تدمير ممنهج لأرض غزة الخصبة.. عام من التجريف والتسميم واقتلاع الجذور وردم الآبار
أثار بيئية خطيرة لتدمير آبار وأراضي غزة.. قنابل مسممة .. أرقام مفزعة ولكن تبقى الزراعة هي بارقة الأمل
الزراعة في قطاع غزة كانت قبل 7 أكتوبر 2023، تشغل أكثر من 40% من مساحة الأراضي، وتساهم في توفير حوالي 20% إلى 30% من الأغذية المستهلكة يوميا.
ورغم هذه الرقعة الصغيرة من الأرض إلا أنه كان غنيا بالخيرات ومنتجا لأنواع كثيرة من الاحتياجات التي جعلته يطعم أكثر من مليوني فلسطيني ويحقق لهم شبه الاكتفاء الذاتي، من إنتاج الخضروات والألبان والدواجن والفواكه قبل 7 أكتوبر 2023.
إلا أن آلة الحرب الإسرائيلية المستمرة منذ عام، والتدمير الممنهج تحولت الأرض وما عليها إلى ركام وخراب تحت عجلات جرافات ودبابات الاحتلال، وجراء قنابل وقذائف سامة وكيمائية تذيب الحجر والبشر وتحول الاكتفاء الذاتي لمجاعة وأوئبة وأمراض تعج بها أركان القطاع.
تحويل أراضي غزة لمراكز عمليات عسكرية للاحتلالتسميم أرض وأجواء غزة
فالأضرار التي خلفتها آلة القتل والخراب الإسرائيلية في غزة لم تطال البشر فقط، وتخلف وارئها أكبر جريمة إنسانية في التاريخ الحديث، بل سممت أجواء وأعماق غزة ومنعت أهلها من التمتع بخيراتها وتدمير كل ما هو أخضر في القطاع.
ومازالت الآلة المختلة التي تهاجم كل أركان القطاع تخرب المزارع والمصائد وتقتل كل ما يمشي على الأرض بما فيها الدواب والحيوانات، وتأثرت بشدة سبل عيش المزارعين والرعاة وصيادي الأسماك الضعفاء، والذي بات معه التعافي حتى لو خرج الاحتلال غدا من غزة – وهذا غير وارد في الأمد القريب- لن يتعافي القطاع الزراعي والمصائد مستقبلا مما عليه قبل خمسة أو عشرة أعوام لما لحقه من سموم وتخريب مخطط.
من بيت حانون وبيت لاهيا ومخيم جباليا شمال القطاع، مرورا برفح في جنوب القطاع، ووصولا إلى خان يونس ومخيمات غزة، كان المزارعون وأسرهم والعاملون في مجالات الزراعة وتربية المواشي، في مقدمة المتضررين، فلم فلم تنعم محافظة ولا بقعة في القطاع بمزارعها ولا خيرات آرضها خاصة الشهور الست الأخيرة التي عادت فيها قوات الاحتلال لدك وتخريب ما قد تكون نسيت تخربه في المرات السابقة.
فالقطاع الزراعي في غزة كان ذو أهمية كبيرة لسكانه على عدة مستويات بيئية واجتماعية واقتصادية، حيث كان أهم المصادر الرئيسية لتأمين الغذاء المحلي وتحقيق نوع من الأمن الغذائي في ظل الظروف الصعبة، بسبب الحصار والإغلاق للمعابر، وكان يعمل به أكثر م 60% من أبناء القطاع، خلافا للدور البيئي الذي لعبته الزراعة في الحد من التصحر ومنع تدهور الأراضي، وانتشار المساحات الخضراء لتقليل درجات الحرارة، بجانب أنه رمز للتمسك بالهوية والأرض والدفاع عن استقلال البلاد أمام المغتصب المحتل.
فلسطيني يقطف الزيتونبالأرقام وصور الأقمار الاصطناعية
ولعل أرقام منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، الصادرة أكتوبر الجاري مستندا إلى صور الأقمار الاصطناعية، خير تأكيد على ما سبق، وبالارقام تتضح بشاعة ومنهجية التدمير الإسرائيلي، فالحرب ألحقت حتى الأول من سبتمبر الضرر بـ67.6% من الأراضي الزراعية (أكثر من 10 آلاف هكتار)، في حين كانت النسبة 57.3% في مايو، و42.6% في فبراير، وتسببت في تضرر 71.2% من البساتين والأشجار المثمرة، و67.1% من المحاصيل الحقلية (لا سيما في منطقة خان يونس)، و58.5% من محاصيل البساتين، حسبما ذكر التقرير.
فبسبب تأثير أنشطة مثل التجريف ونشاط المركبات الثقيلة والقصف، ونتيجة لاستخدام القنابل الفسفورية المحرمة الدولية التي كان لها تأثير مباشر على خصوبة التربة وإنتاج المحاصيل المستقبلية، تكشف البيانات أن أكثر من 75% من الأراضي الزراعية تم عزلها أو تدميرها بالكامل، مما أدى إلى زيادة ملوحة التربة وتدهور جودتها، وهذا بدوره يزيد من صعوبة إعادة تأهيل الأراضي الزراعية لفترات طويلة”.
وكشفت الاحصائيات أن المحاصيل الدائمة في قطاع غزة عانت انخفاضا كبيرا في الصحة والكثافة في مايو2024، وبالنظر إلى تركيبة المساحات المزروعة وربطها مع المساحات الأكثر تضررا- وفقا لتحليلات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني- وكانت الخضروات الأكثر عرضة للضرر، حيث تشكل الخضروات 53% من المساحة المزروعة في غزة.
مزارعون يعملون في أرضهمالوضع الإنساني تجاوز الكارثة!
وظهرت هذه الأرقام تأثيرها مباشرة في سوء التغذية الحاد الذي كشفت عنه منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، في سبتمبر الماضي، من أن أكثر من 50 ألف طفل في غزة يعانون من سوء التغذية الحاد، ذلك يعني أن 9 من كل 10 أطفال في غزة يفتقرون إلى العناصر الغذائية الكافية لضمان نموهم وتطورهم بشكل صحي، ووصفت الأمم المتحدة الوضع الإنساني في القطاع بأنه “يتجاوز الكارثي”.
مزارع فلسطيني يعمل في أرضه على مقربة من السياج الحدوديأبرز المحاصيل المتضررة
بالتأكيد حسب مسئولي الاقتصاد الفلسطيني، فالأرقام الحقيقية أكبر بكثير مما هو معلن، كان هناك تراجع في قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم خاصة في المناطق الحدودية التي تعتبر أساسية للإنتاج الزراعي، وظهر هذا من الاعتداءات أثناء قطف ثمار الزيتون الأسابيع الماضية والمطاردة للمزارعين بالطائرات المسيرة والعناصر المجندة.
ومن أبرز الخضروات المعرضة للضرر التوت الأرضي والبطاطا العادية في شمال غزة، في حين كانت الطماطم (البندورة) والبطاطا العادية الأكثر عرضة للضرر في محافظة خان يونس، أما من المحاصيل الحقلية، فيشكل القمح المحصول الأكثر عرضة للضرر، باعتباره يشكل 69% من إجمالي المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية في خان يونس و52% من المساحات المزروعة بالمحاصيل الحقلية في محافظة شمال غزة.
وتشير البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي إلى أن المحصول الزراعي الأبرز ضمن أشجار، من حيث مساهمته في إجمالي المساحات المزروعة هو محصول الزيتون، حيث تبلغ نسبة المساحات المزروعة بالزيتون 68% من إجمالي المساحات المزروعة في محافظة خان يونس و47% من إجمالي المساحات المزروعة في محافظة شمال غزة.
موسم قطف الزيتون تحت الحصار والدمارأضرار جسيمة لآبار المياه
ليس هذا فحسب بل أن كمية كبيرة من المياه الملوثة غير المعالجة إلى البحر، مما ينذر بكارثة بيئية وتدمير أنظمة الصرف الصحي الذي سينتج عنه مخاطر متعلقة بالصحة.
وكشف تقرير “الفاو”، تعرض أكثر من نصف آبار المياه المخصصة للاستخدام الزراعي تعرضت لأضرار جسيمة، حيث تسببت آثار مركبات ثقيلة أو عمليات قصف أو مواقع سويت بالأرض في تدميرها.
وتدمير قنوات الري والبنية التحتية للمياه يؤدي إلى نقص في تزويد المياه، مما يحد من زراعة المحاصيل ويزيد من صعوبة استعادة القطاع الزراعي لقدرته الإنتاجية، والتسرب الكيميائي من التربة الملوثة يمكن أن يتسرب إلى المياه الجوفية، ما يؤدي إلى تلوث مصادر المياه المستخدمة للري والشرب، هذا التلوث قد يتسبب في مخاطر صحية على الإنسان ويؤثر على جودة المحاصيل الزراعية.
