أخبارالطاقة

ثورة في الذكاء الاصطناعي.. تدريب أسرع بـ100 مرة وموفر للطاقة.. تقلل استهلاك الطاقة 99%

بدون حواسيب فائقة.. طريقة جديدة لتدريب الشبكات العصبية بدقة عالية

نجح فريق بحثي من جامعة ميونخ التقنية في تطوير طريقة جديدة لتدريب الشبكات العصبية الصناعية، دون الحاجة إلى الحوسبة المكثفة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة والموارد.

ووفقًا للنتائج التي عُرضت في مؤتمر “نيور آي بي إس 2023” (NeurIPS 2023)، والدراسة المنشورة حديثًا، فإن هذه الطريقة لا تعتمد على أساليب التحسين التقليدية، بل تتبع نهجًا جديدًا يجعلها أسرع بنحو 100 مرة، وبالتالي أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.

ويقول الدكتور محمد خليف، أستاذ علوم الحاسب في الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بمصر: “يمكن اعتبار هذه المنهجية تغييرًا جذريًا، لكنها لا تزال في بدايتها، إنها أشبه بشخص يفهم جيدًا ويعرف أين يبحث ليجد الإجابة، معتمدًا على تخمين ذكي، وقد تمثل نقلة من الاعتماد على كم البيانات إلى التركيز على نوعية وذكاء عملية التعلم”.

تطبيقات الذكاء الاصطناعي

عقل حاسوبي بتكلفة باهظة

أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مثل النماذج اللغوية الضخمة “شات جي بي تي” و”جيميناي”، جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وتوفر مراكز البيانات، التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة، قدرات الحوسبة والتخزين والنقل اللازمة لتشغيل هذه النماذج.

وفي ألمانيا وحدها، بلغ استهلاك هذه المراكز نحو 16 مليار كيلوواط/ساعة في عام 2020، أي ما يعادل نحو 1% من إجمالي استهلاك الطاقة في البلاد، ومن المتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 22 مليار كيلوواط/ساعة خلال العام الجاري.

الشبكات العصبية هي الأساس الذي تعتمد عليه تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة، مثل الترجمة الآلية، والتعرف على الصور، والنماذج اللغوية الضخمة. وهي تتكون من مجموعة ضخمة من “العُقد” أو “الخلايا العصبية” الصناعية المترابطة، حيث تُمرر الإشارات وتُعدَّل بناءً على “أوزان” محددة.

وعادة ما تكون عملية “تدريب” هذه الشبكات مكلفة وطويلة، إذ تعتمد على تغذية الشبكة بآلاف أو ملايين الأمثلة، وتحديث الأوزان تدريجيًا عبر عمليات حسابية مكررة تتطلب قوة حوسبة كبيرة.

وتُجرى عملية التعلم من خلال نموذج رياضي أو احتمالي في قلب الشبكة العصبية، يُغذى بكميات ضخمة من الأمثلة، ليتعلم منها ويستنتج أنماطًا داخلية، بحيث إذا واجه بيانات جديدة مشابهة لها، يستطيع تصنيفها بدقة، وفقًا للدكتور خليف.

ويضيف: “يمكن تشبيه ذلك بعملية تعلم الطفل الصغير، الذي يكتسب الخبرات من خلال الملاحظة، والاستماع، وتكرار الأحداث المحيطة به، مثل تناول الطعام، أو مشاهدة والديه وأصدقائه، أو متابعة التلفاز، مما يمكنه لاحقًا من فهم الأمور بنفسه، استنادًا إلى ما تلقّاه من معلومات”.

الذكاء الاصطناعي

الكيف لا الكم

وبدلًا من توزيع الأوزان في النماذج الرياضية عشوائيًا أو تحسينها تدريجيًا، تعتمد الطريقة الجديدة على تحديد النقاط الأكثر تأثيرًا في بيانات التدريب، وتحديدًا تلك التي تُظهر تغييرات سريعة في القيم أو التصنيفات، أي الأكثر أهمية.

وتُستخدم هذه النقاط لتوليد الأوزان مباشرة، دون الحاجة إلى التدريب التكراري التقليدي، مما يجعل عملية إعداد النموذج أكثر سرعة، وباستهلاك طاقة أقل.

ومع تعقُّد التطبيقات الحديثة، من السيارات ذاتية القيادة والمساعدات الذكية إلى الطب الشخصي، يصبح تقليص زمن التدريب واستهلاك الطاقة أولوية. إذ لا تعتمد هذه الطريقة على تغذية النموذج بكل الأمثلة الممكنة، كما هو الحال في الأساليب التقليدية.

ويقول خليف: “الطريقة الاحتمالية الجديدة أشبه بشخص يستخدم حدسه وخبراته للتركيز على الاحتمالات الأكثر ترجيحًا، بدلًا من تجربة كل شيء، فهي تحاول أن تسير في الاتجاه الصحيح منذ البداية. وهذا لا يقلل الجهد فقط، بل يقلل أيضًا استهلاك الطاقة والموارد، ويجعل الذكاء الاصطناعي أكثر استدامة”.

وأظهرت تجارب الفريق البحثي أن النموذج الناتج عن هذه الطريقة يحقق دقة مماثلة، وأحيانًا متفوقة، مقارنة بطرق التدريب التقليدية. كما أن الوقت اللازم لبناء الشبكة يمكن أن ينخفض من ساعات أو أيام إلى دقائق أو حتى ثوانٍ، دون الحاجة إلى حواسيب فائقة.

ذكاء اصطناعي لا يستهلك الكوكب

ديمقراطية الذكاء الاصطناعي

ويشير خليف إلى أن “هذه المنهجية قد تجعل مجال الذكاء الاصطناعي أكثر شمولًا وتنوعًا، وتقلص الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية في هذا المجال”، موضحًا أن من أبرز مزايا الطريقة الجديدة أنها ديمقراطية في طبيعتها، لأنها تقلل الحاجة إلى حواسيب عملاقة وشرائح متقدمة وطاقة هائلة، ما يتيح للباحثين في الدول النامية أو الأفراد بموارد محدودة إمكانية بناء نماذجهم الخاصة.

ومع ذلك، توجد بعض القيود، إذ لا يمكن استخدام هذه المنهجية حاليًا بشكل مباشر مع بعض أنواع الشبكات العصبية، مثل تلك المتخصصة في تحليل الصور والفيديوهات أو في معالجة اللغة الطبيعية. ومع ذلك، يرى الباحثون أنها قد تُستخدم كنقطة انطلاق للتدريب، مما يقلل الوقت والموارد في المراحل الأولى.

ويختم خليف بقوله: “إذا أثبتت هذه المنهجية نجاحها في التطبيقات الواقعية، فبالتأكيد سترغب كل شركة وكل صناعة في استخدامها. كما ستفيد الشركات الصغيرة، وقد تُستخدم حتى في المنازل والهواتف المحمولة ولدى الأشخاص العاديين”.

إن الجمع بين الكفاءة في الأداء والبساطة في التنفيذ دون التفريط في الدقة هو جوهر هذا التطوير، ففي عالم يتزايد اعتماده على تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمثل تقليل الأثر البيئي وتوسيع دائرة المشاركة البحثية رهانًا حقيقيًا على مستقبل أكثر استدامة وعدالة.

ومع استمرار التجارب والتقييمات، قد نجد قريبًا نماذج مدعومة بهذه المنهجية في هواتفنا، وسياراتنا، وحياتنا اليومية، بذكاء لا يستهلك الكوكب، بل يخدمه.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading