بين العلم والسياحة.. كيف تحمي السفن الغارقة الشعاب المرجانية؟
من حطام الحرب إلى موطن للأسماك.. تجربة تايلاند في حماية البيئة البحرية
في ظلمة الأعماق وعلى عمق 20 مترًا من سطح خليج تايلاند، يرقد صامتًا هيكل حديدي ضخم مغطى بالطحالب والمرجان الفتي، بينما تنساب أسراب من الأسماك الملونة عبر ممراته الصدئة. إنها السفينة HTMS Hanhak Sattru، التي تحوّلت من قطعة عسكرية جامدة إلى موطن نابض بالحياة.
وبالقرب منها ترقد أختها HTMS Suphairin، وكلاهما لم تغرقا بفعل الحرب أو العاصفة، بل بإرادة بشرية مخططة بعناية. ففي عام 2023، أغرقت البحرية الملكية التايلاندية السفينتين عمدًا، ضمن مشروع طموح لتحويل الحطام البحري إلى شعاب صناعية ومواقع غوص سياحية تحمي البيئة البحرية وتدعم اقتصاد الجزر.
لكن ما بدأ كمبادرة بيئية وتجارية، سرعان ما تحوّل إلى تجربة علمية رائدة تفتح فصلًا جديدًا في فهم العلاقة بين الإنسان والبحر.

إذ أتاحت هذه العملية لفريق من العلماء، بقيادة الباحث بيرز بيلي، مؤسس مركز الأبحاث البحرية Global Reef في جزيرة كوه تاو، جمع بيانات نادرة قبل وبعد الغرق، لرصد أثر هذه الهياكل الحديدية على النظام البيئي البحري.
«معظم حطام السفن في العالم حدث نتيجة الكوارث والحروب، لذا يصعب دراسته علميًا»، يقول بيلي.
«لكننا هنا تمكّنا من التخطيط المسبق، ومراقبة كل تفصيلة من لحظة الغرق وحتى بدء الحياة الجديدة على متن السفينة.»

من الحديد إلى الحاضنة
النتائج الأولية كانت مدهشة. فالسفن لم تجذب فقط الأسماك من الشعاب الطبيعية القريبة، بل أصبحت موطنًا لتكاثر أنواع جديدة، بعضها مدرج ضمن قوائم الكائنات المهددة بالانقراض.
ويضيف بيلي: «رأينا صغار الأسماك واليرقات تستوطن السفن، ما يشير إلى أن الحطام لا يجذب الحياة فحسب، بل يعيد إنتاجها. إنها ولادة جديدة في عمق البحر.»
تلك الظاهرة تفتح بابًا لنقاش علمي قديم يُعرف بـ«فرضية الجذب والإنتاج» (Attraction-Production Hypothesis)، التي تسعى للإجابة على سؤال جوهري: هل الشعاب الصناعية تسحب الأسماك من موائلها الأصلية، أم تساعد فعلًا في زيادة أعدادها؟
وتبدو الإجابة – في الحالة التايلاندية – أكثر توازنًا: السفن الغارقة تجذب وتحمي وتنتج في آنٍ واحد.

حماية طبيعية من شباك الصيادين
من المفارقات أن هذه الحطامات التي كانت يومًا رموزًا للقوة العسكرية، أصبحت الآن حُماة للحياة البحرية. فوجودها يمنع سفن الصيد التجارية من الاقتراب، لأن الشباك قد تتلف عند ملامسة هيكلها المعدني، كما أن ازدحام الغواصين وقوارب السياحة فوقها يشكل رادعًا إضافيًا ضد الصيد الجائر.
ويشرح بيلي: «السفن الغارقة أصبحت بمثابة ملاذ آمن للأسماك. وجودها في منطقة الغوص يحوّلها إلى محمية طبيعية غير رسمية، حيث تتعايش أنواع مثل النهاش والباراكودا والراي وأسماك القرش الصغيرة في بيئة خالية من التهديدات.»
تايلاند… مختبر حي للبيئة البحرية
منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت تايلاند من أوائل الدول الآسيوية التي استخدمت الشعاب الصناعية كأداة لإعادة التوازن البيئي، فغرست آلاف الهياكل الحديدية والخرسانية على امتداد سواحلها في خليج تايلاند وبحر أندمان.
لكن المشروع الحالي أكثر طموحًا واحترافًا، إذ يُنفذ بالشراكة بين الجيش والعلماء والغواصين والسياح.
ويقول الدكتور راهول مهروترا، مدير الأبحاث في مركز Aow Thai Marine Ecology: «تايلاند تتعامل مع البحر بوعي روحي وثقافي، فالعلاقة مع الطبيعة جزء من الهوية البوذية التايلاندية. ولهذا نجد انخراط الدولة والمجتمع في مشاريع الحماية أمرًا طبيعيًا، وليس ترفًا بيئيًا.»
ويضيف: «إن ما نراه في هذه التجربة نموذج لما يمكن أن تفعله دول أخرى، حين توظّف التكنولوجيا والسياحة لخدمة البيئة لا لاستنزافها.»

سياحة مسؤولة… وبيئة متعافية
جزيرة كوه تاو، التي تستقبل أكثر من 500 ألف سائح سنويًا، كانت حتى وقت قريب ضحية لجمالها؛ إذ تسببت حركة الغوص المكثفة في تآكل الشعاب المرجانية وتلوث الموائل البحرية. لكن تحويل حطام السفن إلى مواقع غوص بديلة خفّف الضغط عن الشعاب الطبيعية، ومنح الطبيعة فرصة للتعافي.
ويعلق البروفيسور إيان ساذرز من جامعة نيو ساوث ويلز الأسترالية قائلًا: «نحن بحاجة إلى صناعة سياحية مستدامة تتيح للناس مشاهدة الأسماك دون تدمير موائلها. فالمستقبل في استخدام الشعاب الصناعية لتحسين المخزون السمكي، خاصة في المناطق الضحلة مثل خليج تايلاند.»

بين العلم والفلسفة
في النهاية، يبدو أن مشروع السفن الغارقة في تايلاند تجاوز حدود البحث العلمي، ليصبح تجربة فلسفية وإنسانية تعكس وعيًا متجددًا بالعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
يقول مهروترا خاتمًا حديثه: «شعارنا غير المكتوب هو: يجب أن نحمي ويجب أن نفهم. إنها ليست مجرد جملة، بل عقيدة بيئية تؤمن بأن المعرفة هي طريق الحماية، وأن الفهم الحقيقي للطبيعة يبدأ من الغوص في أعماقها.»





