أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

تغير المناخ.. أزمة بيئية تهدد أيضًا صحتنا النفسية

حين يسخن الكوكب.. تشتعل عقولنا بالقلق والاكتئاب.. يزيد الاكتئاب والانتحار عالميًا

غالبًا ما يُوصَف تغير المناخ بالأرقام: ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية، وعدد مليمترات ارتفاع مستوى البحر، وكميات الأمطار، وأطنان الكربون المنبعثة.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تُغفل جانبًا إنسانيًا بالغ الحساسية: الأثر النفسي للعيش على كوكب يعاني اضطرابًا مناخيًا متسارعًا.
فالأمر لا يتعلق بذوبان الجليد فقط، بل بتآكل قدرتنا النفسية على الصمود أيضًا.
لنبدأ بالكوارث الطبيعية الواضحة، فالفيضانات والحرائق وموجات الحر لا تدمر المنازل والبنى التحتية فحسب، بل تزعزع إحساسنا بالأمان وانتمائنا للمكان وللآخرين.
إذ يواجه الناجون من مثل هذه الكوارث معدلات مرتفعة من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) والاكتئاب والقلق.
وأشارت مجلة The Lancet Planetary Health عام 2018 إلى أن الكوارث الطبيعية المرتبطة بتغير المناخ ترتبط بتحديات نفسية طويلة الأمد.
وللأسف، يبدو أن “عاصفة القرن” باتت حدثًا دوريًا متكررًا.

الإجهاد المزمن

وهناك أيضًا التأثيرات الأقل درامية لكنها لا تقل خطورة، مثل الإجهاد المزمن الناتج عن الجفاف الطويل الذي يؤدي إلى فشل المحاصيل ونقص الغذاء، وتدهور جودة المياه، وتشريد المجتمعات الساحلية بفعل التآكل والفيضانات.
وقد ظهر مصطلح “السولاستالجيا” لوصف الحزن الناجم عن مشاهدة البيئة من حولك تتغير للأسوأ.
بخلاف الحنين إلى الماضي، الذي يشتاق لمكان مضى، تعبر السولاستالجيا عن حزن على حاضر ينهار تحت أقدامنا.
كما أن بيئة المناخ المتطرف تهيئ الظروف لظهور مشكلات صحية جسدية فورية مثل زيادة ثاني أكسيد الكربون الذي يؤثر على الجهازين التنفسي والقلب، وإجهاد الحرارة الذي يؤدي إلى الجفاف، وانتشار الأمراض المعدية.
ويكفي أن نتذكر كيف أثر الإغلاق خلال جائحة “كوفيد-19” على صحتنا النفسية لندرك عمق العلاقة بين الظروف البيئية والحالة الذهنية.

تغير المناخ يهدد دخل الإنسان

فترات الحر الطويلة وارتفاع مستويات العصبية والعدوانية

ولا يقف الأمر عند حدود القلق أو الحزن، فالمناخ يؤثر أيضًا في كيفية عمل الدماغ ذاته.
فقد رُبطت فترات الحر الطويلة بارتفاع مستويات العصبية والعدوانية وحتى زيادة معدلات الانتحار.
وتشير دراسة في مجلة Nature Climate Change (عام 2020) إلى أنه مقابل كل ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في متوسط درجة الحرارة الشهرية، تزداد معدلات الانتحار بشكل ملحوظ.

خطر تغير المناخ على الصحة العقلية
خطر تغير المناخ على الصحة العقلية

إذًا، ماذا يمكننا أن نفعل؟

أولًا، علينا الاعتراف بأن تغير المناخ قضية صحة نفسية بقدر ما هو قضية بيئية أو فيزيولوجية.
فدمج الدعم النفسي ضمن خطط الإغاثة بعد الكوارث أمر ضروري، لكن الأهم هو الوقاية: تعزيز التماسك المجتمعي، وتوسيع المساحات الخضراء، وتعليم مهارات التكيف التي تعالج مشاعر العجز.
كما يجب أن تُدرج خطط الطوارئ المناخية ضمن رعاية المرضى النفسيين المزمنين، وهو ما لا يزال غائبًا عن تفكير كثير من المتخصصين في الرعاية الصحية.

الحرارة وانخفاض التركيز- ارتفاع درجة الحرارة

منح الناس إحساسًا بالقدرة على الفعل

وأخيرًا، فإن منح الناس إحساسًا بالقدرة على الفعل – من خلال النشاط البيئي، أو تبني أساليب حياة مستدامة، أو العمل الجماعي – يمكن أن يكون درعًا نفسيًا ضد الإحباط واليأس.
وحتى الدعابة، رغم بساطتها، قد تساعدنا على الصمود. فالتهكم على نهاية العالم لن ينقذ الكوكب، لكنه قد يجعل انتظار التغيير أقل قسوة.
إن أزمة المناخ ليست مجرد حمى تصيب الكوكب، بل اختبار لقدرتنا النفسية على التحمل.
وإذا لم نولِ الجانب النفسي ما يستحقه من اهتمام، فقد نجد أنفسنا في عالم لا يُطاق العيش فيه ولا يُحتمل الوجود عليه.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading