باعة الطعام في الشوارع.. حلقة أساسية في الأمن الغذائي تتجاهلها السياسات الحكومية
دراسة تحذر من تجاهل باعة الشوارع.. خدمات بسيطة قد تحسن ظروف العمل والأمن الغذائي
لا تقتصر أهمية باعة الطعام في الشوارع على توفير وجبات سريعة ومنخفضة التكلفة للمارة، بل تمتد إلى دعم الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتأمين مصادر دخل لملايين الأشخاص، خصوصًا في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
فمن الأكشاك التي تبيع الخضراوات الطازجة إلى العربات التي تقدم الوجبات المطهية، يشكل هؤلاء الباعة جزءًا مهمًا من المنظومة الغذائية اليومية، إذ يتيحون الحصول على الطعام بالقرب من المنازل والمدارس والأسواق وأماكن العمل، في حين يعتمد كثير منهم على مشروعات صغيرة تعمل بإمكانات محدودة ودون دعم مالي أو خدمات أساسية كافية.
لكن دراسة مراجعة علمية جديدة تكشف أن هذا القطاع لا يزال يواجه تحديات في الاعتراف به وتنظيمه، بسبب غموض تعريف العمل غير الرسمي، وضعف السياسات التي تراعي تنوع أنشطة الباعة وظروفهم الاقتصادية والاجتماعية.
وتشير النتائج إلى أن التعامل مع جميع باعة الطعام باعتبارهم فئة واحدة قد يؤدي إلى سياسات لا تميز بين من يوفرون الأغذية الطازجة والوجبات التقليدية، ومن يعتمد نشاطهم على بيع الأغذية المصنعة، كما قد يتجاهل احتياجات النساء العاملات في هذا القطاع والظروف التي تؤثر في قدرتهن على كسب الدخل.

دراسة من 64 دولة ترصد واقع باعة الطعام
راجع الباحثون الدراسات المنشورة حول بائعي الأغذية غير الرسميين في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، مع التركيز على طبيعة الأطعمة التي يبيعونها، وسبل كسبهم للعيش، واللوائح والضغوط التي تؤثر في أعمالهم.
ونُشرت الدراسة في دورية «Food Policy»، المتخصصة في السياسات الغذائية.
وبدأ الفريق بفحص 23 ألفًا و250 سجلًا بحثيًا منشورًا خلال الفترة من عام 2000 حتى مايو 2023.
وبعد مراجعة الدراسات وتقييم جودتها، شمل التحليل النهائي 320 دراسة من 64 دولة.
لكن المراجعة كشفت عن تفاوت كبير في التغطية الجغرافية للأبحاث؛ إذ تناول نحو 84% من الدراسات بيئات حضرية، بينما حظيت المدن الصغيرة والمناطق المحيطة بالمدن والمجتمعات الريفية باهتمام أقل.
ويعني ذلك أن المعرفة العلمية المتاحة لا تقدم صورة متكاملة عن واقع بيع الطعام خارج المدن الكبرى، رغم احتمال اختلاف طبيعة النشاط التجاري واحتياجات الباعة والزبائن في تلك المناطق.

ما المقصود ببيع الطعام في القطاع غير الرسمي؟
من أبرز النتائج التي توصلت إليها المراجعة أن أقل من ربع الدراسات أوضحت بصورة محددة المقصود ببائع الطعام غير الرسمي.
فبعض الأبحاث اعتمد على تسجيل النشاط التجاري معيارًا للتصنيف، بينما ركزت دراسات أخرى على امتلاك التراخيص، أو البيع في الشوارع، أو استخدام الأكشاك المؤقتة، أو عدم وجود متجر دائم.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا من هذه التصنيفات؛ فقد يحصل بائع على تصريح للعمل في موقع معين دون أن يكون نشاطه مسجلًا ضريبيًا، بينما قد يمتلك بائع آخر شكلًا من أشكال التسجيل دون أن يتمتع العاملون لديه بالمزايا والحماية المرتبطة بالعمل الرسمي.
ويؤثر هذا الغموض في قدرة الباحثين على مقارنة النتائج بين البلدان، كما يصعب على الحكومات تحديد الفئات التي تحتاج إلى الدعم أو وضع قواعد تتناسب مع ظروف كل نشاط.
وقالت جيني ويجل، الباحثة المتخصصة في علم الاجتماع المرتبط بالنظم الزراعية والغذائية لدى تحالف التنوع البيولوجي الدولي والمركز الدولي للزراعة الاستوائية، إن الغموض في تصنيف الأنشطة غير الرسمية يحد من إمكانية مقارنة النتائج بين السياقات المختلفة، أو تعميمها لتفسير العلاقة بين العمل غير الرسمي والتغذية والظروف الاجتماعية وسبل العيش.
وأضافت أن عدم وضوح التصنيفات ينعكس أيضًا على النقاشات المتعلقة بالسياسات العامة، ويجعل من الصعب بناء قرارات تستند إلى فهم دقيق لطبيعة هذا القطاع.
ماذا يبيع باعة الشوارع؟ ولماذا يهم ذلك للأمن الغذائي؟
تناولت 200 دراسة من الدراسات المشمولة في المراجعة الجوانب المرتبطة بالتغذية، وكشفت عن تنوع واسع في الأغذية التي يوفرها الباعة، بدءًا من الفواكه والخضراوات واللحوم، مرورًا بالوجبات المطهية والأطباق التقليدية والمشروبات والوجبات الخفيفة، وصولًا إلى الأغذية فائقة المعالجة.
ويعني هذا التنوع أن باعة الطعام غير الرسميين لا يمكن تصنيفهم جميعًا باعتبارهم مصدرًا للأغذية الصحية أو غير الصحية؛ فطبيعة ما يقدمونه تختلف من بائع إلى آخر، وقد تتباين داخل الحي الواحد.
فقد يكون أحد الباعة مصدرًا قريبًا وميسرًا للخضراوات الطازجة، بينما يوفر آخر وجبة تقليدية يصعب العثور عليها في المتاجر الكبرى، في حين يركز بائع ثالث على المشروبات المحلاة والوجبات الخفيفة المعبأة.
ويطرح هذا التنوع تحديًا أمام السياسات الغذائية؛ إذ إن وضع قيود تستهدف الحد من بيع الأغذية غير الصحية قد يؤثر أيضًا في الباعة الذين يوفرون منتجات طازجة أو وجبات مطهية تعتمد عليها المجتمعات المحلية.
ولذلك، تتطلب السياسات الفعالة التمييز بين طبيعة المنتجات المعروضة، مع مراعاة دور الباعة في إتاحة الغذاء وتكلفته ومدى قربه من المستهلكين، بدلًا من التعامل مع القطاع كله باعتباره نشاطًا واحدًا متجانسًا.

النساء يتحملن جانبًا كبيرًا من العمل
أظهرت المراجعة أن النساء يشكلن غالبية بائعي الطعام غير الرسميين في كثير من المواقع التي تناولتها الدراسات، وظهر حضورهن بصورة خاصة بين بائعي الوجبات الجاهزة والخضراوات النيئة.
لكن ظروف عمل النساء تختلف عن ظروف الرجال في جوانب عدة، تشمل مسؤوليات رعاية الأطفال، وإمكانية الحصول على التمويل، والتعرض للمضايقات، والقيود المحلية التي تحدد الأماكن والأوقات المسموح بالبيع فيها.
كما يمثل الوصول إلى موقع تجاري جيد عاملًا مؤثرًا في نجاح النشاط؛ إذ قد يحدد الموقع الذي يشهد حركة كثيفة للمارة حجم المبيعات، وقدرة البائع على تحقيق دخل يكفي احتياجاته.
ومن الأمثلة التي تناولتها الأبحاث سوق للأسماك في تنزانيا، حيث ارتبط بيع الأسماك الطازجة، الذي كان أكثر ربحية لكنه ينطوي على مخاطر أكبر، بحضور الرجال الأصغر سنًا، بينما اقتصرت أنشطة نساء بصورة أكبر على بيع الأسماك المطهية.
وتوضح هذه الحالة أن توزيع الفرص الاقتصادية لا يتحدد فقط بقدرة الأفراد على العمل، بل يتأثر أيضًا بالأعراف المحلية وإمكانية الوصول إلى مواقع البيع والموارد اللازمة لممارسة النشاط.
ومن ثم، فإن تحسين أوضاع النساء العاملات في هذا القطاع يتطلب مراعاة احتياجاتهن المتعلقة بالتمويل والأمان ورعاية الأطفال والوصول إلى المواقع التجارية المناسبة.
شبكات اجتماعية تحافظ على استمرار النشاط
قد يبدو كشك الطعام مشروعًا صغيرًا يديره شخص واحد، لكن استمرار العمل غالبًا ما يعتمد على شبكة من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية.
فقد يساعد أفراد الأسرة في إعداد الطعام، ويقدم الجيران الدعم عند الحاجة، بينما يعتمد الباعة على موردين وناقلين وأصحاب أنشطة أخرى للحصول على المكونات وتخزينها ونقلها.
وضربت المراجعة مثالًا من إندونيسيا لبائع حساء كان يعتمد على زوجته وستة من جيرانه في إعداد الطعام، إلى جانب شبكة أوسع من الموردين الذين يحصل منهم على المكونات اللازمة لنشاطه.
ويستخدم الباحثون مفهوم «البنية التحتية الاجتماعية» لوصف هذه العلاقات التي تسهم في استمرار الأنشطة الاقتصادية، رغم أنها لا تظهر بالضرورة في الحسابات الرسمية للمشروعات.
وتكتسب هذه الشبكات أهمية خاصة عندما ترتفع الأسعار أو تقل إمدادات المكونات أو تغيب الخدمات والدعم المؤسسي؛ إذ تساعد العلاقات الشخصية على استمرار النشاط وتجاوز بعض العقبات اليومية.

خدمات أساسية قد تحسن ظروف العمل والأمن الغذائي
قدمت أكثر من 214 دراسة من الدراسات المشمولة في المراجعة مقترحات لتحسين السياسات المرتبطة بباعة الطعام غير الرسميين.
وشملت التوصيات توفير المياه النظيفة ودورات المياه والكهرباء وجمع النفايات والتخزين المبرد، إلى جانب تخصيص أماكن آمنة ومناسبة لممارسة النشاط التجاري.
ولا تقتصر أهمية هذه الخدمات على تحسين ظروف العمل؛ إذ يمكن أن تسهم المياه النظيفة والتبريد والتخلص السليم من النفايات في دعم سلامة الغذاء وتقليل المخاطر المرتبطة بالتداول والتخزين غير الملائمين.
كما دعت دراسات إلى تحسين فرص الحصول على التمويل، وتوسيع الدعم الموجه إلى النساء، والاعتراف بالباعة باعتبارهم عاملين وأصحاب أنشطة اقتصادية، بدلًا من التعامل معهم أساسًا بوصفهم مشكلة تتطلب التنظيم والرقابة.
ويشير هذا الاتجاه إلى إمكانية تطوير سياسات توازن بين تنظيم النشاط التجاري وتحسين السلامة الغذائية من جهة، والحفاظ على مصادر الدخل وإمكانية الوصول إلى الطعام من جهة أخرى.
أدلة علمية متزايدة تحتاج إلى سياسات داعمة
قالت جين باترسبي، الباحثة المتخصصة في الجغرافيا البشرية بجامعة كيب تاون، إن الزيادة السريعة في عدد الدراسات التي تتناول الأنشطة غير الرسمية في البيئات الغذائية تمثل تطورًا مشجعًا، بالنظر إلى أهمية هذا القطاع للأمن الغذائي والتغذية وسبل العيش.
وأعربت عن أملها في أن يؤدي اتساع قاعدة الأدلة العلمية إلى زيادة السياسات وأطر الحوكمة التي تدعم هذا القطاع وتعزز قدرته على الاستمرار.
لكن المراجعة كشفت أيضًا عن فجوات في الموضوعات التي يختار الباحثون دراستها؛ إذ ركزت أبحاث كثيرة على المنتجات التي يبيعها الباعة وما يتناوله المستهلكون، بينما حظيت الجوانب المتعلقة بصحة الباعة أنفسهم ونظمهم الغذائية واحتياجاتهم في رعاية الأطفال وسلامتهم وتجارب الهجرة والتعرض للرشوة باهتمام أقل.
كما أن نحو 83% من الدراسات اعتمد على رصد الأشخاص أو المواقع في نقطة زمنية واحدة، وهو ما يحد من القدرة على فهم كيفية تطور الأنشطة التجارية على مدى سنوات، أو تأثير تغير الأسعار واللوائح والظروف الاقتصادية فيها.
وتكتسب هذه الفجوة أهمية لأن العمل في بيع الطعام غير الرسمي قد يتغير بسرعة، مع ارتفاع تكاليف المكونات أو تغير قواعد البيع أو تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.

الأمن الغذائي يحتاج إلى فهم أوسع لدور باعة الشوارع
تخلص المراجعة إلى أن باعة الطعام غير الرسميين يمثلون جزءًا مهمًا من المنظومة الغذائية في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لكن السياسات التي تستهدفهم تحتاج إلى فهم أدق لاختلاف أنشطتهم وظروف عملهم واحتياجاتهم.
فبدلًا من إخضاع جميع الباعة لقواعد موحدة لا تراعي طبيعة المنتجات أو حجم النشاط أو الظروف الاجتماعية، يمكن أن تستند السياسات إلى تعريفات واضحة، وخدمات أساسية ملائمة، وفرص أفضل للتمويل، وتدابير تحسن سلامة الغذاء وتحمي سبل العيش.
كما أن توسيع الأبحاث لتشمل المناطق الريفية والمدن الصغيرة، ودراسة صحة الباعة واحتياجاتهم على المدى الطويل، قد يساعد في بناء سياسات أكثر استجابة للواقع.





