تغير المناخ قد يؤدي إلى خفض أرباح الشركات 7% بحلول عام 2035.. تضاعف سوق المنتجات المستدامة ثلاث مرات 2050 ليصل 14 تريليون دولار
في 2022 و2023 ضخ البنك الدولي وغيره من المؤسسات متعددة الأطراف 85 مليار دولار أكثر مما جمعته من مدفوعات خدمة الديون
قد تواجه الشركات التي تتجاهل المخاطر المناخية مثل الحرارة الشديدة خسائر سنوية في الأرباح تصل إلى 7% بحلول عام 2035، وهذا ما يقرب من نصف الانخفاض الذي شهدناه خلال جائحة فيروس كورونا.
هذا هو الاستنتاج الذي توصلت إليه دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي، وقد حدد المنتدى الاقتصادي العالمي مخاطر عالية بشكل خاص ناجمة عن تغير المناخ بالنسبة لقطاع الاتصالات، والمرافق العامة، وشركات الطاقة.
ويرجع ذلك إلى ضعف مراكز البيانات والبنية التحتية للشبكات في مواجهة درجات الحرارة الشديدة ونقص المياه.
ولكن المنتدى الاقتصادي العالمي يرى أيضا فرصا، إذ من الممكن أن يتضاعف حجم سوق المنتجات المستدامة ثلاث مرات ليصل إلى 14 تريليون دولار بحلول منتصف العقد.
ومن المرجح أن يستفيد من ذلك موردو الطاقة البديلة والنقل المستدام والسلع الاستهلاكية الصديقة للبيئة.
على مستوى العالم، هناك مدخرات وفيرة، تبلغ 17 تريليون دولار، والسيولة عند مستويات تاريخية”، كما جاء في وثيقة استراتيجية رئيسية في ذلك الوقت.

ولكن الخبر السيئ هو أن كل هذا تحول إلى خيال، وبدلاً من ذلك، انقلبت المشهد التمويلي للتنمية رأساً على عقب منذ عام 2022، استخرج الدائنون الأجانب من القطاع الخاص ما يقرب من 141 مليار دولار إضافية في مدفوعات خدمة الديون من المقترضين من القطاع العام في الاقتصادات النامية مقارنة بما صرفوه في التمويل الجديد.
ولكن هناك استثناء واحد صارخ: ففي عامي 2022 و2023، ضخ البنك الدولي وغيره من المؤسسات المتعددة الأطراف نحو 85 مليار دولار أكثر مما جمعته من مدفوعات خدمة الديون.
وعلى هذا فقد تم دفع المؤسسات المتعددة الأطراف إلى دور لم تكن مصممة للعبه قط. فهي الآن جهات إقراض الملاذ الأخير، وتنشر التمويل التنموي الطويل الأجل النادر للتعويض عن خروج الدائنين الآخرين.
في العام الماضي، شكلت المؤسسات المتعددة الأطراف نحو 20% من رصيد الديون الخارجية طويلة الأجل للاقتصادات النامية، وهو ما يزيد بخمس نقاط عن عام 2019. وتمثل مؤسسة التنمية الدولية التابعة للبنك الدولي الآن ما يقرب من نصف المساعدات الإنمائية المقدمة من المؤسسات المتعددة الأطراف إلى أفقر 26 دولة.
وفي عام 2023، شكل البنك الدولي ثلث إجمالي تدفقات الديون الصافية المتجهة إلى البلدان المؤهلة للحصول على عضوية مؤسسة التنمية الدولية ــ 16.7 مليار دولار، أي أكثر من ثلاثة أمثال الحجم قبل عقد من الزمان.

وتعكس هذه التطورات نظام تمويل معطل. وبما أن رأس المال ــ العام والخاص ــ ضروري للتنمية، فإن التقدم في الأمد البعيد سوف يعتمد إلى حد كبير على إعادة تشغيل تدفقات رأس المال التي استفادت منها أغلب البلدان النامية في العقد الأول من هذا القرن.
ولكن التوازن بين المخاطر والمكافآت لا يمكن أن يظل مختلاً كما هو الحال اليوم، حيث تتحمل المؤسسات المتعددة الأطراف والدائنون الحكوميون كل المخاطر تقريباً في حين يجني الدائنون من القطاع الخاص كل المكافآت تقريباً.
وعندما ارتفعت أسعار الفائدة العالمية بشكل كبير في عامي 2022 و2023، مما أدى إلى زيادة ضائقة الديون في أفقر البلدان، اتبع البنك الدولي ممارسته المعتادة.
فتحول من تقديم قروض منخفضة الفائدة إلى تقديم منح للدول المعرضة لخطر الضائقة بشكل كبير. كما زاد من تمويله الإجمالي لهذه البلدان، وعادة ما تكون شروط السداد سخية تتراوح من 30 إلى 50 عامًا. لكن الدائنين من القطاع الخاص اتجهوا إلى الخروج، حيث كانت أسعار الفائدة المرتفعة تعوضهم بشكل كامل عن مخاطر الاستثمار التي خاضوها.
وفي غياب نظام عالمي يمكن التنبؤ به لإعادة هيكلة الديون، اختارت أغلب البلدان التي تواجه ضائقة مالية أن تتحلى بالصبر بدلاً من التخلف عن سداد ديونها والمجازفة بالانفصال إلى أجل غير مسمى عن أسواق رأس المال العالمية.
وفي بعض الحالات، عادت التمويلات الجديدة القادمة من البنك الدولي إلى الأسواق بسرعة لسداد ديونها للدائنين من القطاع الخاص.

في عام 2023، أنفقت البلدان النامية مبلغا قياسيا قدره 1.4 تريليون دولار أميركي ــ ما يقرب من 4% من إجمالي دخلها الوطني ــ لخدمة ديونها فقط. وفي حين ظلت أقساط سداد الديون الأساسية مستقرة عند نحو 951 مليار دولار، ارتفعت أقساط الفائدة بأكثر من الثلث، إلى نحو 406 مليارات دولار.
تحويلا مدمرا للموارد بعيدا عن المجالات الحاسمة للنمو
وكانت النتيجة، بالنسبة للعديد من البلدان النامية، تحويلا مدمرا للموارد بعيدا عن المجالات الحاسمة للنمو والتنمية في الأمد البعيد، مثل الصحة والتعليم.
لقد كان الضغط على البلدان الأكثر فقرا وضعفاً ــ تلك المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية ــ شرسا بشكل خاص. فقد تضاعفت مدفوعات الفائدة على الديون الخارجية أربع مرات منذ عام 2013، لتبلغ أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 34.6 مليار دولار في عام 2023.
وفي المتوسط، تبلغ مدفوعات الفائدة الآن ما يقرب من 6% من عائدات التصدير في البلدان المؤهلة للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية ــ وهو مستوى لم نصل إليه منذ عام 1999، وبالنسبة لبعض البلدان، يتراوح العبء من 10% إلى 38% من عائدات التصدير.
وليس من المستغرب أن أكثر من نصف البلدان المؤهلة للحصول على مساعدات من المؤسسة الدولية للتنمية إما تعاني من ضائقة الديون أو معرضة لخطر كبير، أو أن الدائنين من القطاع الخاص بدأوا في الانسحاب.

أفقر بلدان العالم تعاني أزمة ملاءة متفاقمة
إن هذه الحقائق تعني ضمناً أن أفقر بلدان العالم لا تعاني من مشاكل السيولة، بل من أزمة ملاءة متفاقمة، وربما يكون من السهل تأجيل الأمر إلى وقت لاحق من خلال تزويد هذه البلدان بالقدر الكافي من التمويل لمساعدتها على الوفاء بالتزاماتها الفورية بالسداد، ولكن القيام بذلك لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد معاناتها.
وتحتاج هذه البلدان إلى نمو أسرع إذا كانت راغبة في تقليص أعباء ديونها، ولكن النمو الأسرع يتطلب استثمارات أكبر، ونظراً لحجم أعباء ديونها، فمن غير المرجح أن يتحقق هذا، ووفقاً للاتجاهات الحالية، فإن قدرتها على السداد لن تستعيد أبداً.
يتعين علينا أن نواجه الواقع: إن أفقر البلدان التي تواجه ضائقة الديون تحتاج إلى تخفيف أعباء ديونها إذا كانت تريد أن تحظى بفرصة تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والازدهار الدائم.
إن النظام العالمي في القرن الحادي والعشرين مطلوب لضمان اللعب العادل في الإقراض لجميع الاقتصادات النامية.
ويستحق المقترضون السياديون على الأقل بعض الحماية التي تُمنح بشكل روتيني للشركات والأفراد المثقلين بالديون بموجب قوانين الإفلاس الوطنية. ويتعين على الدائنين من القطاع الخاص الذين يقدمون قروضاً محفوفة بالمخاطر وعالية الفائدة إلى البلدان الفقيرة أن يتحملوا حصة عادلة من التكلفة عندما تسوء الأمور.
في عصر يتسم بانعدام الثقة المتزايد على المستوى الدولي، سوف يكون من الصعب إرساء هذه المبادئ، ولكن في غيابها، سوف تظل كل أهداف التنمية الرئيسية في خطر، وتواجه نفس المصير الذي لاقاه وعد “المليارات إلى التريليونات”.





