بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر 2023، يتراجع الاهتمام الدولي بقطاع غزة، رغم استمرار تداعيات الحرب وتعثر جهود إعادة الإعمار، بينما تتواصل الهجمات الإسرائيلية وتتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة.
وفي الوقت نفسه، تقترب إسرائيل من انتخابات برلمانية مرتقبة في 27 أكتوبر 2026، قد تؤثر نتائجها في مسار التعامل مع الحرب ومستقبل الأراضي الفلسطينية.
ويطرح هذا المشهد سؤالًا يتجاوز نتائج الانتخابات نفسها: هل ستستمر الضغوط الدولية لدفع إسرائيل والفلسطينيين نحو تسوية سياسية، أم سيؤدي تراجع الاهتمام الإعلامي والشعبي إلى إضعاف فرص تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار واستكمال مراحله التالية؟
بعد السابع من أكتوبر 2023، أعقب ذلك حرب إسرائيلية مدمرة على قطاع غزة استمرت عامين، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 74 ألف فلسطيني، فيما يُعتقد أن آلافًا آخرين لا يزالون تحت الأنقاض.
وخلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة، إلى جانب باحثين متخصصين في دراسات الإبادة الجماعية ومنظمات حقوقية كبرى، إلى أن الحرب الإسرائيلية على غزة ترقى إلى الإبادة الجماعية.
وتظل هذه توصيفات واستنتاجات صادرة عن جهات محددة، في سياق قانوني وسياسي شديد التعقيد.
وبعد عامين من الحرب، دخل اتفاق وقف إطلاق النار المدعوم أمريكيًا حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، لكن الهدوء ظل هشًا، فعلى الرغم من توقف الهجمات الإسرائيلية واسعة النطاق، استمرت الهجمات داخل القطاع، وفق المقال، بالتزامن مع تصاعد العنف في الضفة الغربية.
ماذا حققت خطة السلام الأمريكية، وأين تعثرت؟
نجحت المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكونة من 20 نقطة إلى حد كبير في تنفيذ بعض الترتيبات الأساسية.
وعاد الرهائن الإسرائيليون الذين كانوا على قيد الحياة، مقابل الإفراج عن قرابة ألفي أسير ومعتقل فلسطيني، كما أُعيدت رفات الرهائن المتوفين خلال الأشهر التالية.
كذلك، عاد مئات الآلاف من الفلسطينيين النازحين إلى شمال قطاع غزة، وانسحبت القوات الإسرائيلية إلى ما عُرف باسم «الخط الأصفر».
وأيد مجلس الأمن الدولي الخطة، كما أُعلن عن إنشاء «مجلس السلام» برئاسة أمريكية للإشراف على المسار المقترح.
لكن التوقعات بأن يؤدي الاتفاق إلى وقف كامل لإطلاق النار لم تتحقق، فبعد عام على توقيع الاتفاق في 9 أكتوبر 2025، أفادت وزارة الصحة في غزة باستشهاد نحو 1400 فلسطيني منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، وفق الأرقام التي تعتمد الأمم المتحدة على بيانات الوزارة في تقاريرها.
ولا تزال المساعدات الإنسانية تواجه قيودًا، فيما لم تبدأ إعادة الإعمار بصورة ملموسة، مع اقتراب فصل الشتاء مجددًا، بينما تعيش عائلات فلسطينية في خيام أو مبانٍ متضررة.
أما المرحلة الثانية من الخطة، فقد تعثرت في ظل تراجع الانخراط الدولي المستمر.
فلم تسلّم حماس سلاحها، ولم تنتشر قوة الاستقرار الدولية التي كان من المفترض أن تسهم في توفير الأمن داخل القطاع، رغم تعيين قائد أمريكي لها في يناير.
كما لم تتسلم اللجنة الفلسطينية ذات الطابع التكنوقراطي، التي كان مخططًا أن تتولى إدارة غزة، مسؤولياتها على الأرض.
وفي الأسبوع السابق لنشر المقال، أعلن مجلس السلام خطة أمريكية بقيمة 2.45 مليار دولار على مدى ستة أشهر لبدء إعادة الإعمار.
