أهم الموضوعاتأخبارالطاقة

ثورة المفاعلات النووية المصغّرة.. طاقة نظيفة بحجم ملعب كرة قدم.. قد تُغذي المدن والجامعات بالكهرباء

من الغواصات إلى المدن.. المفاعلات النووية الدقيقة تطرق الأبواب.. استثمار حكومي وثقة شعبية قبل التشغيل

قد تتخيل محطات الطاقة النووية كمرافق ضخمة تمتد على مئات الأفدنة.
أما المفاعلات النووية الدقيقة، على النقيض، فيمكن أن تُقام على مساحة بحجم ملعب كرة قدم وتغذي مدينة كاملة بالطاقة.
لكن بعد عقود من العلاقات المتوترة بين صناعة الطاقة النووية والمجتمعات المحلية في أنحاء الولايات المتحدة، يتطلب إنشاء هذه المفاعلات الصغيرة مواجهة التاريخ المعقد للتقنية النووية وإعادة بناء الثقة العامة.
لم يُطوَّر بعدُ استخدام تكنولوجيا المفاعلات الدقيقة في المدن أو البلدات، لكن العديد من الباحثين يعملون على بناء مبررات لاستخدامها.
على سبيل المثال، قد تستفيد منها الجامعات، والمجتمعات النائية في ألاسكا المعتمدة على النفط والديزل، وشركات التقنية التي تبحث عن كهرباء موثوقة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والمصانع التي تحتاج حرارة عالية للعمليات الصناعية، وعمليات التعدين التي تحتاج إلى مصدر طاقة نظيف، وحتى القواعد العسكرية.
أديتي فيرما، أستاذ مساعد في الهندسة النووية والعلوم الإشعاعية، جامعة ميشيجان، ركزت في بحث جديد على إمكانات المفاعلات النووية الدقيقة، وعلى الأسئلة التي تثار عند وضع هذه المفاعلات المصغرة قرب المناطق السكنية.

تاريخ المفاعلات الدقيقة

فيرما، أكدت أن المفاعلات النووية الدقيقة تقنية جديدة وقديمة في آن واحد، ففي أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، بدأ الجيش والحكومة الأميركيان في تطوير مفاعلات صغيرة وبطاريات نووية لتشغيل الغواصات والمركبات الفضائية.
وأوضحت فيرما ،أنه بعد تطوير هذه المفاعلات والبطاريات الصغيرة لمهمات متنوعة، تحوّل تركيز الصناعة النووية إلى مفاعلات القدرة الكبيرة.
كانت تلك المفاعلات التاريخية صغيرة لأن العلماء كانوا ما يزالون يتعلمون الفيزياء والهندسة الكامنة وراء هذه الأنظمة. اليوم يصمم المهندسون المفاعلات الصغيرة عمدًا.
وأكدت فيرما ، أنه لا ينبغي الخلط بين المفاعلات الدقيقة والمفاعلات الصغيرة المعيارية، إذ تمثل الأخيرة نسخًا مُصغّرة ومُجزّأة من المفاعلات الكبيرة يمكن بناؤها كوحدات مفردة أو في مجموعات لتحقيق السعة ذاتها لمفاعل كامل الحجم.
أما المفاعلات الدقيقة فستكون أصغر من ذلك، بطاقة أقل من 20 ميجاواط.

المفاعلات النووية الصغيرة
المفاعلات النووية الصغيرة

التصنيع والتكلفة

وتقول فيرما ، إنه نظرًا لصغر حجمها، لن تتطلب المفاعلات الدقيقة مشروع إنشاء ضخمًا يمتد لسنوات مثل مفاعلات الطاقة الكبيرة.
يمكن تجميع عدة وحدات في مصنع كل عام ونقلها إلى وجهتها النهائية بشاحنة أو على بارجة.
وتشير الباحثة إلى ان المفاعلات الكبيرة ليست معيبة بطبيعتها، بل تظل خيارًا اقتصاديًا في نواحٍ عدة، لكن شركات المرافق الكهربائية باتت تتردد في الاستثمار فيها.
وذكرت أن المفاعلات الدقيقة تحتاج إلى استثمار مختلف لكنه مهم بالقدر نفسه، فرغم انخفاض تكلفة الوحدة الواحدة مقارنةً بالمفاعلات الكبيرة، فإن بناء مصنع لإنتاجها يُعد مهمة ضخمة.
وتنتظر الشركات المصنِّعة امتلاء دفاتر طلباتها قبل الإقدام على هذه الخطوة.
وترى فيرما، إنه مأزق متبادل؛ فالمطورون ينتظرون الطلبات لبناء المصانع، والمستخدمون المحتملون ينتظرون اختبار نمط الإنتاج الجديد وبناء الوحدات الأولى.
كما أنهم يترقبون معرفة التكلفة الفعلية للمفاعلات الدقيقة. في الماضي، لم تكن تقديرات تكاليف المفاعلات النووية دقيقة دائمًا.
ستكون الوحدات الأولى حتمًا أغلى بكثير من نظيراتها اللاحقة. ومع تعلم الشركات أفضل عمليات الإنتاج، ستتمكن من تصنيع المزيد من المفاعلات بتكلفة أقل.
في هذا الوضع، قد يساعد التمويل الحكومي لبناء مشروعات تجريبية على نقل المفاعلات الدقيقة من مرحلة التصميم إلى السوق. كما أن الجهات الرائدة مثل المختبرات الوطنية والجامعات ومراكز البيانات والقواعد العسكرية التي تشتري هذه الوحدات الأولى تلعب دورًا في إثبات جدواها الاقتصادية.

المفاعلات النووية الصغيرة
المفاعلات النووية الصغيرة

المفاعلات الدقيقة اليوم

في المفاعل النووي، يحدد مزيج الوقود النووي والمبرد – أي المادة المستخدمة لتبريد الوقود ونقل الحرارة الناتجة عنه – الحالات التي يعمل فيها بأفضل صورة.
تسمح العديد من المبرّدات غير المائية للمفاعلات بالعمل عند ضغوط منخفضة، وهو ما يزيد درجة الأمان نسبيًا.
تعتمد المفاعلات الدقيقة الجاري تطويرها اليوم على نطاق واسع من تقنيات المفاعلات وتستخدم توليفات مختلفة من الوقود والمبرد.
بعضها، مثل مفاعلات دفع الغواصات، عبارة عن مفاعلات ماء مضغوط صغيرة – وهي التقنية الأساسية نفسها المستخدمة في معظم محطات الطاقة النووية الكبيرة.
وبعضها يستخدم تصاميم تشبه مفاعلات المركبات الفضائية الصغيرة.
وهناك أخرى تستعين بمزيج الوقود والمبرد الذي جُرّب سابقًا في مفاعلات أكبر مثل المفاعلات الغازية ذات الحرارة العالية، والمفاعلات السريعة المبردة بالصوديوم، وحتى مفاعلات الأملاح المنصهرة.
ورغم هذا التنوع، تتميز جميع المفاعلات الدقيقة بأنها أبسط بكثير من المفاعلات الكبيرة المستخدمة اليوم.
في كثير من الحالات، تحتوي على عدد قليل جدًا أو حتى لا تحتوي على أجزاء متحركة.
وبفضل بساطتها، ستكون هذه المفاعلات أكثر قابلية للفهم والدراسة، ما يقلل نقاط الفشل ومخاطر السلامة.
الأنظمة الكبيرة والمعقدة مثل مفاعلات الطاقة الكبيرة يمكن أن تكون غير قابلة للإحاطة الكاملة، بما يترتب على ذلك من مخاطر واستقرار غير متوقع. أما المفاعلات الدقيقة فستكون أكثر أمانًا وتنبؤًا من المفاعلات الكبيرة حين شُيِّدت لأول مرة.

اختيار مواقع المفاعلات الدقيقة

رغم أن وزارة الطاقة الأميركية تشرف على مشروعات تجريبية للمفاعلات الدقيقة، فإن نشرها تجاريًا يتطلب موافقة لجنة التنظيم النووي الأميركية، وقد يستغرق ذلك سنوات عدة وقد يحدد في النهاية مدى سرعة بناء المفاعلات التجارية.
هناك الآن عدة تصاميم في المراحل الأولى من المراجعة أو تقترب منها.
ولحماية السكان، لدى المفاعلات الكبيرة مناطق تخطيط طارئ محددة – عادة 10 و50 ميلًا – تتطلب درجات مختلفة من التخطيط والحماية.

المفاعلات النووية الصغيرة
المفاعلات النووية الصغيرة

في حال وقوع حادث كارثي، يوجد في نطاق العشرة أميال ملاجئ وخطط إخلاء محددة، بينما قد يحتاج سكان نطاق الخمسين ميلًا إلى اتخاذ احتياطات بشأن ما يأكلون ويشربون لكنهم لا يضطرون إلى الإخلاء.
نظرًا لصغر حجم المفاعلات الدقيقة وبساطتها، قد يقلّص المطوّرون والجهات التنظيمية مناطق التخطيط الطارئ بشكل كبير. قد تقتصر على حدود موقع المنشأة أو تمتد بضع مئات من الأمتار فقط.
يمكن أن يعني تقليص منطقة التخطيط الطارئ إمكانية بناء المفاعلات الدقيقة في المدن والبلدات أو داخل المجتمعات النائية. وربما تصبح في يوم ما مألوفة مثل الألواح الشمسية أو توربينات الرياح.
وكما يمكن لمفاعل غواصة أن يمد مجتمعًا صغيرًا تحت الماء بالطاقة، قد يزوّد مفاعل دقيق واحد مدينة ريفية بالكهرباء.
لكن حتى لو كان من الممكن فنيًا وضع مفاعل نووي دقيق قرب مدينة، فهل سيقبل المجتمع المحلي بذلك؟

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading