الملياردير الأمريكي بيل غيتس، مؤسس «مايكروسوفت» ورئيس مؤسسة «بيل وميليندا غيتس»، قادة العالم المشاركين في مؤتمر المناخ القادم «COP30» الذي تستضيفه البرازيل الشهر المقبل، إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع أزمة المناخ، مؤكدًا أن التركيز المفرط على خفض الانبعاثات على المدى القصير يصرف الجهود عن القضايا الأكثر إلحاحًا، وعلى رأسها تحسين حياة البشر ومكافحة الفقر والمرض في الدول الفقيرة.
وقال جيتس في مقاله المنشور على موقعه الشخصي بعنوان «ثلاث حقائق صعبة عن المناخ: ما أود أن يعرفه الجميع في COP30»، إن التغير المناخي خطر حقيقي، لكنه لن يؤدي إلى نهاية الحضارة كما يعتقد البعض، مشيرًا إلى أن البشرية قطعت شوطًا كبيرًا في خفض الانبعاثات وتطوير حلول الطاقة النظيفة، وأن الابتكار قادر على تقليل الانبعاثات بدرجة أكبر خلال العقود القادمة.
وأضاف، أن الوقت حان لتغيير زاوية النظر إلى أزمة المناخ، وجعل رفاه الإنسان هو مركز كل السياسات المناخية، بحيث تشمل استراتيجيات التكيف والزراعة والصحة، بدلًا من حصر الجهود في الأرقام والمعدلات الحرارية.
التنمية قبل الأرقام
وأوضح جيتس، أن ما يسميه بـ«الرؤية الكارثية» تجاه المناخ، التي تتوقع انهيار الحضارة خلال عقود بسبب ارتفاع درجات الحرارة، تؤدي إلى انحراف الأولويات، إذ تركز بعض الدول والمنظمات على تحقيق أهداف خفض الانبعاثات بأي ثمن، حتى لو جاء ذلك على حساب برامج الصحة والتعليم والتنمية في الدول الفقيرة.
وأكد أن التغير المناخي سيؤثر على الجميع، لكن الفقراء هم الأكثر تضررًا، ليس لأنه التهديد الوحيد الذي يواجههم، بل لأنه يزيد من معاناتهم مع المشكلات المزمنة مثل الفقر والأمراض وسوء التغذية.
وقال: «يجب أن نسأل أنفسنا في COP30: هل يتم إنفاق الأموال المخصصة للمناخ في الأماكن الصحيحة؟ وهل تحقق أقصى فائدة للفئات الأشد ضعفًا؟»، مشيرًا إلى أن الإجابة في رأيه هي «لا»، لأن التمويل المناخي في كثير من الأحيان يذهب إلى مشروعات أقل فاعلية، بدلًا من دعم الابتكار الزراعي أو تعزيز الرعاية الصحية أو تطوير الطاقة النظيفة منخفضة التكلفة.
تراجع التمويل وتحديات العدالة المناخية
لفت جيتس إلى أن حجم المساعدات الموجهة للدول الفقيرة آخذ في التراجع، إذ تقلصت ميزانيات المساعدات الخارجية في الدول الغنية، بينما تتزايد أعباء الديون على الدول النامية.
وأشار إلى أن برامج إنسانية حيوية مثل مبادرة «جافي» لتوفير اللقاحات ستشهد خفضًا في التمويل بنسبة 25٪ خلال السنوات الخمس المقبلة مقارنة بالفترة السابقة، معتبرًا أن ذلك «إشارة مقلقة في وقت يتعين فيه تعظيم كل دولار يُنفق لمساعدة الفقراء».
ودعا إلى اعتماد نهج أكثر واقعية وعقلانية في إدارة التمويل المناخي، يوازن بين خفض الانبعاثات وتحسين حياة الناس، مضيفًا: “علينا أن نتعامل مع التغير المناخي والفقر والمرض بنفس القدر من الجدية، لكن وفقًا لمقدار المعاناة التي يسببها كل منها”.
الحقيقة الأولى: التغير المناخي خطر، لكنه ليس نهاية العالم
أكد غيتس أن المناخ سيشهد ارتفاعًا في درجة الحرارة يتراوح بين درجتين وثلاث درجات مئوية بحلول عام 2100، وهو ما يفوق هدف اتفاق باريس لعام 2015، لكنه لا يعني انهيار الحياة على الأرض.
