أخبارابتكارات ومبادراتصحة الكوكب

باحث من جامعة هارفارد يطور حساسات لرصد تلوث الهواء الداخلي.. مستوحاة من الكلاب

مراقبة الهواء الداخلي.. تكنولوجيا تتراقب جودة الهواء الذي نتنفسه داخل مساكننا ومدارسنا ومكاتبنا

في معهد ويس للهندسة البيولوجية المُبتكرة بجامعة هارفارد، يعمل هاريتوش باتيل، الباحث المتخصص في مرحلة ما بعد الدكتوراه، على تطوير جيل جديد من الحساسات القادرة على كشف ملوثات الهواء الداخلي بدقة غير مسبوقة، مستلهمًا نموذجًا بيولوجيًا بالغ التطور: القدرة الفائقة للكلاب على الشم.

هذا المشروع ليس مجرد محاولة تقنية لعلاج مشكلة بيئية، بل يمثل فلسفة جديدة بالكامل في كيفية فهمنا للهواء الذي نتنفسه داخل مساكننا ومدارسنا ومكاتبنا.

ثورة في مراقبة الهواء: مشروع Project Air

يأتي مشروع Project Air كأول مبادرة مدعومة في إطار شراكة مع “Collaborative Fund”، ويمتد ليُعيد تعريف منظومة مراقبة الجودة داخل المباني.

فرغم الانتشار الواسع للحساسات التجارية، فإن معظمها يكتفي بقياس “مؤشرات الراحة” مثل الحرارة والرطوبة وثاني أكسيد الكربون، بينما تفشل في رصد المركبات العضوية المتطايرة (VOCs) التي تُعد الأخطر على صحة الإنسان.

هذه المركبات تُطلق ببطء من مصادر يومية: الأثاث الخشبي، الطلاءات، المواد اللاصقة، السجاد، أدوات الدراسة، والبلاستيك الساخن الناتج عن الطابعات ثلاثية الأبعاد.

وفي تراكيز معينة، قد يسبب بعضها—مثل الفورمالديهايد والبنزين—التهابات تنفسية مزمنة، اضطرابات عصبية، واضطرابات هرمونية، وصولًا إلى تأثيرات مسرطنة مثبتة علميًا.

تقليد أنف الكلب… لكن إلكترونيًا

يعتمد نظام باتيل على مبدأ حيوي محوري: الكلاب لا تشم الهواء في لحظة ساكنة، بل تمارس عملية “الشم النشط” عبر سحب الهواء وطرده باستمرار، ما يسمح بتركيز جزيئات الرائحة على مستقبلات محددة.
وقد نجح باتيل في ترجمة هذه الآلية إلى نموذج هندسي متقدم؛ حيث تُدمج داخل الحساسات مراوح نانوية تولّد نمطًا ديناميكيًا يحاكي “التنفس المستمر”، بعد ذلك، تُستخدم خوارزميات تعلم آلي متخصصة لتحليل الإشارات الكيميائية المتغيرة عبر الزمن، بهدف تكوين “بصمة رقمية” لكل مركب.

هذا الدمج بين الهندسة الحيوية وتحليل الإشارات والذكاء الاصطناعي يمثل قفزة تتجاوز حدود الحساسات التقليدية، التي غالبًا ما تتعامل مع التلوث الداخلي كرقم ثابت وليس كتفاعل ديناميكي معقد.

أهمية داخلية… تهدد صحة الملايين

يمضي غالبية السكان نحو 90% من وقتهم داخل المباني، وبينما تشير العديد من الدراسات إلى أن تركيز الملوثات داخل البيوت قد يكون أعلى بخمس مرات من الخارج، يبقى هذا “التهديد الصامت” غير مرئي وغير مفهوم لمعظم الناس.

ويركز مشروع باتيل على تتبع خمسة ملوثات من أخطر المركبات العضوية المتطايرة:

  • الفورمالديهايد

  • البنزين

  • التولوين

  • الإيثيل بنزين

  • الزيلين

وبذلك يقدم الحساس القدرة على إجراء قرارات فورية مثل:

  • فتح النوافذ

  • تنشيط أنظمة التهوية

  • إعادة ضبط أنظمة HVAC

  • تقييم جودة المواد داخل المدارس والمستشفيات والمكاتب

رحلة عقل هندسي متعدد التخصصات

بدأ شغف باتيل بالهندسة منذ طفولته في الهند، حين كان يفكك الساعات والإلكترونيات المنزلية بدافع الفضول، تطوّر هذا الشغف مع دراسته للهندسة النانوية بجامعة واترلو الكندية، حيث التقى للمرة الأولى بتقاطع الكيمياء الحيوية، والروبوتات الدقيقة، والمواد الذكية، والتحليل الطيفي.

وفي مرحلة الدراسات العليا، أدرك باتيل أن حاسة الشم البشرية والحيوانية هي أقل الحواس فهمًا وتوظيفًا في التكنولوجيا.

هاريتوش باتيل يعرض حساسات مشروع Project Air

فمنذ أن ابتكر الإنسان الكاميرا والميكروفون، بات بإمكانه تسجيل العالم المرئي والمسموع، لكن “العالم الكيميائي”—العالم الذي نستنشق إشاراته كل لحظة—ما يزال تقريبًا بلا أدوات رقمية متقدمة.

هدفه النهائي هو ابتكار تكنولوجيا تجعل الروائح قابلة للقياس والفهم والتنبؤ، كما نفعل مع الضوء والصوت.

استخدامات تمتد إلى ما وراء الهواء

يرى باتيل أن التطبيقات المحتملة لهذه التكنولوجيا هائلة:

  • أجهزة منزلية تتنبأ بفساد الطعام قبل ظهوره.

  • أنظمة كشف حرائق أسرع وأكثر حساسية من أجهزة الدخان التقليدية.

  • روبوتات قادرة على تتبع الروائح في حالات الإنقاذ.

  • تجارب ترفيهية تتضمن “بروتوكولًا عطريًا” متزامنًا مع الصوت والصورة.

  • مراقبة جودة الهواء في المصانع والمختبرات والمستشفيات بشكل آنٍ.

هاريتوش باتيل يعرض حساسات مشروع Project Air في HouseZero بجامعة هارفارد

بيئة بحثية تُسرّع من الابتكار

يصف باتيل معهد ويس بأنه “نظام بيئي للابتكار”، إذ يعمل ضمن فريق يجمع خبراء الكيمياء التحليلية ونمذجة البيانات والفيزياء الدقيقة والمواد النانوية، بالإضافة إلى فرق التسويق العلمي التي تعمل على نقل الاختراعات إلى الصناعة بسرعة غير مسبوقة.

في المعهد، لا تُعتبر الحدود بين التخصصات عائقًا بل جزءًا من العملية الإبداعية؛ فالهندسة هنا تتقاطع مع الطب، والكيمياء مع الذكاء الاصطناعي، والتصميم الصناعي مع علوم السلوك.

وجه آخر لبطل التكنولوجيا الهادئة

بعيدًا عن المختبر، يمارس باتيل رياضة الجري طويل المدى ويهوى ألعاب المنطق والألغاز، خاصة الشطرنج ولعبة Go الآسيوية. كما يستمتع ببرمجة الألعاب، ويحتفظ بمهارة طريفة: تذكر 30 رقمًا من العدد π.

أما لو لم يكن مهندسًا، فيقول إنه كان سيصبح مطوّر ألعاب فيديو “يصنع عوالم بقوانين فيزيائية خاصة بها”.

هاريتوش باتيل يعرض حساسات مشروع Project Air

رسالة علمية شاملة

يرى باتيل أن مواجهة الأزمات البيئية والصحية المعقدة—مثل تلوث الهواء—تتطلب دمج المعرفة بدلًا من تقسيمها.
وفي مشروع Project Air، تتداخل:

  • الديناميكا الهوائية

  • الكيمياء الصناعية

  • علوم المواد

  • الحوسبة

  • النمذجة الإحصائية

  • الذكاء الاصطناعي
    لتحويل “الهواء غير المرئي” إلى بيانات دقيقة وصور واضحة يمكن للإنسان اتخاذ قرار بناءً عليها.

هذا العمل، كما يقول، ليس مجرد تطوير لحساس، بل خطوة نحو “جعل الهواء مفهومًا مثل الطعام”، بحيث يعرف كل فرد ما يستنشقه كما يعرف ما يأكله.

نقل التكنولوجيا بسرعة من المختبر إلى الاستخدام الواقعي

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading