من النخيل إلى الرمال.. كيف يدمر تغير المناخ اليمن .. دورات قاسية من الجفاف والفيضانات
مزيج خطير لشعب يواجه بالفعل انعدام الأمن الغذائي الشديد
قبل خمسة عشر عامًا، كانت هناك قرية صغيرة في حضرموت تُدعى المخبية، وهو الاسم الذي يعني “المخبية”، وقد سُميت القرية بهذا الاسم نسبة لغابة النخيل التي كانت تحيط بها.
ولكن غابة النخيل هذه لم تعد موجودة اليوم، وهجرت العديد من الأسر القرية، وهذا مجرد مثال واحد على العديد من المجتمعات اليمنية المتضررة من تغير المناخ، حيث حلت الرمال والطين القاحل محل مناظرها الطبيعية الخضراء النابضة بالحياة.
كتب منير بن وبار، الصحفي مؤسس منظمة يمن واتشر المتخصصة في الشؤون اليمنية، تحليلا عن أثار تغير المناخ على اليمن، في منتدى فكرة يؤكد فيه أن شح المياه والتصحر من بين التحديات الأكثر تعقيدًا التي تواجه اليمن.
وتعاني البلاد من نقص مزمن في المياه ومعدلات عالية من التصحر، ناهيك عن الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف وأنماط الطقس المتغيرة مثل ارتفاع درجات الحرارة.
وأوضح منير أن كل هذه التحديات تؤثر سلبًا على البنية التحتية للبلاد واقتصادها وإنتاجها الغذائي وانتشار الأمراض، مما يرسم مستقبلًا قاتمًا لليمنيين الذين يُدفعون بالفعل بلا هوادة إلى حافة المجاعة.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضرمعدل التصحر وإزالة الغابات ارتفع إلى 97%
وتشير التقديرات إلى أن معدل التصحر وإزالة الغابات في اليمن ارتفع من 90% في عام 2014 إلى 97% في عام 2022.
وخلال موسم الجفاف وفترة الأمطار هذا العام في اليمن، ارتفعت درجات الحرارة بشكل حاد في يونيو؛ وشهدت البلاد انخفاضًا حادًا في هطول الأمطار ثم طوفانًا في وقت لاحق في يوليو وأغسطس، حيث أثرت كلتا الفترتين على الزراعة وسبل عيش الناس في المناطق الريفية.
إجهاد المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية
لقد أدى الجفاف الشديد هذا العام إلى إجهاد المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية، مما أجبر العديد من المزارعين على تعليق عملهم.
ولجأ آخرون إلى زيادة ضخ الآبار، مما أدى إلى تدهور قابلية موارد المياه للاستمرار على المدى الطويل.
كما أدى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الغبار إلى تفاقم المشاكل الصحية، وخاصة بين كبار السن وأولئك الذين يعانون من أمراض الجهاز التنفسي.
وخلال موسم الأمطار اللاحق، ألحقت الفيضانات أضرارًا بمساحات زراعية كبيرة، مما أدى إلى خفض إنتاج الغذاء في اليمن وارتفاع الأسعار.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضرالتحديات التنموية المعقدة ومتعددة الأوجه
كما يؤثر تغير المناخ بشدة على السكان النازحين ويفرض ضغوطًا كبيرة على موارد المجتمعات المضيفة.
وتشير التقديرات اليوم إلى وجود 4.5 مليون نازح داخلي في اليمن، وفي حين أن الصراع غالبًا ما يكون الدافع الأساسي للنزوح، لا يمكن تجاهل تغير المناخ باعتباره قوة كبيرة تقتلع المجتمعات.
ووفقًا لدراسة نشرها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أواخر عام 2023، تواجه اليمن العديد من التحديات التنموية المعقدة ومتعددة الأوجه، حيث يعمل تغير المناخ كمضاعف لعدم اليقين ويقيد مستقبل البلاد بشدة.
وتشير الدراسة إلى أنه في سيناريو يستمر فيه تغير المناخ على مساره الحالي في اليمن، فإن البلاد ستخسر 93 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2060.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضرالأضرار الكارثية
الأضرار الكارثية الناجمة عن موسم الأمطار هذا العام تشكل مثالاً صارخًا على التهديد الذي يشكله تغير المناخ.
فقد تسببت الفيضانات الشديدة في مقتل ما لا يقل عن 97 شخصًا في أغسطس 2024، وتفاقم نقص الغذاء لملايين النازحين بالفعل بسبب سنوات من الحرب.
كما ألحقت الفيضانات أضرارًا بما لا يقل عن 56 ألف منزل في جميع أنحاء اليمن، بينما تأثرت حوالي 33 ألف أسرة منذ بدء موسم الرياح الموسمية في منتصف يوليو.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضر85% من الأسر النازحة غير قادرة على تلبية احتياجاتها
وعلاوة على ذلك، يتأثر اللاجئون في اليمن بشكل حاد بانعدام الأمن الغذائي: إذ تشير التقارير إلى أن 85% من الأسر النازحة غير قادرة على تلبية احتياجاتها الغذائية اليومية.
وذكرت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن موسم الفيضانات أضاف إلى الوضع المتأزم بالفعل الذي يعيشه 4.5 مليون نازح يمني داخلياً ويصارعون أيضاً ارتفاع أسعار المواد الغذائية في جميع أنحاء البلاد.
بالإضافة إلى القرى والمجتمعات الزراعية الصغيرة في اليمن، لم تنج المدن الكبرى مثل صنعاء وعدن من تداعيات تغير المناخ.
وفي حين أن بعض التأثيرات (مثل الفيضانات) يمكن أن تكون فورية وواضحة، فإن تأثيرات أخرى (مثل الجفاف) قد تستغرق عقودًا من الزمن قبل أن تشعر المجتمعات بتأثيرها المدمر.
تشير التقارير، على سبيل المثال، إلى أن معدل استهلاك المياه في اليمن يتجاوز معدل تجديده: آبار المياه التي تزود صنعاء على وشك الجفاف.
بالإضافة إلى ذلك، تعد مدينة عدن الساحلية – العاصمة المؤقتة للبلاد – سادس أكثر مدينة معرضة لخطر ارتفاع مستويات سطح البحر في العالم.
يتسبب هذا الارتفاع في مستويات سطح البحر في تسرب المياه المالحة، مما يجعل طبقات المياه الجوفية الساحلية مالحة وغير صالحة للشرب.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضرمأساة تواجهها العديد من المجتمعات
قصة المخبية ليست مجرد حكاية قرية يمنية تختفي تدريجيا، بل إنها تعكس المأساة التي تواجهها العديد من المجتمعات التي تُركت لمواجهة التحديات الوجودية التي جلبها تغير المناخ.
فاليمن، التي طالما عُرفت باسم “اليمن السعيدة” بسبب خضرتها، تتعامل الآن مع عواقب ارتفاع درجة حرارة الكوكب بسرعة، وهي العملية التي لم تلعب فيها دورا كبيرا.
دور المنظمات المحلية
دور المنظمات المحلية وتعاونها مع الجهود العالمية أمر بالغ الأهمية لإنقاذ اليمنيين من شح المياه.
ففي عام 2023، على سبيل المثال، نجحت منظمة عبس التنموية في محافظة حجة في توفير مياه شرب آمنة وبأسعار معقولة لنحو 3885 شخصًا في مديرية عبس من خلال إنشاء محطة تنقية مياه تعمل بالطاقة الشمسية.
كما يتم تنفيذ عشرات المشاريع لإعادة تأهيل شبكات المياه في المناطق الساحلية الغربية من اليمن، بقيادة المجتمع المحلي وبتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية.
ولا تعمل مثل هذه التدخلات والتعاون على توفير المياه الآمنة للسكان فحسب، بل تهدف أيضًا إلى التخفيف من النزاعات المتعلقة بالمياه وتعزيز قدرة المجتمع المحلي على إدارة النزاعات.
ومع ذلك، فإن هذه المساعدات غير قادرة على تلبية الاحتياجات الملحة لليمن، ففي يوليو 2024، بلغ عدد منظمات الإغاثة النشطة في اليمن 113 منظمة.
وتعمل هذه المجموعات في مناطق مختلفة لتنفيذ مجموعة واسعة من خطط الاستجابة الإنسانية.
ومن بين هذه المنظمات، تعمل 31 منظمة في قطاع المياه والصرف الصحي، ومع ذلك، لم يتم تمويل سوى 29.4% من المبلغ المطلوب لهذه الخطط والبالغ 2.71 مليار دولار، مما يعني أن جميع منظمات الإغاثة العاملة في اليمن تقريبًا تواجه نقصًا حادًا في التمويل.
على سبيل المثال، يعاني قطاع المياه والصرف الصحي من عجز قدره 141.3 مليون دولار اعتبارًا من سبتمبر 2024.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضردور المنظمات الدولية والحكومة
معالجة أزمة المياه في اليمن تتطلب جهوداً محلية ودولية مشتركة.
ويتعين على الحكومة والمجتمعات المحلية والمنظمات الدولية أن تعمل معاً لتطوير وتنفيذ استراتيجيات للتكيف مع تغير المناخ، والاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، وإدارة موارد المياه على نحو مستدام.
وبالإضافة إلى ذلك، يتعين على المجتمع الدولي أن يقدم الدعم المالي والفني لليمن، لمساعدته على بناء القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المناخية.
ويبدأ هذا بزيادة التمويل لخطط الاستجابة الإنسانية في اليمن.
وبدون الموارد الكافية والحكم القوي، فإن الوضع الراهن سوف يسود أو -وهو الأرجح- سوف يزداد سوءاً.
وتشمل قائمة المشاكل المحتملة الناجمة عن ندرة المياه زيادة الصراعات على موارد المياه، وارتفاع تكاليف استخراج المياه وتوصيلها، وتفاقم الجفاف، وارتفاع مستويات سطح البحر.
ويجب أن تركز الجهود على تدريب المجتمعات المحلية على إدارة الموارد المائية وتحسين كفاءتها.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضرويمكن تحقيق ذلك من خلال إجراء تقييم شامل للموارد المائية ووضع خطط الإدارة المتكاملة، بالإضافة إلى تنفيذ تقنيات الري الحديثة، وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه، وتعزيز الزراعة المقاومة للجفاف.
وتشمل التدخلات الأطول أمداً والأكثر تكلفة تنويع مصادر المياه من خلال مشاريع حصاد مياه الأمطار، ومحطات تحلية مياه البحر، واستخدام مياه الصرف الصحي المعالجة.
وأخيراً، يجب أن تتضمن الخطط مكافحة التصحر، وتوسيع المساحات الخضراء، وتوعية المجتمع بأهمية الحفاظ على المياه وحماية البيئة.
نجاح إنقاذ اليمن من أزمة المياه الحالية والمستقبلية يعتمد بالدرجة الأولى على إنهاء الصراع المسلح الحالي، وتأمين الدعم المالي والفني من الدول المانحة والمنظمات الدولية لتنفيذ مشاريع المياه.
كما يمكن لليمن العمل على بناء شراكات مع دول أخرى تواجه قضايا مماثلة لتبادل الخبرات والتكنولوجيا، وزيادة مشاركة المجتمع لفهم المشاكل والأولويات بشكل أفضل وتبني الحلول الأكثر فعالية.
تغير المناخ يدمر اليمن الأخضر




