دراسة تكشف سر تباطؤ نمو الأشجار رغم ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون
بين الماء والكربون.. كيف تتحكم الأشجار في سرعتها وسط التغير المناخي
تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون والماء، وتستخدم ضوء الشمس لإنتاج السكريات، وتطلق الأكسجين، إذا كانت الغازات تحتوي على مزيد من CO₂، ألن ينمو الغابات أسرع، وتخزن مزيدًا من الكربون، وتساعد على تبريد الكوكب؟
هذا افتراض منطقي ومتكرر، لكنه لم يتطابق مع القياسات طويلة المدى في الغابات الفعلية.
مع ارتفاع CO₂ الجوي، تراوحت معدلات نمو الأشجار وتخزين الكربون من “زيادة طفيفة” إلى “ثبات” وحتى “انخفاض أحيانًا”، هذا دفع العلماء للتساؤل: ما مدى تأثير الكربون وحده، وما مدى تأثير العوامل الأخرى؟
عدسة جديدة على لغز بيولوجي
تشير دراسة جديدة بقيادة باحثين من جامعتي ديوك وووهان إلى أنه لا يمكن الإجابة على هذه الأسئلة بالنظر إلى الكربون وحده، بل يجب أخذ الماء في الاعتبار.
الدراسة نُشرت في مجلة Nature Climate Change، حيث طور الفريق نموذجًا يعالج قرار الشجرة اليوميظ، فتح مسام الأوراق لامتصاص الكربون أو إغلاقها للحفاظ على الماء، باعتباره مسألة تحسين ديناميكية.
قالت غابي كاتول، أستاذة الهندسة المدنية والبيئية في ديوك: “كان هناك افتراض شائع بأن ارتفاع CO₂ سيؤدي إلى نمو أكبر للأشجار وتخزين مزيد من الكربون، لكن التجارب أظهرت أن عوامل البيئة الأخرى تلعب دورًا كبيرًا.”
دروس من تجربتين طويلتين
تأتي هذه “التجارب المرجعية” من مواقع بحثية نادرة، في ديوك، تعرضت قطعة غابة لمدة 16 عامًا لمستويات مرتفعة من CO₂، وفي ETH زيورخ، تم تعديل الرطوبة المحلية، وتم تتبع النمو وامتصاص الكربون وفسيولوجيا الأوراق وعدد من المتغيرات البيئية.
النتيجة كانت صادمة: لم تستوعب الأشجار المزيد من الكربون كما توقعت النماذج البسيطة، لكن المفاجأة كانت في السبب.
ارتفاع CO₂ ونمو الغابات
ركز فريق كاتول على المسام، الفتحات الصغيرة في الأوراق التي تسمح بدخول CO₂ وتسرب بخار الماء.
في الهواء الغني بالكربون، لا تحتاج المسام إلى الفتح على مصراعيها لامتصاص نفس كمية CO₂، ما يزيد كفاءة استخدام الماء والنمو نظريًا.
لكن ارتفاع الحرارة والجفاف يغير الحسابات؛ الهواء الأكثر حرارة وجفافًا يزيد التبخر، فتغلق الأشجار مسامها جزئيًا لحماية قنواتها المائية، مما يقلل امتصاص الكربون.
قالت كاتول: “المسامات مثل صمامات تتحكم في كمية الماء التي تُسحب إلى الأوراق وتُطلق في الهواء.”
تحويل الفسيولوجيا إلى معادلات رياضية
طور الفريق نموذجًا يعكس هذا التوازن: زيادة الكربون مع الحفاظ على الحد الآمن لفقد الماء، وتمت معايرته ببيانات غنية من مواقع ديوك وETH زيورخ.
النموذج لم يحاكي فقط مكاسب الكربون المحدودة في ديوك، بل التقط تأثير الرطوبة في التجربة السويسرية: عندما يكون الهواء رطبًا، يمكن للمسامات البقاء مفتوحة لفترة أطول، مما يسمح بزيادة امتصاص الكربون.
السجلات العالمية المتنوعة
عند دراسة الغابات الاستوائية خلال خمسين عامًا، أظهرت السجلات تنوعًا كبيرًا: بعض المناطق شهدت نموًا أسرع، أخرى لم تتغير، وبعضها تباطأ. باستخدام هذا الإطار، تبدو هذه الاختلافات أقل غموضًا.
في الأماكن الحارة والجافة، تغلق الأشجار مسامها أكثر، مما يحد أو يلغي أي زيادة في النمو بفعل CO₂، في المناطق الرطبة، تظهر المكاسب بشكل أوضح.
خارج محور واحد
لا يمكن لنموذج واحد أن يغطي كل قيود الغابة؛ فالعناصر الغذائية، ومخزون الماء في التربة، وتنوع الأنواع، والآفات، وتغير الفصول، وعمر الغابة كلها عوامل مؤثرة.
– الإطار الجديد يشرح جزءًا كبيرًا من اللغز: التوازن بين امتصاص CO₂ وفقد الماء على مستوى الورقة إلى الشجرة.
– الخطوة التالية: توسيع هذا النموذج ليشمل التقديرات الإقليمية والعالمية دون فقدان الديناميكيات الدقيقة.
قالت كاتول: “هناك قيمة كبيرة للنظر إلى هذه الأسئلة البيئية والبيولوجية من منظور هندسي، مواجهة تغير المناخ باستخدام التكنولوجيا الخضراء الطبيعية ستتطلب مساهمات من تخصصات متعددة.”
خلاصة
ارتفاع CO₂ لا يضمن نموًا أسرع للأشجار، في الأيام الحارة والجافة، تختار الأشجار البقاء على قيد الحياة على حساب السرعة، مما يقلل امتصاص الكربون.
لذلك، إذا أردنا زيادة قدرة الغابات على تخزين الكربون، يجب حماية مصادر الماء، والحد من الإجهاد الحراري، وتقليل الضغوط الأخرى على الأشجار.