تبدل موسم قطف الزيتون يظهر على أجواء فتيات فلسطينتلوث التربة بمواد كيميائية سامة
فالقصف العنيف يؤدي إلى تلوث التربة بمواد كيميائية سامة من بقايا المتفجرات، مثل المعادن الثقيلة والمركبات الكيميائية الأخرى التي قد تكون ضارة للنباتات، واستخدام الأسلحة المتفجرة قد يترك وراءه مواد تؤثر بشكل مباشر على جودة التربة وصحتها.
فحسب خبراء الزراعة، تحتوي المتفجرات على مواد كيميائية مثل الرصاص، والزئبق، والنحاس، والكروم، وهي معادن ثقيلة تترسب في التربة، وتؤدي إلى تلوثها، وتراكم هذه المعادن في التربة يؤدي إلى سُميّة للنباتات يعيق امتصاص الجذور للعناصر الغذائية الضرورية، مما يؤثر على نمو النباتات، وقد يؤدي إلى تقليل الإنتاجية الزراعية أو تلوث المحاصيل.
فبجانب تدمير الأرض تم تدمير الآلات والمعدات الزراعية مما أدى لخسائر كبيرة في الإنتاج الزراعي، ويعطل القدرة على استئناف العمل الزراعي مستقبلا بعد الحرب.
الفسفور الابيض وقذائف تسمم أراضي قطاع غزةحلول المستقبل
قد يكون المستقبل صعبا في ظل هذا الكم من الدمار والخراب الذي ينشره المحتل في كل بقعة وكل مكان تصل له جرافاته وطائراته، لكنه في النهاية سيكون بكل تأكيد أفضل من الرعب اليومي والجوع والتطهير الذي تمارسه عناصر غابت عنها أبسط قوانين أو مواثيق الإنسانية.
فيمكن من الناحية البيئية والزراعية ،استخدام النباتات ذات القدرة على امتصاص المعادن الثقيلة (المعالجة النباتية) أو تطبيق تقنيات التسميد الحيوي لتحسين صحة التربة.
كما ظهرت بارقة أمل بدعم منظمات محلية أو عربية، تصفها مديرة “مؤسسة العربية لحماية الطبيعة في الأردن”، مريم الجعجع، حسبما نقل عنها موقع ” الجزيرة نت” بـ”المقاومة الخضراء”، والتي أطلقت مشروع “إحياء مزارع غزة” لمواجهة حرب التجويع التي يعاني منها قطاع غزة منذ عدة شهور.
فالجمعية تمكنت بشراكة مع مزارعي غزة ودعم المتطوعين من تأهيل وزراعة نحو 600 دونم من أراضي قطاع غزة بالبذور الزراعية، واستطاعت الوصول إلى نحو 270 مزارعا من مناطق الشمال والوسط والجنوب حتى الآن، وتزويدهم بالمحاصيل الزراعية ذات القيمة الغذائية العالية والإنتاج السريع.
والتعاون مع بلدية غزة كما قالت مريم الجعجع، تم زراعة بذور وشتلات الخضروات في أرض المشتل التابعة للبلدية بمساحة تقدر بنحو 6.5 دونمات، ونفذت زراعة نحو 642 ألفا و400 شتلة خضار متنوعة بمساحة غطت ما يقارب 245 دونما، وأعادت زراعة ما يقارب 325 دونما بـ900 كيلو من بذور الملوخية، و346 ألفا و390 شتلة من الخضار المتنوعة.
وتم إعادة تأهيل 17 بيتا زراعيا، إضافة إلى إعادة تأهيل وصيانة 4 آبار مخصصة للشرب وري المزروعات في شمال القطاع تخدم نحو 11 ألفا و500 شخص، وتغطي ما مساحته 11 دونما زراعيا، ولكن هذا يتغير كل يوم بسبب الملاحقات العسكرية الإسرائيلية وخاصة في مناطق الشمال التي تحولت لمناطق ” منكوبة” بعد حصار وتجويع وقطع كل الطرق وردم الآبار وهدم المستشفيات والمدارس والمساجد طيلة 25 يوما متواصلة.
ولكن تبقى الزراعة هي العمود الفقري لإعادة إعمار ونهضة القطاع والأمل في توفير أقل متطلبات الجوعى والمرابطين في القطاع الصامد لأكثر من عام تحت آلة الإبادة التي تمارسها قوات الاحتلال.
اعتداءات إسرائيلية على المزارعين في غزة