لكن المبلغ يمثل جزءًا محدودًا من إجمالي 71.4 مليار دولار قُدّرت الحاجة إليها للتعافي وإعادة البناء على مدى عشر سنوات.
وتظل هذه الخطط مرتبطة بخلاف جوهري بشأن سلاح حماس، فإسرائيل ترفض السماح بإعادة الإعمار قبل نزع سلاح الحركة بالكامل، بينما ترفض حماس شروط نزع السلاح المطروحة.
وفي المقابل، يسير إصلاح السلطة الفلسطينية، التي تواجه تراجعًا في شعبيتها داخليًا، ببطء، فيما دخلت الحكومة الإسرائيلية اليمينية أجواء الحملة الانتخابية منذ أشهر.
ورغم اعتراف أكثر من 150 دولة بدولة فلسطين، فإن هذه الخطوات لم تُحدث تغييرًا جوهريًا في الواقع على الأرض.
كما أن الضغوط الدولية التي ساعدت في الوصول إلى وقف إطلاق النار بات من الصعب الحفاظ عليها بعد تراجع مستوى العنف الأشد الذي تصدر عناوين الأخبار.
لماذا يتراجع الاهتمام العالمي بغزة؟
يميل الاهتمام الإعلامي والشعبي بالأزمات الإنسانية البعيدة إلى الارتفاع مع الأحداث الأكثر عنفًا، ثم الانحسار عندما تصبح المعاناة ممتدة أو عندما تفرض أزمات أخرى نفسها على المشهد الدولي.
وقد اتبعت غزة هذا النمط جزئيًا، فمع تراجع القصف واسع النطاق وظهور هجمات أقل كثافة لكنها شبه يومية، تراجعت مساحة التغطية الإعلامية.
كما استحوذت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، التي بدأت في أواخر فبراير 2026 وفق المقال، على جانب كبير من الاهتمام الدولي، إلى جانب استمرار الحرب في أوكرانيا وتطورات لبنان.
وتؤثر الأولويات الداخلية أيضًا في اهتمام الجمهور بالأزمات الخارجية؛ إذ تأتي قضايا الرعاية الصحية والوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة في مقدمة اهتمامات كثير من الناس.
كما انعكست أزمة مضيق هرمز على حياة المواطنين من خلال أسعار الوقود، في حين ظلت آثار الحرب في غزة أقل مباشرة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الجمهور العالمي.
وكان الكاتب قد حذر قبل عام من أن انتهاء المرحلة الأشد عنفًا في غزة قد يؤدي إلى تراجع الاهتمام الدولي، بما يمنح الأطراف فرصة أكبر لتعطيل عملية السلام.
ويقول إن هذا التوقع تحقق إلى حد كبير، لكنه لم يتحقق بالكامل، فخلال العام الماضي، استمر جزء من الاهتمام، خصوصًا لدى بعض السياسيين والمسؤولين والمعلقين، إلى جانب مجموعات من الناشطين والمواطنين الذين واصلوا الضغط من أجل حقوق الفلسطينيين.
واستندت هذه التحركات إلى حركة تضامن مع الفلسطينيين تراكمت على مدى عقود، واستطاعت تحويل الغضب من الحرب إلى حملات دولية مستمرة، وإن أسهمت بعض الخطابات والأساليب المستخدمة فيها أيضًا في تعميق الاستقطاب داخل دول عدة وداخل إسرائيل.
وفي المقابل، تكشف الأزمة الإنسانية في السودان عن الوجه الآخر للمشكلة؛ فالأمم المتحدة تصفها بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، ومع ذلك واجهت صعوبة في الحفاظ على اهتمام دولي مستمر مماثل، في غياب حملة عالمية واسعة ومنظمة بالقدر نفسه.
ويخلص تحليل الكاتب إلى أن حجم الاهتمام بالأزمات لا يتحدد دائمًا بدرجة المعاناة وحدها، بل يتأثر أيضًا بقدرة الجهات المتضامنة والمنظمات والحركات الشعبية على إبقاء القضية حاضرة في المجال العام.
لم يقتصر الضغط الدولي المرتبط بالحرب على غزة على القطاع وحده، بل امتد إلى تصاعد العنف الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة.
ووفق الأرقام التي أوردها المقال، سجلت الأمم المتحدة بحلول يونيو 2026 متوسطًا بلغ ستة اعتداءات للمستوطنين يوميًا على الفلسطينيين، وهو معدل يفوق ما سُجل في أي عام سابق ضمن السجلات المشار إليها.
وبحلول يوليو، تجاوز عدد القتلى المرتبطين باعتداءات المستوطنين إجمالي العدد المسجل خلال عام 2025.
كما تعرض آلاف الفلسطينيين للنزوح، بالتزامن مع تسارع التوسع الاستيطاني.
وكانت بعض الحكومات الأوروبية قد فرضت قيودًا على التجارة مع المستوطنات، فيما أعلنت المملكة المتحدة في سبتمبر 2026 حظرًا تجاريًا من هذا النوع، وفق المقال.
واتهم وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند جماعات من المستوطنين بارتكاب ممارسات وصفها بالتطهير العرقي.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي يُعد أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وأن المملكة المتحدة تمثل شريكًا مهمًا آخر، فإن الأثر الاقتصادي المباشر لهذه الإجراءات قد يظل محدودًا، لأن المستوطنات تصدر كميات قليلة نسبيًا من السلع، وتكمن أهميتها بصورة أكبر في دلالتها السياسية والضغط الذي يمكن أن تولده.
لكن مدى تأثير هذه الإجراءات في اختيارات الناخبين الإسرائيليين قبل الانتخابات يبقى غير واضح.
فالضغط الخارجي خلال الحملات الانتخابية قد يدفع بعض أنصار القيادة المستهدفة إلى الالتفاف حولها، كما أن الغضب الدولي من الحرب في غزة عزز، وفق تحليل الكاتب، شعورًا بالحصار لدى قطاعات من المجتمع الإسرائيلي.
ولهذا يرى الكاتب، أن الاختبار الحقيقي للضغط الخارجي قد يأتي بعد الانتخابات، عندما تتضح هوية الحكومة المقبلة ومدى استعدادها لتغيير سياساتها.
واشنطن والتطبيع مع السعودية.. أدوات الضغط بعد الانتخابات
يرى التحليل، أن الولايات المتحدة تمتلك أدوات ضغط مهمة على أي حكومة إسرائيلية، بسبب اعتماد إسرائيل الكبير على الدعم الأمريكي.
وفي المقابل، قد يشكل تطبيع العلاقات مع السعودية، وما يمكن أن يتيحه من توسيع العلاقات مع دول عربية وإسلامية أخرى، حافزًا سياسيًا لإسرائيل.
لكن الرياض ربطت التطبيع بمسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية، وهو ما يجعل القضية الفلسطينية عنصرًا محوريًا في أي ترتيبات إقليمية أوسع.
ويشير الكاتب إلى عامل آخر لا يقل أهمية، وهو حاجة الإسرائيليين العميقة إلى الشعور بالأمن، خصوصًا بعد الهجمات التي وقعت في 7 أكتوبر 2023.
ويعتبر أن الصدمة الأمنية التي خلفتها الهجمات تساعد على تفسير جوانب من كيفية إدارة الحرب في غزة، لكنها لا تبرر ما ارتُكب خلالها، تمامًا كما أن أي مظالم أو دوافع سياسية لا يمكن أن تبرر قتل المدنيين في هجمات حماس.
ومن وجهة نظر التحليل، سيؤثر الشعور بالأمن في خيارات الناخبين الإسرائيليين وفي حدود المخاطر التي قد تقبل الحكومة المقبلة تحملها، وربما يكون تأثيره أكبر من تأثير الحوافز والعقوبات الخارجية وحدها.
ماذا تعني الانتخابات الإسرائيلية لمستقبل غزة؟
تُجرى الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في 27 أكتوبر 2026، وسط استقطاب سياسي حاد، وقد تكون نتائجها مؤثرة في مستقبل غزة والضفة الغربية وفي مسار العلاقات الإقليمية.
ووفق استطلاعات أشار إليها المقال، كان من الممكن أن يصبح حزب «ياشار» بقيادة جادي آيزنكوت أكبر حزب في الكنيست، لكن تشكيل ائتلاف حكومي قد يواجه صعوبات إذا احتاج إلى دعم الأحزاب العربية الإسرائيلية، وهو احتمال رفض آيزنكوت تبنيه في الموقف الذي أورده المقال.
وقد يؤدي تغير الحكومة إلى تحولات في بعض الملفات، من بينها اتخاذ خطوات للحد من عنف المستوطنين، وإبداء تعاون أكبر مع جهود مجلس السلام في غزة، وإجراء تحقيق رسمي في هجمات السابع من أكتوبر.
لكن تغيير الحكومة لا يعني بالضرورة تحولًا جذريًا في السياسة الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
فقد استبعد آيزنكوت إقامة دولة فلسطينية في المستقبل المنظور، كما يرجح التحليل أن أي ائتلاف يقوده قد يضم شركاء من اليمين.
وهنا تظهر معضلة أساسية في استمرار الضغط الدولي: فالحكومة التي تضم شخصيات من اليمين المتطرف، مثل إيتمار بن جفير وبتسلئيل سموتريتش، تجعل الاعتراض الدولي على سياساتها أكثر وضوحًا.
أما إذا وصلت إلى السلطة حكومة تتبنى خطابًا أكثر اعتدالًا، فقد يصبح الحفاظ على مستوى الضغط نفسه أكثر صعوبة، حتى إذا لم تتغير السياسات الأساسية تجاه الاحتلال بصورة ملموسة.
وقد تتعامل بعض الحكومات ووسائل الإعلام مع تغير القيادة الإسرائيلية بوصفه مؤشرًا على اقتراب التسوية، بينما تتراجع قدرة الحركات الشعبية على إبقاء الاهتمام منصبًا على الاحتلال والاستيطان إذا استمر العنف بوتيرة أقل ظهورًا في العناوين الرئيسية.
ويحذر التحليل من أن تراجع حدة الأحداث لا يعني بالضرورة حل أسباب الصراع، وأن الفترات التي يقل فيها الاهتمام الدولي قد تسمح بتعثر المفاوضات واستمرار الانتهاكات دون ضغوط كافية.
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتراجع العناوين
بعد ثلاث سنوات على هجمات السابع من أكتوبر، لم تعد غزة تحتل المساحة نفسها في الاهتمام العالمي، لكن ذلك لا يعني انتهاء الأزمة الإنسانية أو استقرار الأوضاع على الأرض.
فإعادة الإعمار لم تبدأ بالقدر المطلوب، والمرحلة الثانية من خطة السلام لا تزال تواجه خلافات بشأن الأمن ونزع السلاح والحكم المستقبلي للقطاع، فيما تتواصل الاعتداءات في الضفة الغربية ويتسارع الاستيطان.
وستحدد الانتخابات الإسرائيلية جانبًا من ملامح المرحلة المقبلة، لكن نتائجها وحدها لن تكفي لضمان التقدم نحو تسوية، إذ يتوقف الأمر أيضًا على مدى استعداد الولايات المتحدة والدول الأوروبية والدول العربية للحفاظ على الضغط السياسي والدبلوماسي، وعلى قدرة الأطراف المعنية على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية.
وتتمثل المعضلة في أن الحفاظ على الاهتمام الدولي يكون أسهل عندما تتصدر الأحداث الأكثر عنفًا المشهد، لكنه يصبح أصعب عندما تتراجع وتيرة القتال دون أن تُحل جذور الأزمة.
ومن ثم، فإن الاختبار الأهم خلال العام المقبل لن يكون فقط ما إذا كانت المدافع ستصمت بدرجة أكبر، بل ما إذا كان العالم سيواصل متابعة ما يحدث بعد انحسار العناوين الرئيسية، ويضغط من أجل حماية المدنيين، وتسهيل إعادة الإعمار، ومعالجة القضايا السياسية التي تمنع الوصول إلى تسوية مستدامة.
ففي غزة، أصبحت أصوات المدافع أقل مما كانت عليه خلال ذروة الحرب، لكنها لم تصمت تمامًا، والسؤال الذي يبقى مفتوحًا هو ما إذا كان الاهتمام العالمي سيستمر بما يكفي لمنع تحول وقف إطلاق النار إلى مجرد فترة هدوء مؤقتة.
