في الوقت الذي تضرب فيه موجات حر غير مسبوقة أنحاء واسعة من أوروبا، تحول استخدام أجهزة تكييف الهواء إلى محور جدل سياسي ومجتمعي واسع، تجاوز كونه وسيلة للتكيف مع ارتفاع درجات الحرارة، ليصبح جزءًا من الصراع الدائر حول سياسات المناخ والطاقة.
فمع تسجيل درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية في عدد من الدول الأوروبية خلال صيف 2026، ووقوع آلاف الوفيات المرتبطة بالحر، تصاعدت الانتقادات الموجهة إلى انخفاض معدلات استخدام أجهزة التكييف في دول مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، مقارنة بالولايات المتحدة، حيث تتجاوز نسبة انتشار التكييف 90% من المنازل.
إلا أن تقريرًا تحليليًا نشره موقع Carbon Brief يرى أن معظم الانتقادات المتداولة تتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أوروبا الشمالية لم تكن تاريخيًا بحاجة إلى أجهزة التكييف، لأن مناخها المعتدل لم يكن يتطلبها، وأن تغير المناخ هو الذي فرض واقعًا جديدًا دفع المجتمعات الأوروبية إلى إعادة النظر في وسائل التكيف مع الحرارة المتصاعدة.
أوروبا بُنيت لمناخ لم يعد موجودًا
يشير التقرير إلى أن غالبية المباني في شمال أوروبا شُيدت للحفاظ على الدفء خلال الشتاء، وليس لمقاومة الحرارة صيفًا، إذ كانت الأيام التي تتجاوز فيها الحرارة 30 درجة مئوية نادرة حتى مطلع الألفية الجديدة.
لكن مع ارتفاع متوسط حرارة أوروبا بنحو 2.5 درجة مئوية مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية، أصبحت موجات الحر أكثر تكرارًا وشدة، ما جعل البنية العمرانية الحالية غير قادرة على التعامل مع الواقع المناخي الجديد.
ويرى خبراء المناخ أن أوروبا أصبحت تعيش في مدن “صُممت لمناخ لم يعد موجودًا”، الأمر الذي يفرض تسريع إجراءات التكيف، وفي مقدمتها التوسع في وسائل التبريد، خاصة داخل المدارس والمستشفيات ودور رعاية المسنين.
التكييف ليس غائبًا عن أوروبا
رغم الصورة الشائعة، يؤكد التقرير أن أجهزة التكييف منتشرة بالفعل في جنوب أوروبا، حيث المناخ أكثر حرارة منذ عقود.
ففي إيطاليا يمتلك نحو 60% من الأسر أجهزة تكييف، بينما تصل النسبة في اليونان إلى ما بين 70 و80%، وتبلغ نحو 41% في إسبانيا، مع ارتفاعها بصورة أكبر في المناطق الجنوبية الأكثر حرارة.
أما فرنسا، التي كثيرًا ما تُتهم بأنها “تقاوم” التكييف، فتشهد بدورها تفاوتًا واضحًا بين الشمال والجنوب؛ إذ تتجاوز نسبة المنازل المزودة بالتكييف 60% في المناطق المطلة على البحر المتوسط، بينما تنخفض إلى أقل من 5% في بعض المناطق الشمالية، بما فيها العاصمة باريس.
جدل سياسي يتجاوز التكنولوجيا
أصبحت أجهزة التكييف خلال الأشهر الأخيرة ورقة سياسية تستخدمها بعض الأحزاب اليمينية في أوروبا، التي اتهمت الحكومات وسياسات “صافي الانبعاثات الصفري” بعرقلة انتشارها.
وفي فرنسا، تبنى حزب التجمع الوطني اليميني الدعوة إلى تعميم التكييف في المباني العامة، فيما استخدم سياسيون بريطانيون الملف ذاته لانتقاد سياسات المناخ.
غير أن التقرير يؤكد عدم وجود أدلة على أن السياسات البيئية تمنع المواطنين من تركيب أجهزة التكييف، موضحًا أن ارتفاع تكاليف الشراء والتشغيل يظل العائق الأكبر أمام كثير من الأسر الأوروبية، بينما تشهد القارة بالفعل زيادة كبيرة في الطلب على أجهزة التكييف مع تصاعد موجات الحر.
هل يؤدي التكييف إلى تفاقم أزمة المناخ؟
يرى التقرير أن الإجابة ليست بهذه البساطة، فعالميًا، استهلكت أنظمة التبريد نحو 2100 تيراواط/ساعة من الكهرباء عام 2022، ما تسبب في انبعاث نحو مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، أي ما يعادل قرابة 2.7% من الانبعاثات العالمية المرتبطة بالطاقة والصناعة.
لكن حجم الانبعاثات يختلف باختلاف مصدر الكهرباء في كل دولة، إذ تكون التأثيرات أقل في الدول التي تعتمد على الكهرباء منخفضة الكربون مثل فرنسا، بينما ترتفع بصورة أكبر في الدول التي يعتمد إنتاج الكهرباء فيها على الفحم، مثل الهند.
كما يشير التقرير إلى أن تحسين كفاءة أجهزة التكييف، إلى جانب الاعتماد على الطاقة الشمسية والتخزين بالبطاريات، يمكن أن يقلل بصورة كبيرة من الأثر المناخي للتوسع في استخدامها.
التكييف قد يرفع حرارة المدن
ورغم أهميته في حماية السكان، فإن أجهزة التكييف لا تخلو من آثار جانبية، فهي تعمل على سحب الحرارة من داخل المباني وطردها إلى الخارج، ما يسهم في رفع درجات الحرارة داخل الشوارع، ويزيد من ظاهرة “الجزر الحرارية الحضرية”، خاصة في المدن الأوروبية ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وتشير دراسات استعرضها التقرير إلى أن الاستخدام المكثف للتكييف قد يرفع درجات الحرارة الليلية في بعض المدن بما يتراوح بين درجة ودرجتين مئويتين، وهو ما يدفع خبراء إلى التأكيد على ضرورة دمج حلول أخرى، مثل زيادة المساحات الخضراء وتحسين تصميم المباني، بدلاً من الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف.
التكييف ينقذ الأرواح.. لكنه ليس الحل الوحيد
يؤكد التقرير أن أجهزة التكييف تسهم بالفعل في تقليل الوفيات المرتبطة بالحر، مشيرًا إلى أن دراسة عالمية قدرت أنها أنقذت نحو 190 ألف شخص سنويًا خلال الفترة بين 2019 و2021.
كما توضح البيانات أن أوروبا تسجل معدلات وفيات بسبب موجات الحر أعلى بكثير من الولايات المتحدة، التي تتمتع بانتشار واسع لأجهزة التكييف.
إلا أن الباحثين يؤكدون أن زيادة استخدام التكييف وحدها لا تكفي، إذ تفسر نسبة محدودة فقط من انخفاض الوفيات، بينما تلعب خطط الطوارئ، وتوسيع المساحات الخضراء، وتحسين تصميم المدن، وزراعة الأشجار، وتطوير المباني، والتوعية الصحية، دورًا لا يقل أهمية في حماية السكان من الحرارة الشديدة.
مستقبل أكثر سخونة يتطلب حلولًا متكاملة
ويخلص التقرير إلى أن أوروبا تحتاج بالفعل إلى مزيد من وسائل التبريد مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، لكن دون النظر إلى أجهزة التكييف باعتبارها الحل الوحيد.
فالخبراء يدعون إلى استراتيجية متكاملة تشمل تحسين تصميم المباني، وزيادة المساحات الخضراء، وتوسيع استخدام المراوح والتهوية الطبيعية، واعتماد حلول التبريد السلبي، إلى جانب نشر أجهزة تكييف أكثر كفاءة وأقل استهلاكًا للطاقة، بما يحقق التوازن بين حماية السكان من موجات الحر المتزايدة وتقليل الانبعاثات الكربونية على المدى الطويل.
