تلوث الهواء يزيد من خطر الإصابة بالتوحد
المناطق الحضرية ذات مستويات التلوث المرتفعة تتعرض السكان وخاصة الأمهات الحوامل لمستويات من التلوث قد تؤثر على نمو الطفولة المبكرة
تسلط الأبحاث الحديثة الضوء على العلاقة بين تلوث الهواء وزيادة خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد (ASD) لدى الأطفال، وخاصة أولئك الذين لديهم استعداد وراثي.
تستكشف الدراسة دور أكسيد النيتريك (NO) والمواد الملوثة الأخرى في إثارة الاستجابات البيولوجية المعقدة التي يمكن أن تؤثر على النمو العصبي.
أجرى البحث الدكتور هيثم أمال، رئيس مختبر علم الأعصاب والإشارات الخلوية والطب الانتقالي، قال: “لقد ألهمني لقاء الأسر والأطفال المصابين بالتوحد في بوسطن أثناء وجودي في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا للتركيز على هدف واحد:
المساعدة في تطوير التشخيصات البيولوجية والعلاج لاضطراب طيف التوحد”.
نشرت الدراسة في مجلة طب الدماغ .
لقد أثر هذا اللقاء على مسيرته المهنية، مما دفعه إلى التحقيق في الطرق التي تتحد بها العوامل البيئية والوراثية للتأثير على خطر الإصابة باضطراب طيف التوحد.

تأثير التلوث على النمو العصبي
يحتوي تلوث الهواء على العديد من العناصر الضارة، بما في ذلك الجسيمات العالقة، وأكاسيد النيتروجين، وثاني أكسيد الكبريت، والأوزون، ويمكن لهذه الملوثات، عند استنشاقها، أن تتجاوز حاجز الدم في المخ، مما يؤدي إلى الالتهابات والتغيرات في الأداء العصبي.
تسلط الأبحاث الضوء على كيفية قدرة الجسيمات مثل PM2.5 – وهي جسيمات مجهرية من مصادر مثل عوادم البناء والسيارات – ومنتجات أكسيد النيتريك على عبور المشيمة، مما يؤثر بشكل مباشر على نمو دماغ الجنين.
وقال أمال، مسلطة الضوء على الدور الرئيسي لأكسيد النيتريك في صحة الدماغ: “أظهر مختبري أن أكسيد النيتريك يلعب دورًا رئيسيًا في اضطراب طيف التوحد”.
وتشير المراجعة إلى كيف أن المناطق الحضرية ذات مستويات التلوث المرتفعة، مثل فينيكس وسان خوسيه ويوجين، تعرض السكان، وخاصة الأمهات الحوامل، لمستويات من التلوث قد تؤثر على نمو الطفولة المبكرة.

وأظهر تقرير صادر عن جمعية الرئة الأمريكية أن 39% من سكان الولايات المتحدة يعيشون في مناطق ذات جودة هواء مثيرة للقلق، وهو الأمر الذي قد يشكل، إلى جانب الاستعدادات الوراثية، عاملاً رئيسياً وراء ارتفاع معدلات الإصابة بالتوحد.
التعرض للتلوث والمسارات البيولوجية
وتقدم المراجعة أدلة على وجود العديد من المسارات البيولوجية التي قد تربط التعرض للتلوث بزيادة خطر الإصابة بالتوحد.
الإجهاد النتروجيني وأكسيد النيتريك
لقد ثبت أن الإجهاد النتروجيني الناتج عن أكسيد النيتريك يؤثر على التطور العصبي، وكان هذا أحد الاكتشافات الأساسية للدكتورة أمل.
الالتهاب العصبي والإجهاد التأكسدي
يمكن أن تؤدي الملوثات المستنشقة إلى حدوث التهاب في الدماغ، مما يتداخل مع نمو الأعصاب، مما قد يساهم في ظهور الأعراض السلوكية المرتبطة بالتوحد.
اختلال الناقل العصبي
يمكن أن تؤدي الملوثات إلى تعطيل توازن المواد الكيميائية الحيوية في الدماغ مثل الدوبامين والنورادرينالين، والتي تلعب دورًا في عملية اتخاذ القرار والتطور المعرفي الشامل.
قام الخبراء بمراجعة الدراسات على النماذج البشرية والحيوانية لفحص هذه التأثيرات البيولوجية، وربط وجود بعض الملوثات بالتغيرات في الأداء العصبي.
وتظهر النتائج أن الملوثات، وخاصة أكسيد النيتروجين، يمكن أن تعبر المشيمة وتؤثر بشكل مباشر على الجنين.
هذه الحساسية خلال مراحل ما قبل الولادة ومرحلة الطفولة المبكرة، عندما ينمو الدماغ بسرعة، تجعل الجسم عرضة بشكل خاص للعوامل الخارجية.
التقارب بين الجينات والبيئة
إن مرض التوحد له مكون وراثي قوي، وتشير التقديرات إلى أن 40-80% من الحالات قد تكون لها أساس وراثي. ومع ذلك، يزعم العلماء أن العوامل الوراثية وحدها لا يمكنها تفسير انتشار هذه الحالة المتزايد.
وأوضح الباحث، أن “توقيت التعرض يبدو حاسماً، مع ارتفاع معدلات التعرض خلال فترة ما قبل الولادة وفي مرحلة الطفولة المبكرة”.
وتشير المراجعة إلى أنه في حين أن الاستعداد الوراثي للإصابة بالتوحد يمكن أن يزيد من الحساسية للملوثات، فإن المحفزات البيئية – وخاصة تلوث الهواء – قد تتفاعل مع الجينات لزيادة خطر الإصابة بالتوحد.
وأظهرت دراسة منفصلة أجرتها جامعة هارفارد أن التعرض للجسيمات الدقيقة في وقت مبكر من الحياة قد يزيد من خطر الإصابة بالتوحد بنسبة تصل إلى 64 في المائة، وأن التعرض قبل الولادة قد يرفع الخطر بنسبة 31 في المائة.
يقدم هذا التفاعل بين الجينات والبيئة نموذجًا جديدًا لفهم أسباب مرض التوحد.

التدخلات المبكرة للفئات المعرضة للخطر
ومع تدهور جودة الهواء بسبب التوسع الحضري، هناك حاجة ملحة لتقييم تأثير التلوث على الفئات السكانية الضعيفة.
وتشير النتائج التي توصلت إليها أمل إلى أن الحكومات قد تحتاج إلى تعديل التخطيط الحضري ومراقبة التلوث لحماية الصحة قبل الولادة .
وتشير الدراسة أيضًا إلى فرص بحثية مستقبلية، وخاصة في تطوير المؤشرات الحيوية للكشف المبكر عن اضطراب طيف التوحد.
ومن خلال تحديد مؤشرات محددة للإجهاد العصبي المرتبط بالتلوث، قد يتمكن الأطباء يوما ما من فحص الرضع والفئات المعرضة للخطر بدقة أكبر.
وقال أمال: “يمكن ربط أنواع مختلفة من الاضطرابات العصبية، بما في ذلك اضطراب طيف التوحد، بهذا العامل البيئي”.
ويقوم فريقه بدراسة ما إذا كان الجمع بين البيانات الجينية والبيئية يمكن أن يحسن التشخيص، الأمر الذي قد يمكن من التدخل المبكر للسكان المعرضين للخطر.
التلوث وانتشار مرض التوحد
وتدعو الدراسة إلى إجراء أبحاث موسعة لاستكشاف كيفية تأثير الملوثات المختلفة على نمو الدماغ.
وأضاف: “تشير الأبحاث إلى أن الأفراد الذين لديهم استعداد وراثي للإصابة باضطراب طيف التوحد قد يكونون أكثر عرضة للتأثيرات الضارة الناجمة عن التعرض لتلوث الهواء”.
ومع ارتفاع معدل انتشار اضطراب طيف التوحد في جميع أنحاء العالم، قد يؤدي هذا البحث إلى دفع تطوير السياسات الوقائية، مثل مراقبة جودة الهواء المستهدفة في المدن.
وبالإضافة إلى ذلك، يسلط عمل أمل الضوء على الحاجة إلى استراتيجيات وقائية في المجتمعات التي تواجه مستويات مرتفعة من التلوث.
وقد تدفع أفكاره مخططي المدن ومقدمي الرعاية الصحية والأسر إلى إعطاء الأولوية لتحسين جودة الهواء، وخاصة في المناطق عالية الخطورة.

التلوث والاضطرابات العصبية
لا يساهم العمل الرائد الذي قامت به أمل في أبحاث التوحد فحسب، بل له آثار أيضًا على الحالات العصبية الأخرى.
وتشير الروابط التي يرسمها بين أكسيد النيتريك واضطراب طيف التوحد ومرض الزهايمر إلى وجود مسارات جزيئية مشتركة.
ومن خلال معالجة الالتهاب العصبي المرتبط بأكسيد النيتريك، قد تستهدف العلاجات في نهاية المطاف حالات دماغية متعددة.
وفي نهاية المطاف، تؤكد الدراسة على قوة البحث متعدد التخصصات في معالجة الحالات المعقدة مثل التوحد.
وكما استنتج أمل، فإن التزام مختبره بفحص العوامل البيئية إلى جانب الاستعدادات الوراثية يمكن أن يؤثر بشكل كبير على مشهد علاج الاضطرابات العصبية، مما يعود بالنفع على الأجيال الحالية والمستقبلية.





