أخبارالطاقةابتكارات ومبادراتتغير المناخ

تحويل مخلفات الذرة والأخشاب إلى زيت حيوي لتخزين الكربون في آبار النفط القديمة

آبار النفط القديمة تتحول إلى مخازن كربون دائمة عبر "الزيت الحيوي"

على مدى أكثر من قرن من الزمن، شكّلت آبار النفط والغاز رمزًا لاستخراج الكربون من باطن الأرض على هيئة وقود أحفوري يمد العالم بالطاقة.
لكن هذا الدور التاريخي يشهد اليوم تحولًا غير مسبوق، إذ يقترح باحثون إعادة الكربون إلى باطن الأرض داخل نفس الآبار المهجورة، ولكن في صورة جديدة أكثر استدامة: الزيت الحيوي.

كيف يُصنع الزيت الحيوي؟

كيفية صنع الزيت الحيوي
كيفية صنع الزيت الحيوي

التقنية تقوم على الاستفادة من المخلفات الزراعية والغابية، مثل سيقان الذرة وقشور النباتات وبقايا الأخشاب، التي عادة ما يتم التخلص منها بطرق غير مستدامة.
يتم إخضاع هذه المخلفات لعملية تُعرف باسم التحلل الحراري السريع (Fast Pyrolysis)، حيث تُسخن في درجات حرارة تتجاوز 1000 فهرنهايت في غياب الأكسجين.

العملية تنتج ثلاثة مخرجات رئيسية:

الثلاث مخارج
الثلاث مخارج

– الزيت الحيوي: وهو سائل كثيف يحتوي على غالبية الكربون الذي امتصته النباتات من الجو.

– الغاز: يُستخدم كوقود لتشغيل النظام ذاته، مما يقلل الحاجة إلى مصادر طاقة إضافية.

– البيوچار: وهو فحم نباتي يمكن استخدامه لتحسين خصوبة التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه.

دراسة جامعة ولاية آيوا: حل مزدوج لمشكلتين

أوضح فريق بحثي من جامعة ولاية آيوا، في دراسة نُشرت بدورية Energy Conversion and Management، أن التقنية الجديدة تحقق فائدة مزدوجة:
التعامل مع الآبار المهجورة: هناك مئات الآلاف من آبار النفط والغاز القديمة في الولايات المتحدة، كثير منها لم يُغلق بشكل صحيح ويشكل تهديدًا بيئيًا وصحيًا.
الاستفادة من النفايات الزراعية: ملايين الأطنان من بقايا المحاصيل والغابات تُترك مهملة سنويًا، ويمكن تحويلها إلى مورد اقتصادي جديد.

يقول البروفيسور مارك مبـا-رايت، قائد الدراسة: “على جانب لديك مخلفات زراعية وغابية مهملة، وعلى الجانب الآخر آبار نفطية تحتاج إلى إغلاق، الجمع بينهما يخلق حلاً مبتكرًا يجمع بين معالجة التلوث وإنتاج قيمة اقتصادية جديدة.”

وحدات متنقلة صغيرة الحجم

آبار النفط وتخزين الكربون
آبار النفط وتخزين الكربون

من أبرز مزايا هذه التقنية أنها لا تحتاج إلى مصانع ضخمة، بل يمكن تنفيذها عبر وحدات متنقلة بحجم “كومباين” زراعي أو “لودر”.
النموذج المقترح يتضمن نشر 200 وحدة متنقلة في المناطق الريفية، كل منها قادرة على معالجة نحو 10 أطنان من الكتلة الحيوية يوميًا.

– تكلفة الوحدة الواحدة: 1.3 مليون دولار.

– تكلفة احتجاز الكربون: 152 دولارًا للطن، مع إمكانية الانخفاض إلى 100 دولار للطن عند استخدام مخلفات الأخشاب.
– السعة التخزينية للآبار: بئر نفط واحد يمكن أن يستوعب أكثر من 816 ألف لتر من الزيت الحيوي، ما يوفر مساحة هائلة لتخزين الكربون بشكل دائم.

حجم المشكلة: آبار مهجورة بلا حصر

تشير التقديرات إلى وجود 800 ألف بئر نفطي غير موثّق في الولايات المتحدة، أي أكثر بكثير من 120 ألف بئر تستهدفها خطة حكومية للتنظيف بميزانية 4.7 مليار دولار صُدّق عليها عام 2021.
هذه الآبار المهجورة تُطلق غاز الميثان وغيره من الملوثات، ما يجعل إعادة استخدامها لتخزين الكربون حلًا مبتكرًا لمعالجة قضية بيئية معقدة.

من المختبر إلى التطبيق: دور الشركات الناشئة

لم تبق الفكرة في إطار البحث الأكاديمي، إذ بدأت شركة ناشئة في سان فرانسيسكو تُدعى Charm Industrial في تطبيقها عمليًا.
وقّعت الشركة صفقات مع مؤسسات كبرى للحصول على أرصدة إزالة الكربون.
ترى الشركات أن الحقن بالزيت الحيوي من أكثر الطرق كفاءة وأمانًا للتخلص من الكربون على المدى الطويل.
يقول بيتر رينهاردت، الرئيس التنفيذي لشركة Charm “بعد دراسة الخيارات المتاحة، وجد كبار المشترين أن تخزين الزيت الحيوي هو أحد أكثر الأساليب فعالية من حيث الجودة والتكلفة.”

مقارنة مع تقنيات أخرى

يُعد الحقن بالزيت الحيوي منافسًا قويًا لتقنية الالتقاط المباشر من الهواء (Direct Air Capture)، التي تعمل أيضًا على امتصاص الكربون من الجو.
لكن الفارق أن التقنية الجديدة:

– أقل تكلفة من حيث الإنشاء والتشغيل.

– تُعيد استخدام المخلفات الزراعية والغابية، ما يقلل الهدر ويحقق دخلًا إضافيًا.

– تفتح أسواقًا جديدة للمنتجات الثانوية مثل “البيوچار”.

فوائد إضافية للمجتمعات الريفية

لا تتوقف المكاسب عند خفض الانبعاثات:

– يحصل المزارعون على دخل جديد من بيع بقايا محاصيلهم بدلًا من حرقها أو التخلص منها.
– يحقق مديرو الغابات أرباحًا من إزالة المخلفات القابلة للاشتعال، ما يقلل خطر الحرائق.
– تتيح إقامة محطات لتخزين الزيت الحيوي فرص عمل جديدة واستثمارات في البلدات الصغيرة.
يقول رينهاردت: “إن تحويل سيقان الذرة إلى زيت حيوي يُخزن في باطن الأرض لا يحقق فقط إزالة عالية الجودة للكربون، بل يخلق قيمة اقتصادية جديدة للمجتمعات الريفية.”

نحو مستقبل أكثر استدامة

يرى الباحثون أن التقنية ما زالت في بداياتها، لكنها مرشحة للتوسع مع مرور الوقت، خاصة بفضل ما يُعرف بـ”معدل التعلم”، أي أن تكاليف التصنيع والتشغيل تنخفض مع زيادة الإنتاج والخبرة.
ويختم البروفيسور مبـا-رايت بقوله: “إزالة الكربون لا ينبغي أن تكون خيارًا وحيدًا، بل هي مجموعة من الفرص. الزيت الحيوي يمثل مثالًا على كيفية تحويل مشكلة بيئية إلى مورد اقتصادي، يفيد المناخ والاقتصاد المحلي معًا.”

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading