المناطق المحمية في خطر.. تغير المناخ يعيد تشكيل أولويات الحفظ البيئي
علماء يحذرون: المناطق المحمية مهددة بالفشل دون تخطيط "ذكي مناخيًا"
يحذّر العلماء من أن تغير المناخ يهدد فعالية المناطق المحمية في الحفاظ على الحياة البرية وخدمات النظم البيئية وسبل العيش، مما يستدعي دمج نهج “ذكي مناخيًا” في تخطيط المناطق المحمية الجديدة والقائمة.
تشمل الأساليب الأساسية لبناء شبكة من المناطق المحمية الذكية مناخيًا: حماية الملاذات المناخية، وتعزيز الترابط بين المواطن البيئية، وتحديد الموائل المستقبلية للأنواع، والمناطق التي تدعم التكيف الطبيعي. وتعتمد هذه الاستراتيجيات على نماذج مكانية قائمة على العلم وتقييمات منهجية للأولويات.
تُعدّ المناطق المحمية، كالمتنزهات الوطنية والمحميات الطبيعية وأراضي الشعوب الأصلية، ركيزة أساسية للحفاظ على التنوع البيولوجي. لكن فعاليتها تتعرض لخطر متزايد نتيجة تغير المناخ.
وفي الوقت الذي تسعى فيه دول كثيرة لتحقيق الهدف العالمي المتمثل في حماية 30% من الأراضي والمياه بحلول عام 2030 – المعروف باسم “هدف 30×30″، وهو أحد محاور الإطار العالمي للتنوع البيولوجي “كونمينج–مونتريال” – يدعو العلماء إلى إدماج النهج الذكي مناخيًا في تخطيط تلك المناطق.

تقول كريستين بوينافي، الباحثة في مركز التنوع البيولوجي وعلوم الحفظ بجامعة كوينزلاند في أستراليا، والمؤلفة الرئيسية لدراسة نُشرت في مجلة Nature Reviews Biodiversity: “نعلم أن تغير المناخ يؤثر على التنوع البيولوجي، من خلال تغيرات في نطاقات التوزيع، وانقراضات محلية، وإعادة هيكلة المجتمعات الإحيائية، إلا أن تصميم المناطق المحمية لا يأخذ هذه التأثيرات عادةً في الاعتبار بشكل صريح”.
وتحذر بوينافي من أن جهود الحفاظ على البيئة قد تذهب سُدى إذا ركزت على مناطق لن تبقى ملائمة للأنواع في المستقبل، بسبب تغير المناخ.
وأضافت: “لقد بلغنا لحظة حاسمة، علينا أن نحدد بدقة مواقع المناطق المحمية الجديدة، ونتأكد من أنها قادرة على التكيف مع تغير المناخ”.

بريتاني ترو، زميلة ما بعد الدكتوراه بجامعة هارفارد، والمؤلفة الرئيسية لدراسة نُشرت العام الماضي في مجلة Conservation Letters، تتفق مع هذا الطرح.
فقد وجدت دراستها أن العديد من المناطق ذات القيمة العالية للحفاظ على الغابات الاستوائية، تشهد بالفعل درجات حرارة غير مسبوقة.
وكتبت ترو: “تشير أبحاثنا إلى أن قرابة ثلثي مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية في الغابات الاستوائية تواجه تغيرات مناخية ملموسة، بما في ذلك المتنزهات الوطنية العالمية، ومحميات الشعوب الأصلية، والمناطق البيئية الشاسعة غير المجزأة”.
وأضافت: “عند اختيار مواقع جديدة للمحميات، ينبغي أخذ تأثيرات تغير المناخ المستمرة بعين الاعتبار في تقييمات تحديد الأولويات”.

نحو خطة للحفظ البيئي الذكي مناخيًا
حددت دراسة ترو مجموعة من “الملاذات المناخية” – وهي مناطق لا تزال أقل تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة – يجب منحها أولوية في الحماية.
وتوجد هذه المناطق بشكل غير متساوٍ حول العالم؛ ففي آسيا وأوقيانوسيا، تتركز في بابوا غينيا الجديدة وسواحل إندونيسيا وشمال أستراليا.
وفي أمريكا اللاتينية، تشمل غابات يونغاس البيروفية، ويوكاتان المكسيكية، ودرع غيانا، والغابات الأطلسية البرازيلية. أما في أفريقيا، فتقلّ هذه المناطق، وتتمثل غالبًا في غرب حوض الكونغو، وجنوب غرب الكاميرون، وساحل خليج غينيا.
قالت ترو: “يستلزم الحفظ الذكي مناخيًا تحديد هذه الملاذات وتأمينها، سواء عبر الحماية القانونية، أو برامج الكربون، أو بتمكين المجتمعات الأصلية”.
وأضافت: “كما يتطلب الأمر تحسين الترابط بين المواطن البيئية لتيسير حركة الأنواع، والاهتمام بالمنحدرات المرتفعة، وضمان استجابة استراتيجيات الإدارة للتغيرات في التنوع البيولوجي”.
وشددت على أن الحماية لا تقتصر على إنشاء محميات جديدة، بل تشمل أيضًا “تكييف المحميات القائمة” لتكون أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ.
من جانبها، تؤكد بوينافي أن حماية الملاذات المناخية، وتعزيز ممرات التواصل، والحفاظ على موائل الأنواع المستقبلية، هي مكونات رئيسية لأي شبكة من المحميات الذكية مناخيًا.
وتستند هذه المناهج إلى نماذج علمية تتوقع تغير أنماط توزيع الأنواع مع ارتفاع درجات الحرارة، وتحدد مواقع الملاذات، وحيث ينبغي توسيع الممرات البيئية، والمناطق المناسبة لتعزيز التكيف الطبيعي.
وأكدت بوينافي على ضرورة تنويع الأساليب لتناسب كل نوع ونظام بيئي، قائلة: “البداية المثلى تكون بحماية المحميات المناخية داخل المناطق الأكبر، إضافة إلى إنشاء مناطق أصغر تسهّل التواصل المناخي بين هذه المناطق”.
وأشارت إلى أن التخطيط الذكي مناخيًا لا يُعد مجرد استراتيجية تكيف، بل يُسهم أيضًا في التخفيف من تغير المناخ عبر الحفاظ على النظم البيئية التي تمتص الكربون.

تحويل العلم إلى عمل ميداني
بدأت بعض المبادرات في تطبيق هذه الأفكار عمليًا. ففي عام 2023، أُطلقت مبادرة CAPA بقيادة المعهد الدولي للتنمية المستدامة (IISD)، بالتعاون مع منظمات بيئية كبرى، لدعم تدابير التكيف داخل المناطق المحمية في أفريقيا وفيجي وبليز.
قالت سوزان سيكيريمي، المستشارة البارزة في المعهد والمشرفة على المشروع: “من الواضح أن تغير المناخ – خصوصًا الجفاف، والفيضانات، وارتفاع الحرارة، والعواصف – يؤثر بشدة على النظم البيئية والمجتمعات المعتمدة عليها”.
وأضافت: “استنادًا إلى تقييم شامل لمخاطر المناخ، نعمل مع شركائنا من الجهات البيئية والمجتمعات المحلية والسلطات على تصميم وتنفيذ حلول قائمة على الطبيعة”.
وفي منتزه الملكة إليزابيث الوطني بأوغندا، أزال الفريق 200 هكتار من الشجيرات الغازية لتحسين وصول الحياة البرية إلى مصادر المياه والغذاء. أما في جبال روينزوري، فقد استُعيدت 400 هكتار من الغابات المحروقة للحد من الفيضانات. كما شملت الجهود تثبيت البحيرات الطبيعية، وإعادة إدخال أنواع برية مهددة لدعم صحة النظام البيئي.
وكشف تقييم المخاطر الذي أجرته CAPA عن ضعف تمثيل بعض الفئات في إدارة المناخ، مثل الشعوب الأصلية والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة، رغم كونهم من أكثر المتأثرين. وتسعى المبادرة لضمان مشاركتهم الفعالة في جهود الحفظ.
ومن المتوقع أن تختتم CAPA أعمالها في عام 2026. وقالت سيكيريمي: “نأمل أن نرى تكاملًا أفضل بين التكيف والمناخ في إدارة المحميات، وأن تُعزَّز مشاركة الفئات غير الممثلة في صياغة وتنفيذ الحلول البيئية”.
وفي مشروع آخر، نفّذ برنامج الأمم المتحدة للبيئة مشروع PARCC في غرب أفريقيا، الذي أرسى بين 2011 و2016 أساسًا علميًا لتقييم أثر المناخ على المناطق المحمية، وبناء قدرات صناع القرار لدمج هذه المعرفة في السياسات الوطنية.
وقالت إليز بيل، مديرة المشروع: “لكي تؤدي المناطق المحمية دورًا فعّالًا في مواجهة تغير المناخ، لا بد من ربطها ببعضها البعض، وتوفير إدارة فعالة، ودمجها في السياسات المناخية، كاتفاقية باريس”.
ووفقًا لفصل من كتاب شاركت فيه عام 2023، فإن أكثر من ثلث الدول قد أدرجت المناطق المحمية في مساهماتها المحددة وطنيًا لخفض الانبعاثات والتكيف مع المناخ.

نحو خطوات أقوى وأكثر شمولًا
قالت سيكيريمي إن نجاح استراتيجيات التكيف على المدى الطويل يتطلب دمج حلول عاجلة تلبي احتياجات السكان المحليين، لا سيما في مناطق تعاني شحًا في المياه والغذاء.
وكتبت: “معالجة هذه الاحتياجات – عبر شراكات استراتيجية، وتكامل جهود الإغاثة البيئية – أمر جوهري لضمان استدامة الحلول الطبيعية على المدى البعيد”.
وشددت بوينافي على أهمية التعاون الإقليمي، والمشاورات الشفافة مع كل الأطراف المعنية، بما في ذلك الشعوب الأصلية، والقطاعات الاقتصادية ذات الصلة، والخبراء من تخصصات متنوعة، والممارسين في الميدان.
كما أشار بحثها إلى قصور واضح في تمثيل الموارد المائية والبحرية في التخطيط الذكي مناخيًا، إلى جانب ضعف البيانات من دول الجنوب العالمي.

وكتبت بوينافي: “نحتاج إلى تطوير مناهج قابلة للتكرار وقابلة للتطبيق حتى في المناطق الفقيرة بالبيانات، مما يعزز فرص التوسع في اعتمادها عالميًا”.
واختتم دانييل دون، المدير المشارك للدراسة، بالقول: “إذا لم ندمج الاعتبارات المناخية في تطبيق هدف 30×30 خلال الأعوام الخمسة المقبلة، فإننا ببساطة نمارس إدارة قائمة على الأمل… لا على التخطيط الواقعي من أجل مستقبل أجيالنا القادمة”.





