نحو 2000 مدينة حول العالم تنمو اقتصاديًا وتخفض تلوث الهواء في آن واحد

الأقمار الصناعية ترصد مدنًا أكثر ثراءً وأقل تلوثًا.. وموسكو والرياض وأبوظبي خارج الاتجاه

كشفت بيانات الأقمار الصناعية أن نحو 2000 مدينة من أكبر مدن العالم تمكنت من تحقيق نمو اقتصادي بالتزامن مع خفض مستويات تلوث الهواء، في مؤشر على إمكانية تحقيق النمو الاقتصادي دون زيادة الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وفي المقابل، أظهرت البيانات أن مجموعة أصغر من المدن سريعة النمو لم تتمكن من تحقيق المعادلة نفسها، إذ تزامن توسع اقتصاداتها مع زيادة استخدام الوقود الأحفوري وارتفاع مستويات أحد أبرز ملوثات الهواء المرتبطة به.

ويتركز هذا الملوث في ثاني أكسيد النيتروجين، وهو غاز ينتج بصورة رئيسية عن محركات السيارات ومحطات توليد الكهرباء والمصانع عند حرق الوقود الأحفوري.

ويرتبط التعرض لثاني أكسيد النيتروجين بتهيج الرئتين وتفاقم أعراض الربو وزيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والرئة، كما يشارك في تكوين الضباب الدخاني والجسيمات الدقيقة التي تؤثر في جودة الهواء داخل المدن.

تلوث الهواء

دراسة جديدة تبحث العلاقة بين النمو والتلوث

أجرى فريق من المعهد النرويجي لأبحاث الهواء (NILU) دراسة لفحص ما إذا كانت العلاقة التقليدية بين النمو الاقتصادي وارتفاع مستويات التلوث لا تزال قائمة في المدن الكبرى.

وطابق الباحثون، خلال الفترة من يناير 2019 إلى ديسمبر 2024، بيانات الأقمار الصناعية الخاصة بمستويات ثاني أكسيد النيتروجين مع بيانات الدخل المحلي لأكثر من 5400 مدينة يتجاوز عدد سكان كل منها 100 ألف نسمة.

ومن بين هذه المدن، كانت البيانات الخاصة بـ2475 مدينة واضحة بما يكفي لتحديد الاتجاهات المتعلقة بالنمو الاقتصادي وتلوث الهواء.

وأظهرت النتائج، أن نحو 80% من هذه المدن، أي قرابة 2000 مدينة، شهدت ارتفاعًا في مستويات الدخل بالتزامن مع انخفاض تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين.

وقال دانيال موران، أحد الباحثين المشاركين في الدراسة بالمعهد النرويجي لأبحاث الهواء، إن هذه النتائج تمثل مؤشرًا مشجعًا على إمكانية تحقيق ما وصفه بالنمو الأخضر.

وأضاف أن المدن تمتلك القدرة، وغالبًا رغبة أكبر من الحكومات الوطنية، في الابتعاد عن الوقود الأحفوري.

تلوث الهواء

قمر صناعي يرصد بصمة الوقود الأحفوري

اعتمد الباحثون في تحليلهم على بيانات القمر الصناعي Sentinel-5P، التابع لبرنامج كوبرنيكوس الأوروبي الذي تديره وكالة الفضاء الأوروبية.

ويتيح القمر الصناعي قياس تركيزات ثاني أكسيد النيتروجين في الغلاف الجوي فوق المدن بمستوى من التفاصيل يفوق ما كانت توفره الأقمار الصناعية الأقدم.

ورغم أن ثاني أكسيد النيتروجين ليس من غازات الدفيئة الرئيسية، فإنه يمثل مؤشرًا مهمًا على استخدام الوقود الأحفوري، لأن حرق البنزين والديزل وغيرهما من أنواع الوقود ينتج هذا الغاز بصورة مباشرة.

وبمجرد وصول ثاني أكسيد النيتروجين إلى الغلاف الجوي، فإنه يشارك في تكوين الضباب الدخاني والأوزون القريب من سطح الأرض، كما يمكن أن يسقط على الأرض في صورة أمطار حمضية تضر بالمحاصيل الزراعية.

كما يمكن أن يكون له تأثير غير مباشر، وإن كان أقل أهمية، في ظاهرة الاحتباس الحراري.

الصين تتصدر المدن التي حققت النمو النظيف

تضم الصين أكبر عدد من المدن التي نجحت في تحقيق نمو اقتصادي بالتزامن مع خفض مستويات ثاني أكسيد النيتروجين.

ومن بين 719 مدينة صينية شملتها الدراسة، برزت مدن مثل بكين وشنغهاي وتشنغدو باعتبارها من النماذج اللافتة لهذا التحول.

ويربط الباحثون هذا الاتجاه بتطبيق قواعد أكثر صرامة للحد من الانبعاثات، إلى جانب التحول من حافلات وقطارات تعمل بالديزل إلى وسائل نقل كهربائية.

كما ساهم نقل بعض الصناعات الثقيلة بعيدًا عن مراكز المدن في الحد من مستويات التلوث الحضري.

تلوث الهواء

مدن أوروبية تحقق المعادلة نفسها

وتظهر مدن أوروبية مثل باريس وبرلين وروما وأمستردام اتجاهًا مشابهًا، إذ تمكنت اقتصاداتها من النمو دون زيادة مماثلة في مستويات ثاني أكسيد النيتروجين.

ويربط الباحثون ذلك بمجموعة من الإجراءات، من بينها تطبيق مناطق منخفضة الانبعاثات تحد من دخول المركبات الأكثر تلويثًا إلى مراكز المدن، إلى جانب التحول التدريجي نحو مصادر كهرباء أكثر نظافة.

وتعكس هذه التجارب إمكانية فصل النمو الاقتصادي عن زيادة تلوث الهواء، عندما تترافق السياسات الاقتصادية مع إجراءات واضحة لتحسين كفاءة الطاقة والنقل والتحول إلى مصادر طاقة أنظف.

مدن أخرى تزداد ثراءً وتلوثًا

في المقابل، تكشف الدراسة عن اتجاه مختلف في نحو 390 مدينة، من بينها موسكو وطشقند وإزمير والرياض وأبوظبي، حيث تزامن النمو الاقتصادي مع زيادة استخدام الوقود الأحفوري.

وتقع العديد من هذه المدن في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، وهي مناطق تشهد نموًا اقتصاديًا سريعًا، لكنها لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على النفط والغاز والفحم لتوفير الطاقة اللازمة للكهرباء والصناعة والنقل.

ويرى الباحثون أن سياسات الطاقة الوطنية قد تكون أكثر تأثيرًا في هذه الحالات من الإجراءات التي تستطيع السلطات المحلية اتخاذها بمفردها.

كما أن ضعف معايير كفاءة واستهلاك الوقود، إلى جانب انخفاض تكلفة الطاقة الأحفورية في بعض الأسواق، يمكن أن يحد من قدرة المدن على تغيير مسار استهلاك الطاقة بصورة سريعة.

ماذا لا تستطيع الأقمار الصناعية قياسه؟

ورغم أهمية النتائج، يقر الباحثون بوجود عدد من القيود على هذا النوع من التحليل.

فبيانات الدخل والاقتصاد تكون أقل توافرًا ودقة في بعض الدول النامية، ما يعني أن بعض التقديرات الاقتصادية المستخدمة في الدراسة قد تكون أقل موثوقية من غيرها.

كما أن المؤشر المستخدم لا يأخذ في الاعتبار التلوث الناتج بصورة غير مباشرة عن السلع التي تستوردها المدن من مصانع موجودة في دول أخرى.

وتشير الدراسة أيضًا إلى أن الفترة الزمنية الممتدة لست سنوات فقط قد لا تكون كافية لتحديد ما إذا كانت الاتجاهات الحالية ستستمر على المدى الطويل، خصوصًا أن الفترة شملت الاضطرابات الاقتصادية وحركة النقل التي صاحبت جائحة كوفيد-19.

وأتاح فريق البحث مجموعة البيانات الكاملة أمام العلماء الآخرين، بما يسمح بمراجعة النتائج والتحقق منها وإجراء تحليلات إضافية.

تلوث الهواء

انخفاض ثاني أكسيد النيتروجين لا يعني انخفاض الكربون

ويؤكد الباحثون، أن انخفاض مستويات ثاني أكسيد النيتروجين في مدينة ما لا يعني بالضرورة أن انبعاثاتها من ثاني أكسيد الكربون وغيره من غازات الدفيئة قد انخفضت أيضًا.

فثاني أكسيد النيتروجين يعد مؤشرًا جيدًا على بعض أشكال استخدام الوقود الأحفوري، لكنه لا يوفر صورة كاملة عن البصمة الكربونية للمدينة.

ولم يتم حتى الآن إجراء قياس عالمي بهذا الحجم يحدد بصورة مباشرة العلاقة بين النمو الاقتصادي للمدن واتجاهات انبعاثات غازات الدفيئة المختلفة.

وقال أنتوني ديلابوا، عالم الغلاف الجوي في وكالة الفضاء الأوروبية، إن الأقمار الصناعية تتيح إمكانية تتبع مثل هذه الاتجاهات على نطاق عالمي.

وأوضح أن مهمات الأقمار الصناعية، ومنها Sentinel-5P، توفر صورة عالمية ومتسقة عن كيفية تغير تلوث الهواء، ما يساعد الباحثين والمواطنين وصانعي السياسات على متابعة التقدم وفهم تأثير السياسات البيئية بصورة أفضل.

ومن المنتظر أن تواصل أقمار صناعية أحدث هذا النوع من عمليات الرصد، إذ سيعمل Sentinel-4 على مراقبة أجواء أوروبا بصورة متكررة تصل إلى مرة كل ساعة، بينما سيواصل Sentinel-5 عمليات الرصد على مستوى العالم.

ونُشرت الدراسة الكاملة في دورية Nature Cities، لتضيف دليلًا جديدًا إلى النقاش العالمي حول قدرة المدن على تحقيق النمو الاقتصادي بالتزامن مع تحسين جودة الهواء وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

Exit mobile version