وقال إن البشرية قادرة على التكيف مع التغيرات المناخية عبر البناء الذكي، واستخدام مواد مقاومة للحرائق والفيضانات، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وبنية تحتية قادرة على مواجهة العواصف والحرارة الشديدة.
وأشار إلى أن ما يثير تفاؤله هو أن الابتكار التقني بدأ بالفعل في خفض الانبعاثات، فقبل عشر سنوات توقعت وكالة الطاقة الدولية أن تصل الانبعاثات عام 2040 إلى 50 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أما اليوم فقد انخفض التوقع إلى 30 مليارًا، أي انخفاض بنسبة 40٪ خلال عقد واحد فقط، بفضل تطور الطاقة الشمسية والرياح والمركبات الكهربائية وتخزين الكهرباء.
الحقيقة الثانية: الطاقة أكثر من مجرد انبعاثات
أوضح جيتس، أن الطلب العالمي على الطاقة سيتضاعف بحلول عام 2050، وأن استخدام المزيد من الطاقة أمر جيد من ناحية التنمية، لأنه يرتبط مباشرة بالنمو الاقتصادي وارتفاع مستويات المعيشة.
وقال إن العالم ما زال يفتقر إلى الأدوات الكافية لتلبية هذا الطلب المتزايد دون زيادة الانبعاثات، لكن الابتكار في مجالات مثل الطاقة النووية الجديدة، والاندماج النووي، والطاقة الحرارية الجوفية، وخطوط النقل عالية الكفاءة، سيجعل من الممكن خلال العقد المقبل توفير طاقة نظيفة بتكلفة ميسورة.
وأشار إلى أن هذه الابتكارات يمكن أن تغير شكل العالم بحلول منتصف القرن، إذ ستصبح السيارات الكهربائية هي المعيار السائد، وستُبنى المباني باستخدام الأسمنت والصلب منخفضي الكربون، وستُدار المزارع بأسمدة خالية من الانبعاثات.
الحقيقة الثالثة: الابتكار هو المفتاح
قال جيتس، إن الحل الوحيد طويل المدى هو خفض «العلاوة الخضراء» إلى الصفر، أي تقليل الفرق في التكلفة بين الوسائل النظيفة والملوثة حتى تصبح البدائل الخضراء هي الأرخص والأكثر جدوى اقتصاديًا.
وأوضح أن شركته «Breakthrough Energy» التي أسسها عام 2015 بعد اتفاق باريس تدعم أكثر من 150 شركة تعمل على تطوير حلول مبتكرة في مجالات الطاقة والصناعة والزراعة والبناء والنقل، مشيرًا إلى أن الابتكار يتسارع اليوم بفضل الذكاء الاصطناعي والتطور التقني غير المسبوق.
واستعرض في مقاله بعض مجالات التقدم:
– الطاقة: تقنيات جديدة في الرياح والطاقة الحرارية الجوفية والنقل الكهربائي، بجانب مشروعات الاندماج النووي الواعدة.
– الصناعة: تطوير الصلب والأسمنت دون انبعاثات من خلال استخدام الكهرباء والهيدروجين الجيولوجي، بالإضافة إلى تقنيات التقاط الكربون من الهواء.
– الزراعة: ابتكار أسمدة خضراء وعلاجات لخفض انبعاثات الميثان من الماشية وزراعة الأرز بطرق أكثر استدامة.
– النقل: تقدم سريع في السيارات الكهربائية والبطاريات، مع جهود لتطوير وقود طيران نظيف من الطحالب أو الهيدروجين الرخيص.
– المباني: انتشار المضخات الحرارية عالية الكفاءة والنوافذ والعوازل الذكية التي تقلل استهلاك الطاقة.
رؤية متفائلة للمستقبل
يؤمن جيتس بأن القدرة البشرية على الابتكار هي أعظم أمل لمواجهة التغير المناخي، مؤكدًا أن العقود القادمة ستشهد «قفزات تكنولوجية» تمكّن من الوصول إلى الصفر الصافي للانبعاثات دون التضحية بالنمو الاقتصادي أو رفاه الإنسان.
واختتم مقاله قائلاً: “المناخ، والفقر، والمرض مشاكل كبرى، يجب أن نواجهها بما يتناسب مع المعاناة التي تسببها، وأن نستخدم البيانات لزيادة أثر كل دولار ننفقه، الابتكار هو سبيلنا لبناء عالم أكثر عدلاً واستدامة للجميع”.
