أخبارالسياحة

أكبر اكتشاف أثري منذ 30 عامًا أسفل برج لندن يعيد فتح ملف «الموت الأسود»

هياكل عظمية تحت كنيسة برج لندن تكشف أسرار الطاعون في القرن الـ14

تحت أحد أكثر المعالم السياحية زيارة في بريطانيا، يكشف شريط من الأرض المضطربة داخل برج لندن عن طبقات من الحياة والموت تعود إلى واحدة من أكثر الفترات ظلامًا في التاريخ الأوروبي.

الاكتشاف الأثري الجديد، الذي يُعد الأكبر في الموقع منذ ثلاثة عقود، لا يضيف مجرد هياكل عظمية إلى السجل الأثري، بل يفتح نافذة نادرة على كيفية تعامل المجتمع مع الأوبئة، والموت الجماعي، وإعادة البناء في قلب السلطة الملكية.

تنقيب اضطراري يكشف تاريخًا منسيًا

بدأت القصة مع أعمال تطوير تهدف إلى تحسين الوصول لذوي الإعاقة داخل كنيسة القديس بطرس في القيود (St Peter ad Vincula)، الواقعة داخل أسوار برج لندن.

لكن ما إن بدأ المهندسون العمل في الأرضيات حتى تدخل علماء الآثار، متوقعين العثور على بقايا أساسات قديمة أو قبور متفرقة، ليُفاجأوا باكتشاف رفات أكثر من 20 شخصًا مدفونين على مقربة شديدة من بعضهم البعض.

قاد أعمال البحث الدكتورة كاتي فاليِس، عالمة الأنثروبولوجيا الحيوية بجامعة كارديف، التي تعتمد في دراساتها على تتبع الآثار الكيميائية التي تتركها حياة الإنسان في العظام والأسنان.

قبور متقاربة تثير شبهة الطاعون

أحد أكثر ما لفت انتباه الباحثين هو وجود مجموعة قبور متلاصقة تعود، وفق التأريخ الأولي، إلى القرن الرابع عشر، وهي الفترة التي اجتاح فيها الطاعون الأسود إنجلترا وأودى بحياة ما يقرب من نصف السكان.

في مواقع أخرى مثل إيست سميثفيلد شرق لندن، نجح العلماء سابقًا في استخراج حمض نووي قديم لبكتيريا Yersinia pestis، المسبب الرئيسي للطاعون.

ويأمل الباحثون في تطبيق تحاليل مماثلة على رفات برج لندن، رغم القيود الأخلاقية والقانونية الصارمة المفروضة على المواقع المحمية.

عندما تروي الأسنان سيرة أصحابها

تعتمد الدراسة العلمية للهياكل العظمية على تحليل نظائر كيميائية محفوظة داخل مينا الأسنان، والتي تتشكل خلال الطفولة ولا تتغير لاحقًا.

تسمح هذه التحاليل بتحديد المناطق الجغرافية التي نشأ فيها الأفراد، من خلال قياس نظائر السترونشيوم المرتبطة بطبيعة الصخور المحلية، والأكسجين المرتبط بمياه الشرب.

النتائج لا تحدد قرية بعينها، لكنها تكشف ما إذا كان الشخص محليًا أو وافدًا، وهو عنصر حاسم لفهم طبيعة المجتمع الذي عاش داخل أسوار البرج.

العظام تسجل النظام الغذائي والمجاعات

أما كولاجين العظام، فيحمل سجلًا طويل الأمد للنظام الغذائي، ارتفاع نسب النيتروجين يشير عادة إلى استهلاك البروتين الحيواني أو الأسماك، لكنه قد يدل أيضًا على فترات مجاعة، حين يبدأ الجسم في إعادة تدوير أنسجته للبقاء على قيد الحياة.

لهذا السبب، يحرص الباحثون على الجمع بين التحليل الكيميائي، وحالة العظام، وأنماط الدفن، لتفسير النتائج ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي.

طقوس دفن غير مألوفة

بعض القبور الأقدم أظهرت عناية لافتة، شملت استخدام توابيت ووجود متعلقات جنائزية، كما عُثر على بقايا كفن نسيجي، وهو اكتشاف نادر نظرًا لتحلل الأنسجة سريعًا في التربة الرطبة.

الأكثر غرابة كان وجود إناءين من الفحم في أحد القبور، وهو تقليد جنائزي لم يُسجل سوى مرة واحدة من قبل في إنجلترا، ما يفتح باب التساؤلات حول الطقوس المحلية أو المكانة الاجتماعية للمدفون.

طبقات احتراق تكشف دمارًا قديمًا

لم تقتصر الاكتشافات على القبور، فقد عثر الفريق على طبقات كثيفة من الرماد وبقايا احتراق، تشير إلى حريق كبير التهم كنيسة سابقة داخل البرج.

وتتطابق هذه الأدلة مع السجلات التاريخية التي توثق حريق عام 1512، والذي دمّر كنيسة شُيّدت في عهد الملك إدوارد الأول، قبل أن يُعاد بناؤها في العقد التالي.

أرضيات أقدم مما كان يُعتقد

أسفل طبقات الحريق، ظهرت أرضية مضغوطة من حجر ريغيت، يُرجح أنها تعود إلى إعادة بناء أمر بها الملك هنري الثالث في أربعينيات القرن الثالث عشر.

كما كُشف عن جدار قد يكون جزءًا من كنيسة أقدم تعود للقرن الثاني عشر، في عهد هنري الأول، وهو ما يعيد رسم التسلسل الزمني لتطور الفضاء الديني داخل البرج.

موقع محمي وحدود البحث

يخضع برج لندن لقوانين صارمة بصفته موقعًا أثريًا محميًا، ما يفرض قيودًا على حجم التنقيب ونوعية العينات التي يمكن تحليلها.

ورغم ذلك، ترى الدكتورة جين سيديل من هيئة التراث الإنجليزي أن هذه الأعمال “تمنحنا فهمًا غير مسبوق لحياة سكان البرج، ليس كرمز للسلطة فقط، بل كمكان عاش فيه أناس عاديون وماتوا في ظروف استثنائية”.

قصة مفتوحة على أسئلة بلا إجابات

قد تكشف التحاليل المستقبلية عن أصول المدفونين وأسباب وفاتهم، لكن بعض الأسئلة ستظل بلا إجابة، ومع ذلك، فإن ما ظهر حتى الآن يربط بين الحياة اليومية، والموت الجماعي، وإعادة البناء في سردية واحدة، مطمورة لقرون تحت أرض كنيسة يمر بها الزوار اليوم دون أن يدركوا ما تخفيه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading