انبعاثات بطاريات السيارات الكهربائية قد تصل إلى 1.4 مليار طن سنويًا بحلول 2050

الطلب المتزايد على البطاريات يهدد مكاسب التحول إلى السيارات الكهربائية

مع التوسع المتسارع في إنتاج السيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة، تتزايد أهمية البصمة الكربونية للبطاريات التي تعتمد عليها هذه التقنيات، إذ تشير دراسة نمذجة عالمية جديدة إلى أن انبعاثات سلسلة توريد بطاريات الليثيوم أيون قد ترتفع إلى ما بين 1.1 و1.4 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2050، إذا استمرت اتجاهات الطلب الحالية دون تدخلات كافية.

وتكشف الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة ملبورن الأسترالية بالتعاون مع الأكاديمية الصينية للعلوم وجامعة شيفيلد البريطانية، أن تحسين أساليب تصنيع البطاريات وحده لن يكون كافيًا للسيطرة على الانبعاثات المتزايدة، حتى مع الاعتماد على الكهرباء المتجددة وتطوير كيمياء البطاريات وإعادة تدوير المواد.

ووفقًا للباحثين، فإن خفض البصمة الكربونية يتطلب أيضًا إدارة الطلب على البطاريات، من خلال تقليل سعتها عندما لا تكون الأحجام الكبيرة ضرورية، وإطالة عمرها التشغيلي، وتعزيز الاستخدام المشترك للمركبات، وإعادة توظيف البطاريات المستعملة في تطبيقات أخرى قبل إعادة تدويرها.

الطلب على البطاريات قد يتجاوز عشرة أضعاف مستوياته الحالية

تُقدّر الدراسة الانبعاثات السنوية المرتبطة ببطاريات الليثيوم أيون بنحو 105 ملايين طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون في الوقت الراهن، وهي نسبة محدودة نسبيًا من إجمالي الانبعاثات العالمية، لكنها مرشحة للارتفاع بصورة كبيرة خلال العقود المقبلة.

ونمذج الباحثون الطلب على البطاريات المستخدمة في السيارات الكهربائية والشاحنات الصغيرة والحافلات والشاحنات الثقيلة، إلى جانب أنظمة تخزين الطاقة بالبطاريات، حتى عام 2050.

وتشير السيناريوهات التي تناولها التحليل إلى احتمال ارتفاع الطلب السنوي على البطاريات إلى أكثر من عشرة أضعاف مستوياته الحالية. ومع توسع الإنتاج، قد ترتفع انبعاثات سلاسل التوريد إلى ما بين 1.1 و1.4 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول منتصف القرن.

أما على مدار الفترة التي تغطيها الدراسة حتى عام 2050، فقد تصل الانبعاثات التراكمية لسلسلة توريد بطاريات الليثيوم أيون إلى ما بين 19 و23 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، في حال عدم اتخاذ إجراءات إضافية للحد منها.

وتسلط هذه التوقعات الضوء على تحدٍ أساسي في التحول إلى الطاقة النظيفة: فزيادة كفاءة تصنيع البطارية الواحدة لا تضمن بالضرورة انخفاض إجمالي الانبعاثات، إذا استمر عدد البطاريات المنتجة في الارتفاع بمعدلات أسرع من التحسن في كفاءة الإنتاج.

انبعاثات بطاريات السيارات الكهربائية

لماذا لا يكفي تصنيع بطاريات أكثر نظافة؟

ركزت الجهود الرامية إلى خفض الانبعاثات المرتبطة بالبطاريات بدرجة كبيرة على جانب الإنتاج، بما يشمل استخدام تركيبات كيميائية أقل تأثيرًا في المناخ، وتشغيل المصانع بالكهرباء المتجددة، واستعادة المواد القيّمة من البطاريات المستهلكة وإعادة تدويرها.

ويؤكد التحليل أن هذه الإجراءات يمكن أن تحقق خفضًا تراكميًا كبيرًا في الانبعاثات، يتراوح بين 3.5 و4.7 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

لكن هذه التدابير تواجه حدودًا عملية؛ إذ لا يمكن إزالة الكربون من شبكات الكهرباء بالسرعة نفسها في جميع البلدان، كما أن تحسين تركيبات البطاريات له حدود تقنية، في حين تعتمد كميات المواد التي يمكن استردادها على معدلات الجمع وإمكانات إعادة التدوير وكفاءتها.

ومع اقتراب هذه التدابير من حدودها العملية واستمرار نمو الإنتاج، قد تتراجع الفائدة الإضافية الناتجة عن كل تحسين جديد، وبذلك يمكن أن تصبح البطاريات أقل كثافة في الانبعاثات لكل وحدة إنتاج، بينما ترتفع الانبعاثات الإجمالية بسبب الزيادة الكبيرة في الكميات المصنّعة.

أربعة مسارات لخفض الانبعاثات من جانب الطلب

انبعاثات بطاريات السيارات الكهربائية

اختبرت الدراسة أربعة مسارات تستهدف تقليل الحاجة إلى إنتاج بطاريات جديدة، وقارنت أثرها بإجراءات خفض الانبعاثات داخل سلاسل التوريد.

أولًا: تقليل سعة البطاريات إلى المستوى المناسب: فبدلًا من الاتجاه المستمر نحو بطاريات أكبر، يمكن تصميم المركبات بسعات تتناسب مع احتياجات الاستخدام الفعلية، من دون تحميلها سعة إضافية لا تُستغل بصورة منتظمة.

ثانيًا: إطالة العمر التشغيلي للبطاريات: كلما استمرت البطارية في العمل بكفاءة لفترة أطول، تراجعت الحاجة إلى استبدالها وإنتاج بطارية جديدة، وما يرتبط بذلك من استخراج للمواد الخام واستهلاك للطاقة وانبعاثات.

ثالثًا: تعزيز التنقل المشترك: يمكن لخدمات مشاركة المركبات وتحسين معدلات استخدامها أن تقلل عدد السيارات المطلوبة لتلبية احتياجات التنقل، وهو ما يحد من الطلب الإجمالي على البطاريات، بحسب السيناريوهات التي تناولتها الدراسة.

رابعًا: إعادة استخدام البطاريات بعد انتهاء عمرها في المركبات: فالبطارية التي لم تعد مناسبة لتلبية متطلبات السيارة قد تظل صالحة لتخزين الكهرباء في تطبيقات ثابتة، ما يمنحها عمرًا إضافيًا قبل الوصول إلى مرحلة إعادة التدوير.

ولا تستهدف هذه التدابير إبطاء التحول إلى السيارات الكهربائية أو أنظمة الطاقة النظيفة، بل زيادة الاستفادة من البطاريات المنتجة بالفعل، وتقليل الحاجة إلى تصنيع وحدات جديدة كلما أمكن ذلك.

خفض إضافي يصل إلى 7.2 مليار طن من الانبعاثات

أظهرت نتائج النمذجة، أن الجمع بين استراتيجيات إدارة الطلب على البطاريات يمكن أن يحقق خفضًا تراكميًا إضافيًا يتراوح بين 6 و7.2 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، وفق السيناريوهات التي درسها الباحثون.

وعند الجمع بين الإجراءات المتعلقة بالإنتاج وتلك المتعلقة بالطلب، يمكن خفض الانبعاثات التراكمية المتوقعة إلى نحو 9–12 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بنحو 19–23 مليار طن في السيناريو الذي لا يشهد تدخلات إضافية.

وتُقدّر مساهمة تدابير جانب الإنتاج في هذا الخفض بنحو 3.5–4.7 مليار طن، مقابل نحو 6–7.2 مليار طن من تدابير جانب الطلب، ما يشير إلى أن تقليل الحاجة إلى البطاريات الجديدة وتحسين الاستفادة منها قد يحققان مكاسب مناخية أكبر من تحسين التصنيع وحده.

وبحسب الباحثين، فإن حجم الانبعاثات التي يمكن تجنبها يعادل انبعاثات سنوية لاقتصاد عالمي كبير، مثل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يوضح أهمية التعامل مع الطلب على البطاريات باعتباره جزءًا رئيسيًا من سياسات إزالة الكربون.

فوائد تتجاوز خفض انبعاثات الكربون

انبعاثات بطاريات السيارات الكهربائية

لا تقتصر أهمية إدارة الطلب على تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، إذ يمكن أن تساعد أيضًا في الحد من مجموعة أوسع من الآثار البيئية المرتبطة بإنتاج البطاريات.

فتحسين عمليات التصنيع قد يخفض الانبعاثات، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى خفض مماثل في استهلاك المياه أو استخدام الأراضي أو الآثار المرتبطة بسمية المواد.

في المقابل، يمكن أن يسهم إطالة عمر البطاريات، ورفع معدلات استخدامها، واختيار سعات تتناسب مع الاحتياجات الفعلية، وإعادة توظيفها بعد انتهاء استخدامها في السيارات، في تقليل الضغط على الموارد الطبيعية والحد من الآثار البيئية المرتبطة بإنتاج وحدات جديدة.

وتدفع هذه النتائج إلى توسيع النقاش بشأن استدامة البطاريات، بحيث لا يقتصر على سؤال كيفية تصنيع بطارية أقل انبعاثًا، بل يشمل أيضًا تحديد السعة المطلوبة فعلًا لتلبية احتياجات النقل وتخزين الكهرباء، وسبل الاستفادة من البطارية لأطول فترة ممكنة.

انبعاثات بطاريات السيارات الكهربائية

نحو سياسات تتجاوز تنظيم انبعاثات المصانع

يرى الباحثون أن سياسات خفض الانبعاثات المرتبطة بالبطاريات ينبغي ألا تقتصر على تنظيم الانبعاثات الناتجة عن التصنيع، بل يجب أن تشجع أيضًا إطالة العمر التشغيلي للبطاريات، واختيار الأحجام المناسبة، ورفع معدلات الاستخدام، وتوسيع تطبيقات إعادة الاستخدام.

وأشار الباحث الرئيسي هاي وي تشو، من جامعة ملبورن، إلى أن الفريق يعتزم اختبار ما إذا كانت العلاقة بين تحسين الإنتاج وإدارة الطلب تنطبق أيضًا على سلاسل توريد تقنيات الطاقة النظيفة الأخرى، مثل توربينات الرياح والألواح الشمسية.

وتعكس الدراسة تحولًا مهمًا في طريقة تقييم الأثر البيئي للتحول إلى الطاقة النظيفة؛ فخفض الانبعاثات لا يعتمد فقط على جعل التقنيات أكثر كفاءة ونظافة، بل كذلك على تقليل الهدر في استخدامها وإطالة عمرها والاستفادة القصوى من الموارد الداخلة في إنتاجها.

ونُشرت الدراسة في مجلة One Earth، وتقدم نتائجها إطارًا لتقييم أثر سياسات الإنتاج والاستهلاك معًا، مع الإشارة إلى أن الأرقام المستقبلية تستند إلى سيناريوهات نمذجة وليست تنبؤات مؤكدة، وأن حجم الخفض الفعلي سيتوقف على مسارات الطلب والسياسات والتطورات التقنية خلال العقود المقبلة.

↑
Exit mobile version