خبراء: تغير المناخ لم يعد قضية بيئية فقط بل تهديد مباشر للصحة العامة

استطلاع عالمي يكشف دعماً واسعاً لتحرك الحكومات ضد آثار المناخ الصحية

كشفت دراسة دولية حديثة أن التركيز على المخاطر الصحية الناتجة عن التغير المناخي يُعد أكثر فعالية في دفع الرأي العام لدعم الإجراءات الحكومية لمواجهة الأزمة المناخية، مقارنة بالرسائل التي تركز فقط على الجوانب الاقتصادية أو البيئية.

وأوضحت الدراسة، التي أجرتها مؤسسة «Climate Opinion Research Exchange (CORE)» بدعم من مؤسسة «Wellcome Trust»، أن الرسائل المرتبطة بالصحة العامة كانت أكثر قدرة بمرتين على تحفيز الدعم الشعبي للتحرك المناخي، مقارنة بالرسائل التي تتناول الاقتصاد أو البيئة فقط.

واعتمدت الدراسة على استطلاع شمل نحو 30 ألف شخص في كل من البرازيل والهند واليابان وجنوب أفريقيا خلال أواخر عام 2025، وأظهرت النتائج وجود دعم شعبي واسع للإجراءات الحكومية الرامية إلى الحد من التأثيرات الصحية لأزمة المناخ.

ووفق نتائج الاستطلاع، أعرب أكثر من 80% من المشاركين عن قلقهم تجاه تداعيات التغير المناخي، فيما أيدت غالبية المشاركين السياسات الحكومية التي تهدف إلى حماية الصحة العامة من آثار الأزمة المناخية.

تلوث – مخاطر التغير المناخي

المناخ يهدد صحة البشر

وأكدت الدراسة أن الكوارث الإنسانية المرتبطة بالمناخ، مثل موجات الحر الشديدة والحرائق والعواصف والفيضانات، تتزايد بالفعل حول العالم بسبب ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن النشاط البشري، وفقًا لتحذيرات منظمة الصحة العالمية.

وأشارت المنظمة إلى أن أكثر من ثلث سكان العالم باتوا معرضين لمخاطر مناخية مباشرة، تشمل:

حرائق الغابات

وأوضح داستن جيلبريث، الباحث في مؤسسة CORE وأحد معدي الدراسة، أن الحديث عن تأثير المناخ على الصحة الشخصية وصحة الأطفال يجعل الناس أكثر استعدادًا لتأييد الإجراءات المناخية، بغض النظر عن توجهاتهم السياسية.

وقال: »عندما يدرك الناس أن التغير المناخي يهدد صحتهم وصحة أطفالهم، يصبحون أكثر انفتاحًا لدعم التحرك المناخي، لأن الصحة قضية تهم الجميع«.

الصحة والمناخ على أجندة القمم الدولية

وفي مؤتمر المناخ COP28 بمدينة دبي، أصدرت أكثر من 150 دولة إعلانًا أعربت فيه عن “قلق بالغ” تجاه التأثيرات الصحية الناتجة عن تغير المناخ، وتعهدت بتعزيز السياسات التي تقلل الانبعاثات الكربونية وتحسن الصحة العامة، مثل الحد من تلوث الهواء الناتج عن السيارات والمصانع.

كما دعمت أكثر من 80 دولة خطة لتعزيز قدرة الأنظمة الصحية على مواجهة آثار التغير المناخي خلال مؤتمر COP30 الذي عقد في مدينة بيليم البرازيلية العام الماضي.

وحصلت المبادرة على دعم مالي خيري بقيمة 300 مليون دولار لمساعدة الحكومات على:

ورغم ذلك، أشارت الدراسة إلى أن قضايا الصحة لم تحظَ بالأولوية الكافية خلال بعض الاجتماعات الدولية الخاصة بالتحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري.

الوقود الأحفوري

اختلاف أولويات الشعوب

اختبر الباحثون 16 رسالة مختلفة تتعلق بالمناخ، بعضها ركز على الصحة، وأخرى تناولت الاقتصاد أو الوظائف أو الطبيعة، لمعرفة أي الرسائل أكثر تأثيرًا في تشكيل المواقف العامة.

وأظهرت النتائج، أن طبيعة الرسائل المؤثرة تختلف من دولة لأخرى:

جنوب أفريقيا

حقق الخطاب المرتبط بصحة الأطفال والأمن الغذائي والمائي أعلى معدلات التأثير، خاصة مع معاناة البلاد من أزمات جفاف حادة ونقص المياه خلال السنوات الماضية.

البرازيل

كانت الرسائل المرتبطة بالصحة النفسية هي الأكثر تأثيرًا، خاصة ما يتعلق بالقلق والتوتر الناتجين عن الفيضانات والكوارث الطبيعية، حيث أعرب 93% من المشاركين عن قلقهم من تغير المناخ.

اليابان

احتلت موجات الحر الشديدة صدارة القضايا الأكثر تأثيرًا على الرأي العام.

الهند

جاء تلوث الهواء وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية في مقدمة المخاوف المرتبطة بالمناخ.

وقالت نيها ديوان، المستشارة بمؤسسة Wellcome Trust، إن هذه النتائج تساعد على فهم كيفية الوصول إلى المجتمعات المختلفة برسائل أكثر قربًا وتأثيرًا.

تلوث الهواء في الهند

دعم واسع للتحرك الحكومي

وأكد المشاركون في الدول الأربع دعمهم القوي للإجراءات الحكومية لمواجهة التأثيرات الصحية للتغير المناخي.

وفي البرازيل وجنوب أفريقيا، حظيت مشروعات الطاقة الشمسية والطاقة النظيفة بدعم تجاوز 90%، بينما أيد المشاركون في الهند واليابان إجراءات التكيف مع الحرارة الشديدة، مثل تجهيز المباني العامة المكيفة لاستخدامها أثناء موجات الحر.

خطة دولية لمواجهة الأزمة

وقبيل انعقاد الجمعية العامة للصحة العالمية خلال مايو الجاري، دعت اللجنة الأوروبية للمناخ والصحة، برئاسة رئيسة وزراء أيسلندا السابقة كاترين ياكوبسدوتير، الحكومات إلى اتخاذ خطوات عاجلة لمواجهة التأثيرات الصحية لأزمة المناخ.

وتضمنت الخطة:

وقالت ياكوبسدوتير: »أزمة المناخ تهدد الأمن والصحة وحقوق الإنسان، والعمل المناخي لم يعد خيارًا بل استثمارًا ضروريًا لبناء مجتمعات أكثر عدالة وقدرة على الصمود«.

العمل المناخي

نهج جديد في الخطاب المناخي

ويرى الباحثون أن التركيز على الصحة قد يمثل “القطعة المفقودة” في التواصل الجماهيري بشأن التغير المناخي، خاصة أن الرسائل الاقتصادية التقليدية فقدت جزءًا من تأثيرها لدى بعض الفئات.

وأكدت الدراسة أن ربط التغير المناخي بالصحة يجعل القضية أكثر قربًا من حياة الناس اليومية، وأقل استقطابًا سياسيًا، ما قد يسهم في توسيع الدعم الشعبي للتحرك المناخي عالميًا.

Exit mobile version