انخفاض أعداد الماشية عالمياً.. تراجع أعداد الأبقار والأغنام يترك آثاراً بيئية معقدة
من الإفراط في الرعي إلى تقليص الماشية.. إعادة التفكير في دور الحيوانات في تشكيل الأراضي
لسنوات طويلة، اعتقد العلماء أن تهديد الأراضي العشبية يرجع بشكل أساسي إلى الإفراط في الرعي بواسطة الأبقار والأغنام والماعز والجاموس. كانت هذه الحيوانات تُعتبر السبب الرئيس في تدهور الأراضي وتراجع النباتات.
بينما يظل الإفراط في الرعي مشكلة في العديد من المناطق، أظهرت أبحاث حديثة من جامعة ولاية أريزونا صورة مختلفة: في مناطق واسعة حول العالم، أعداد الماشية لا تتزايد، بل تتراجع.
يُطلق على هذا الاتجاه اسم “إزالة الماشية“، وله آثار كبيرة، حيث أن الحيوانات الرعوية تؤثر على المناظر الطبيعية والنباتات والحياة البرية والمناخ والأنظمة المائية. وفهم هذه التغيرات يساعد مديري الأراضي على اتخاذ قرارات مستنيرة.

ماذا يعني “إزالة الماشية” للأراضي
إزالة الماشية ليست مجرد عكس الإفراط في الرعي. تقليل أعداد الحيوانات لا يحل مشكلات الأراضي تلقائياً، وقد يخلق أحياناً تحديات جديدة تتطلب إدارة دقيقة.
“غالباً ما نفترض أن الأراضي الرعوية تتدهور بسبب الإفراط في الرعي، لكن البيانات تُظهر أن هذه ليست الصورة كاملة: ما يقرب من نصف إنتاج الماشية يحدث في مناطق شهدت إزالة الماشية خلال الـ25 سنة الماضية”، قال البروفيسور أوسفالدو سالا.
الدراسة منشورة في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences.

تشير الدراسة إلى أن الأراضي التي تخلو من الحيوانات الرعوية يمكن أن تتغير بسرعة. فقد يؤدي النمو غير المنضبط للنباتات إلى زيادة خطر الحرائق، واحتلال بعض الأنواع النباتية للمساحات على حساب غيرها، مع تأثير متباين على التنوع البيولوجي حسب النظام البيئي المحلي.
الأنماط العالمية لتغير أعداد الماشية
تحليل بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة من 1999 إلى 2023 أظهر فروقاً إقليمية واضحة. فقد شهدت المناطق التي كانت تضم 42٪ من الحيوانات الرعوية حول العالم انخفاضاً بنسبة 12٪ خلال 25 عاماً. وتظهر إزالة الماشية بشكل واضح في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا وأجزاء من أفريقيا وآسيا، مع تسجيل أوروبا الشرقية أكبر انخفاض بنسبة 37٪.
في المقابل، ارتفعت أعداد الماشية في وسط أفريقيا وآسيا الوسطى وأمريكا الجنوبية، بمعدل زيادة إجمالي حوالي 40٪ منذ 1999. وتكشف هذه الاتجاهات المتباينة أن أنماط الرعي العالمية لم تعد تتبع قصة واحدة للنمو أو التراجع.
العوامل المؤثرة في هذه التغيرات
تلعب الظروف الاقتصادية دوراً كبيراً. تعتمد المناطق الغنية على الزراعة الصناعية القائمة على الأعلاف، محققة إنتاجية لحوم أعلى بنسبة 72٪ لكل حيوان مقارنة بالمناطق الفقيرة. في المناطق الأقل ثراءً، تستمر أنظمة الرعي التقليدية، التي تدعم البقاء اليومي بدلاً من الإنتاجية العالية. كما يؤثر النمو السكاني في زيادة الطلب على اللحوم، ما يدفع أعداد الماشية إلى الارتفاع.
لا تتوافق أنماط إزالة الماشية أو زيادة الأعداد مع تغير المناخ أو أنماط التجارة الدولية.

تأثير إزالة الماشية على كوكب الأرض
يغطي الرعي ما يقرب من ربع سطح الأرض، ما يجعل هذه التغيرات مهمة للنظم البيئية في جميع أنحاء العالم. قد تزيد إزالة الماشية من خطر الحرائق، وتغير تركيب النباتات، وتؤثر على تدفق المياه. في الوقت نفسه، يمكن للنمو النباتي أن يعزز امتصاص ثاني أكسيد الكربون، ما يعود بالفائدة على المناخ.
“الأمر ليس سوداويًا دائماً، بل صورة أكثر تعقيداً تحوي مخاطر وفرص على حد سواء”، قال سالا.
مسارات إدارة الأراضي
قد تستفيد بعض المناطق من إعادة البرية أو إدخال حيوانات راعية بديلة مثل البيسون أو الماعز لتأدية أدوار بيئية كانت تمارسها الأبقار.
ويؤكد سالا وزميله خوسيه أنادون أن التركيز فقط على الإفراط في الرعي لا يحقق تقدمًا كبيرًا، بينما توفر إزالة الماشية فرصاً لتحسين الحفظ البيئي وزيادة تخزين الكربون ودعم سبل عيش الريف.
“هذه قضايا مهمة لمديري الأراضي وصانعي السياسات والجمهور. هناك حاجة لبيانات أفضل وتجارب دقيقة وسياسات تراعي الفروق الإقليمية”، أضاف سالا.






