تراجع التنوع النباتي يهدد مخزون الكربون وإنتاجية المراعي حول العالم
دراسة تحذر: اختفاء الأنواع النباتية يهدد المراعي والثروة الحيوانية ومواجهة الاحترار العالمي
كشفت دراسة علمية جديدة أن الحفاظ على التنوع النباتي في المراعي الطبيعية يمكن أن يؤدي دورًا مهمًا في الحد من آثار تغير المناخ، بعدما أظهرت نتائج نمذجة عالمية أن فقدان التنوع بين الأنواع النباتية قد يقلل قدرة المراعي على امتصاص ثاني أكسيد الكربون بنحو 15% على مستوى العالم بحلول منتصف القرن الحالي، بينما قد تصل الخسائر إلى 50% في بعض المناطق الاستوائية.
وتغطي المراعي نحو ربع مساحة اليابسة الخالية من الجليد على سطح الأرض، وتوفر الغذاء للماشية، وتدعم سبل عيش ملايين الأشخاص، فضلًا عن دورها في تخزين كميات كبيرة من الكربون.
لكن قدرتها على الاستمرار في أداء هذه الوظائف قد تتراجع مع اختفاء الأنواع النباتية التي تمنح النظم البيئية مرونة أكبر في مواجهة ارتفاع درجات الحرارة والجفاف والتغيرات المناخية الأخرى.
وأجرى الدراسة باحثون من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ وجامعة كيل في ألمانيا، بهدف تقييم الدور الذي يؤديه التنوع النباتي في الحفاظ على إنتاجية المراعي وقدرتها على امتصاص الكربون في ظل سيناريوهات تغير المناخ.
كيف يحمي التنوع النباتي المراعي من تغير المناخ؟
لا تستجيب جميع النباتات للظروف المناخية بالطريقة نفسها؛ فبعض الأنواع تستطيع تحمل درجات الحرارة المرتفعة، بينما تتميز أنواع أخرى بقدرتها على مقاومة الجفاف، وتستطيع نباتات مختلفة التعافي سريعًا بعد الاضطرابات التي تتعرض لها النظم البيئية.
ويمنح وجود مجموعة متنوعة من الأنواع النباتية المراعي قدرة أكبر على التكيف مع الظروف المتغيرة، إذ يمكن للأنواع الأكثر ملاءمة للبيئة الجديدة أن تعوض جزئيًا تراجع الأنواع الأخرى التي تتضرر بفعل الحرارة أو نقص المياه.
أما عندما يتراجع التنوع النباتي، فتفقد المجتمعات النباتية جزءًا من هذه المرونة، ويصبح اعتمادها على عدد محدود من الأنواع أكثر خطورة؛ فإذا تضرر أحد الأنواع السائدة بسبب تغير الظروف المناخية، فقد لا تجد النباتات الأخرى القادرة على تعويض تراجع إنتاجيته.
وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، ستيفن ويرث، من معهد بوتسدام لأبحاث تأثير المناخ، إن تغير المناخ قد يقلل إنتاجية النباتات التي تهيمن حاليًا على المراعي والمروج.
لكنه أوضح أن الحفاظ على التنوع النباتي يتيح للأنواع الأكثر قدرة على تحمل التأثيرات المناخية فرصة أكبر للانتشار، بما يساعد على الحد من تراجع الإنتاجية.

من التجارب الميدانية إلى النماذج العالمية
أظهرت تجارب ميدانية محدودة النطاق منذ سنوات أن المجتمعات النباتية الأكثر تنوعًا تميل إلى تحقيق إنتاجية أعلى، لكن تعميم هذه النتائج على مستوى العالم ظل تحديًا أمام الباحثين.
ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن كثيرًا من النماذج المستخدمة في أبحاث المناخ تمثل الغطاء النباتي للمراعي بصورة مبسطة، إذ تتعامل معه أحيانًا باعتباره نوعًا نباتيًا واحدًا، متجاهلة الاختلافات البيئية بين المروج الأوروبية والسافانا الأفريقية ومراعي البامبا في الأرجنتين.
وتختلف الأنواع النباتية السائدة في هذه البيئات من حيث قدرتها على النمو وتحمل الإجهاد المناخي والاستجابة للاضطرابات، وهو ما يؤثر في استجابة كل نظام بيئي لارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط سقوط الأمطار.
ولمعالجة هذه الفجوة، استخدم فريق البحث نموذج الغطاء النباتي العالمي «LPJmL-CSR»، الذي جرى تطويره لمحاكاة ثلاث استراتيجيات بيئية رئيسية للنباتات.
تشمل المجموعة الأولى النباتات التنافسية، التي تنمو بسرعة في الظروف الملائمة، والمجموعة الثانية النباتات المتحملة للإجهاد، التي تتميز بقدرتها على تحمل الجفاف والحرارة رغم بطء نموها، أما المجموعة الثالثة فتضم النباتات سريعة الاستعمار، التي تنمو بسرعة في المناطق التي تنفتح بعد الاضطرابات البيئية.
وتضم المراعي الطبيعية عادة مزيجًا من هذه الاستراتيجيات، بما يساعدها على الاستجابة لتغير الظروف البيئية.
وقارن الباحثون بين سيناريوهين؛ الأول يفترض الحفاظ على التنوع النباتي، والثاني يحاكي فقدانًا حادًا لهذا التنوع، بهدف تقدير التداعيات المحتملة على إنتاجية المراعي وامتصاص الكربون.

خسائر كبيرة في امتصاص ثاني أكسيد الكربون
أظهرت نتائج النموذج أنه في ظل سيناريو للاحترار المعتدل يقل عن درجتين مئويتين، قد تمتص المراعي التي تعاني تراجعًا حادًا في التنوع النباتي، بحلول عام 2050، نحو 11 مليار طن أقل من ثاني أكسيد الكربون سنويًا عبر عملية البناء الضوئي، مقارنة بالمراعي التي تحافظ على تنوعها النباتي.
وتعكس هذه النتيجة حجم التأثير المحتمل لفقدان التنوع النباتي في قدرة النظم البيئية على التعامل مع الكربون، إذ قد يؤدي تراجع إنتاجية النباتات إلى إضعاف إحدى الوظائف البيئية المهمة للمراعي في مواجهة تغير المناخ.
وللتعبير عن حجم الخسارة، قارن مؤلفو الدراسة أثر فقدان التنوع النباتي بخسارة منطقة كاملة من المراعي ذات الإنتاجية المرتفعة، تعادل في مساحتها منطقة التندرا القطبية.
ولم تقتصر التأثيرات على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي، بل امتدت أيضًا إلى مخزون الكربون في التربة.
فالنباتات الأكثر إنتاجية تمد التربة بكميات أكبر من المادة العضوية، بينما يساعد تنوع المجتمعات النباتية على استمرار هذه العملية.
وعندما يتراجع التنوع وتنخفض الإنتاجية، تقل كمية المادة العضوية التي تصل إلى التربة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض قدرتها على تخزين الكربون.
المناطق الاستوائية الأكثر تعرضًا للخسائر
كشفت نتائج الدراسة عن تفاوت جغرافي واضح في تأثير فقدان التنوع النباتي، إذ سجلت المراعي الاستوائية وشبه الاستوائية، خصوصًا في أمريكا الجنوبية وجنوب آسيا، بعض أكبر الانخفاضات في الإنتاجية.
وفي أجزاء من باراجواي والهند، أظهرت النمذجة أن معدلات البناء الضوئي في المراعي منخفضة التنوع قد تكون أقل بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمراعي الأكثر تنوعًا.
لكن النتائج لم تكن متطابقة في جميع المناطق؛ إذ سجلت بعض أجزاء أفريقيا الواقعة شمال خط الاستواء وجنوبه، إلى جانب مناطق من إسبانيا، زيادات محدودة في الإنتاجية عند انخفاض التنوع النباتي.
وأوضحت سوزان رولينسكي، الباحثة المشاركة في الدراسة من معهد بوتسدام، أن بعض النباتات المتبقية تستطيع تعويض فقدان أنواع أخرى في مناطق معينة، بل قد ترتفع الإنتاجية في بعض الحالات. ومع ذلك، فإن الفوائد الإجمالية للحفاظ على التنوع النباتي تظل أكبر على مستوى العالم، وفقًا لنتائج السيناريوهات المناخية التي تناولتها الدراسة.
وتشير هذه الاختلافات إلى أن تأثير فقدان التنوع النباتي يرتبط بخصائص النباتات الموجودة بالفعل، والظروف المناخية المحلية، وقدرة الأنواع المتبقية على تعويض تراجع الأنواع الأخرى.

تراجع التنوع النباتي يهدد الثروة الحيوانية
لا تتوقف تداعيات فقدان التنوع النباتي عند تغير معدلات امتصاص الكربون أو انخفاض مخزونه في التربة، بل تمتد إلى إنتاج الأعلاف الطبيعية التي تعتمد عليها الحيوانات الراعية.
فإنتاجية المراعي تحدد جانبًا مهمًا من كمية الغذاء المتاحة للماشية، وهو ما يجعل تراجعها تهديدًا مباشرًا لمربي الحيوانات والمجتمعات التي تعتمد على الرعي في توفير الغذاء والدخل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العديد من بلدان الجنوب العالمي، حيث تمثل الثروة الحيوانية مصدرًا أساسيًا للمعيشة، وليست مجرد نشاط اقتصادي منفصل عن احتياجات الأسر والمجتمعات المحلية.
وقال ويرث إن فقدان التنوع النباتي لا يعني انخفاض معدلات البناء الضوئي فحسب، بل يؤدي أيضًا إلى تقليص إمدادات العلف المتاحة للحيوانات الراعية، بما قد يهدد سبل عيش الأشخاص الذين يعتمدون على تربية الماشية، فضلًا عن انخفاض قدرة التربة على تخزين الكربون والإسهام في الحد من الاحترار العالمي.
حدود الدراسة وما الذي تعنيه نتائجها؟
رغم أهمية النتائج، أشار الباحثون إلى أن النموذج المستخدم يقدم تمثيلًا مبسطًا للتنوع النباتي، إذ يصنف النباتات ضمن ثلاث استراتيجيات بيئية واسعة، في حين تضم المراعي الحقيقية مئات الأنواع التي تختلف في خصائصها وقدرتها على التكيف والاستجابة للضغوط المناخية.
كما اعتمد السيناريو الذي يحاكي فقدان التنوع على افتراض حدوث تراجع حاد للغاية، بهدف اختبار التداعيات المحتملة في ظل ظروف شديدة. ولذلك، لا ينبغي التعامل مع النتائج باعتبارها توقعًا مؤكدًا لحجم الخسائر الفعلية في كل منطقة، إذ قد تقع الخسائر الواقعية بين السيناريوهين اللذين اختبرهما الباحثون.
ومع هذه القيود، تشير نتائج النموذج إلى أن الحفاظ على التنوع النباتي يمكن أن يساعد على حماية إنتاجية المراعي وتعزيز قدرتها على امتصاص الكربون، مع اختلاف حجم التأثير من منطقة إلى أخرى.
إدارة المراعي ضرورة لمواجهة تغير المناخ

تؤكد الدراسة أهمية الإدارة المستدامة للمراعي باعتبارها إحدى وسائل الحفاظ على التنوع النباتي وتعزيز قدرة النظم البيئية على التكيف مع تغير المناخ.
ويُعد الرعي الجائر من الضغوط التي يمكن أن تؤدي إلى تراجع التنوع النباتي، إذ قد يسهم استمرار الضغط على الغطاء النباتي في تقليص عدد الأنواع الموجودة وتحويل المجتمعات النباتية المتنوعة إلى مجموعات محدودة من النباتات الأكثر قدرة على تحمل الظروف القاسية، لكنها لا توفر بالضرورة المستوى نفسه من المرونة البيئية.
وقال فريدهيلم تاوبه، الباحث المشارك من جامعة كيل، إن الحفاظ على إنتاجية المراعي في ظل تغير المناخ يتطلب تطبيق ممارسات إدارية تصون التنوع النباتي الموجود على المدى الطويل وتمنع الرعي الجائر.
ودعا الباحث إلى أن تستند السياسات الزراعية إلى الأدلة العلمية، مع توفير الدعم للمزارعين في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر حتى يتمكنوا من تكييف ممارساتهم مع الظروف المتغيرة.
وتخلص الدراسة إلى أن حماية التنوع النباتي ليست مجرد إجراء للحفاظ على الأنواع، بل تمثل أيضًا وسيلة لدعم إنتاجية المراعي، وصون مخزون الكربون في التربة، والحفاظ على الموارد العلفية التي تعتمد عليها الثروة الحيوانية، بما يعزز قدرة المجتمعات على مواجهة تداعيات تغير المناخ.





