تحويل الانبعاثات إلى وقود.. تجربة ناجحة في مزرعة.. من خطر مناخي إلى مورد ثمين
أغطية بحيرات السماد تحبس 80% من غاز الميثان في مزارع الألبان
أكدت تجربة استمرت عامًا في مزرعة ألبان بوادي سنترال بولاية كاليفورنيا، أن تغطية بحيرات السماد بأغطية محكمة الإغلاق يمكن أن تحتجز نحو 80% من غاز الميثان الذي كان سينبعث لولا ذلك.
ومن خلال التقاط الغاز ونقله إلى أسواق الوقود، يحوّل النظام تهديدًا مناخيًا خطيرًا إلى مورد قابل للاستخدام.
وتعد هذه الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في ريفرسايد، أول تقييم مستقل سنوي لما يُعرف بـ”أجهزة الهضم اللاهوائي” المستخدمة في مزارع الألبان، وهي التقنية التي يعتمد عليها مسؤولو ولاية كاليفورنيا لتحقيق أهدافهم الطموحة لخفض انبعاثات غاز الميثان.
وتنتشر أكثر من 130 وحدة مشابهة بالفعل في منطقة إنتاج الألبان بالولاية، حيث كان المسؤولون يعتمدون سابقًا على نماذج هندسية لتقييم كفاءتها.
وقد نُشرت الدراسة في مجلة Global Change Biology Bioenergy .
تجربة ميدانية في أكبر منطقة لإنتاج الحليب
يقع موقع الدراسة في مقاطعة تولاري، وهي أكبر منطقة لإنتاج الحليب في الولايات المتحدة.
وفي فصل الصيف، تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى غليان بحيرات السماد المكشوفة، مطلقة كميات كبيرة من غاز الميثان، وهو غاز دفيء أقوى من ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 80 مرة على مدى 20 عامًا.
وقد قام المهندسون بحل هذه المشكلة البيئية عبر تركيب غطاء مرن وثقيل فوق البحيرة، حيث يُجمع الغاز المنبعث ويُنقل عبر أنظمة تنقية متخصصة، قبل أن يُستخدم كوقود بديل عن الديزل في أساطيل الشاحنات.
وقالت فرانشيسكا هوبكنز، عالمة المناخ وقائدة الدراسة: “تحدث تسريبات أحيانًا من أجهزة الهضم، لكن عند تصميم النظام بشكل جيد وإدارته بعناية، تنخفض الانبعاثات بشكل كبير. وهذا ما رصدناه في هذه التجربة”.

قياس دقيق للانبعاثات
قام فريق هوبكنز بتركيب أجهزة تحليل متنقلة داخل شاحنة بحثية بيضاء، وعلى مدى عام كامل قبل تثبيت النظام، وعام آخر بعده، تابع الفريق مستويات غاز الميثان في جميع أنحاء المزرعة، مسجلين مئات القراءات في ظروف مناخية متنوعة، تشمل تغيرات الرياح ودرجات الحرارة.
وأظهرت النتائج انخفاضًا بنسبة 80% في انبعاثات الميثان بعد تركيب الغطاء والأنابيب، وهو ما يتطابق تقريبًا مع البيانات الرسمية المعتمدة لدى ولاية كاليفورنيا.
ويعد هذا المنهج أكثر شمولًا مقارنة بالدراسات السابقة التي اقتصرت على قياسات لحظية أو بيانات من أجهزة ثابتة.
فقد تمكن الباحثون من رصد تقلبات موسمية، ودورات ليلية ونهارية، إضافة إلى الأعطال التشغيلية، ما وفّر صورة أكثر واقعية للأداء على المدى الطويل.

تسريبات… وتحسينات سريعة
في بداية التجربة، رصد الفريق زيادات مفاجئة في انبعاثات الميثان، ما دفعهم إلى إبلاغ شركة كاليفورنيا للطاقة الحيوية، وهي الشركة التي أنشأت وتشغل وحدة الهضم.
وبالفعل، كشف الفنيون عن وجود لحامات ممزقة ومفاصل مفكوكة، فأصلحوها سريعًا، وتراجعت الانبعاثات بشكل ملحوظ.
وعلّقت هوبكنز قائلة: “كانت هذه حالة نموذجية للإدارة التكيفية. لقد أحدث التعاون بين العلماء، والشركة، والمزارع فرقًا كبيرًا في النتائج”.
المراقبة من الفضاء
أشارت الدراسة إلى أن أقمار كاليفورنيا الصناعية الجديدة، والمتخصصة في تتبع غاز الميثان، يمكن أن تساهم في اكتشاف أعمدة الانبعاث الكبيرة بسرعة، مما يتيح للفرق الأرضية التدخل في غضون أيام بدلاً من شهور.

حدود النظام
ورغم فعالية أنظمة الهضم في الحد من انبعاثات الميثان، فإنها لا تعالج ملوثات أخرى مثل الأمونيا، وهو غاز مهيّج للرئتين، أو الجسيمات الدقيقة المحمولة جوًا، والتي قد تؤثر سلبًا على جودة الهواء في المناطق المحيطة بمزارع الألبان.
كما أن هذه الأنظمة تظل باهظة التكلفة، وتتطلب الحصول على تصاريح، وتمويلًا، وصيانة دورية، للحفاظ على تشغيلها بكفاءة.
وأضافت هوبكنز: “ليست كل المزارع مؤهلة لتطبيق هذه التكنولوجيا، لكنها تُعد من أكثر الوسائل فعالية من حيث التكلفة لخفض انبعاثات غازات الدفيئة بالنسبة للمزارع التي تستطيع تنفيذها”.
دعم حكومي ومردود اقتصادي
يساهم برنامج كاليفورنيا للمناخ في تمويل هذه المشاريع من خلال منح اعتمادات وقود منخفض الكربون عن كل طن من الميثان يتم احتجازه ومنعه من الوصول إلى الغلاف الجوي.
وتُباع هذه الاعتمادات لشركات النفط لتغطية التكاليف التشغيلية، مما يسمح بتعويض كلفة التركيب خلال بضع سنوات.
هدف طموح… وقابل للتحقيق
تسعى الوكالات الحكومية في كاليفورنيا إلى خفض انبعاثات الميثان من قطاع الألبان بنسبة 40% مقارنة بمستويات عام 2013، وذلك بحلول عام 2030.
وتشير الدراسة الجديدة إلى أن هذا الهدف لا يزال قابلًا للتحقيق، شريطة استمرار تشغيل أجهزة الهضم الحالية وتوسيع نطاق استخدامها.
وأشادت هوبكنز بفاعلية التعاون قائلة: “رغم الانقسام السياسي بشأن المناخ، فإن هذه التجربة تمثل مثالًا حيًا على شراكة ناجحة تؤدي إلى نتائج ملموسة”.

من انبعاث إلى وقود
ورغم أن أجهزة الهضم لن تحل جميع مشكلات صناعة الألبان، فإن مشروع مقاطعة تولاري يثبت أنها قادرة على تقديم الفائدة المناخية المتوقعة منها.
وبفضل التصميم الجيد، والصيانة المنتظمة، والبيانات المفتوحة، يمكن تحويل غاز الميثان من ملوث بيئي إلى وقود نظيف، ودخل اقتصادي، وخطوة متقدمة نحو مستقبل منخفض الكربون.





