصر الدراسة على قياس تغير مستويات الأوزون، بل حاول الباحثون أيضًا تقدير عدد الوفيات المبكرة المرتبطة بالتعرض طويل الأمد للأوزون الناتج عن حرائق الغابات.

وجمع الباحثون بين مستويات الأوزون خلال الفترة من أبريل إلى سبتمبر، وبيانات السكان ومعدلات الوفيات المعتادة، إلى جانب الأدلة العلمية المعتمدة حول العلاقة بين تغير مستويات الأوزون ومخاطر الوفاة.

ومنذ عام 2013، ارتفع الاتجاه الوطني المقدر للوفيات المرتبطة بهذا التعرض بنحو 318 وفاة سنويًا.

وكان متوسط عدد الوفيات السنوية المقدرة خلال الفترة من 2013 إلى 2023 أعلى بنسبة 46% مقارنة بالفترة من 2003 إلى 2013.

وسجل عام 2023 أعلى تقدير، بنحو 7974 وفاة مبكرة، يليه عام 2021 بنحو 5737 وفاة، ثم عام 2020 بنحو 3996 وفاة.

ويؤكد الباحثون أن هذه الأرقام تمثل تقديرات سكانية للعبء الصحي، وليست سجلات مباشرة لوفيات يمكن إرجاع كل منها إلى عمود دخان معين.

وبالتالي، فهي تعكس العبء الصحي المتوقع المرتبط بأنماط التعرض للأوزون، لكنها لا تثبت أن أوزون حرائق الغابات كان السبب المباشر في وفاة أي شخص بعينه.

حرائق كندا تكشف اتساع نطاق المشكلة

أظهرت حرائق الغابات الكندية عام 2023 مدى قدرة موسم حرائق بعيد على تغيير جودة الهواء في مناطق واسعة من الولايات المتحدة.

وخلال الفترة من 2020 إلى 2022، كان نحو 21% من السكان يعيشون في مناطق تتجاوز معيار الأوزون الحالي.

لكن هذه النسبة ارتفعت إلى 44% من السكان في عام 2023، وخلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2024، عاش نحو 102 مليون شخص في مناطق لم تستوفِ معيار الأوزون البالغ 70 جزءًا في المليار.

ولو لم يكن هناك تأثير لحرائق الغابات، قدر النموذج أن عدد السكان الذين يعيشون في مناطق غير ملتزمة بالمعيار كان سينخفض بنحو 43 مليون شخص.

حرائق الغابات في كندا

ملايين الأمريكيين قد يتعرضون لمستويات أعلى

وأظهرت النتائج أن تأثير الأوزون الناتج عن حرائق الغابات جعل الظروف الحالية تشبه سيناريو افتراضيًا من دون حرائق، ولكن وفق معيار أكثر تشددًا بمقدار 4 أجزاء في المليار.

وبعبارة أخرى، استهلكت حرائق الغابات جزءًا كبيرًا من هامش التحسن الذي نتج عن خفض الانبعاثات البشرية، وهو ما يجعل تشديد معايير حماية الصحة العامة أكثر صعوبة.

وبموجب معيار يبلغ 65 جزءًا في المليار، قد يعيش نحو 202 مليون شخص في مناطق لا تستوفي المعيار.

أما إذا تم خفض الحد إلى 60 جزءًا في المليار، فقد يصل عدد السكان المتأثرين إلى نحو 294 مليون شخص.

حرائق غابات في كندا 

حدود الدراسة

رغم أن الخريطة الجديدة توفر تفاصيل أكبر من شبكة محطات الرصد التقليدية، فإنها لا تزال تعتمد على نماذج لتقدير مستويات الأوزون في المناطق الواقعة بين محطات القياس.

ولا تزال القياسات المباشرة محدودة في العديد من المجتمعات والمناطق.

كما أن سيناريو «غياب الحرائق» المستخدم في الدراسة يمثل حالة افتراضية، وليس قياسًا مباشرًا لما كان سيحدث على أرض الواقع.

ورغم أن الباحثين استخدموا طريقتين مستقلتين ووصلا إلى نتائج متقاربة، فإن كلا الأسلوبين يعتمد على افتراضات بشأن كيفية انتقال انبعاثات الحرائق وتفاعلها وامتزاجها مع الملوثات الأخرى في الغلاف الجوي.

كما انتهى تحليل الوفيات عند عام 2023، لأن قاعدة بيانات انبعاثات الحرائق لم تكن تتضمن بيانات عام 2024 عند إجراء التحليل.

ويشدد الباحثون على أن تحليل الوفيات يقدر المخاطر على مستوى السكان، ولا يثبت أن حريقًا بعينه تسبب في مرض أو وفاة شخص محدد.

حرائق الغابات تمحو سنوات من تحسن جودة الهواء بأمريكا

حرائق الغابات تعقد قواعد مكافحة تلوث الهواء

نجحت القواعد الفيدرالية الأمريكية الخاصة بجودة الهواء في خفض العديد من مصادر التلوث التي يمكن للإنسان التحكم فيها بصورة مباشرة، إلا أن انبعاثات حرائق الغابات أصبحت تتداخل بصورة متزايدة مع هذه المكاسب.

وتسمح وكالة حماية البيئة الأمريكية في بعض الحالات باستبعاد تجاوزات معايير جودة الهواء المرتبطة بحرائق الغابات باعتبارها «أحداثًا طبيعية استثنائية».

لكن الدراسة الحالية احتسبت هذه الأحداث، لأن السكان يتعرضون فعليًا للأوزون الناتج عنها، بغض النظر عن مصدر الانبعاث.

وبالتالي، فإن خطط خفض الأوزون وحماية الصحة العامة لم يعد بإمكانها التركيز فقط على عوادم السيارات ومداخن المصانع ومحطات الطاقة والمصادر المحلية للتلوث.

حرائق الغابات في كندا

وتشير النتائج إلى أن حماية الصحة العامة ستحتاج أيضًا إلى تحسين شبكات الرصد، والعمل على الحد من تغير المناخ، والوقاية من حرائق الغابات، ووضع خطط عملية للتعامل مع الدخان الذي يعبر الحدود بين الولايات والمناطق.

ومع استمرار ارتفاع انبعاثات حرائق الغابات، يصبح خفض مستويات الأوزون القريب من سطح الأرض أكثر صعوبة، حتى في المناطق التي لا تزال تستفيد من نجاحات سياسات مكافحة التلوث التقليدية.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع العبء الصحي المرتبط بالتعرض، لكنها لا تثبت أن حريقًا واحدًا أو حالة تعرض محددة تسببت بصورة مباشرة في وفاة بعينها.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة