احتياطيات ضخمة من المعادن النادرة قد تقلل اعتماد أمريكا الشمالية على الصين

35 مليون طن من العناصر الأرضية النادرة في أمريكا الشمالية تكفي لتأمين الإمدادات المستقبلية

كشفت دراسة علمية حديثة أن أمريكا الشمالية تمتلك احتياطيات ضخمة من العناصر الأرضية النادرة تكفي لتلبية احتياجاتها لعقود مقبلة، ما يفتح الباب أمام تقليل الاعتماد على الواردات الخارجية وتعزيز سلاسل التوريد الخاصة بالصناعات الاستراتيجية والطاقة النظيفة.

وتُعد العناصر الأرضية النادرة من المواد الأساسية في العديد من التقنيات الحديثة، إذ تدخل في تصنيع الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والشاشات المسطحة والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة المتجددة.

كما يُستخدم نحو نصف الإنتاج العالمي من هذه العناصر في تصنيع المغناطيسات عالية الأداء التي تدخل في محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والطائرات العسكرية وأنظمة الدفاع المتقدمة.

ومن المتوقع أن يستمر الطلب العالمي على هذه المغناطيسات في الارتفاع خلال العقود المقبلة، مع توسع الاعتماد على الطاقة المتجددة وتقنيات النقل الكهربائي.

وأجرى الدراسة باحثون من University of Michigan، حيث قاموا بتحليل 28 موقعًا غنيًا بالعناصر الأرضية النادرة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا، سبق أن خضعت لأعمال حفر واستكشاف تسمح بتقدير احتياطياتها المعدنية.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Resources, Conservation & Recycling العلمية.

المعادن النادرة

35 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة

وأظهرت النتائج، أن هذه المواقع تحتوي مجتمعة على نحو 35 مليون طن من أكاسيد العناصر الأرضية النادرة، وهو ما يعادل نحو 90 ضعف الإنتاج العالمي السنوي الحالي.

وأشار الباحثون إلى أن المشكلة الرئيسية لا تكمن في نقص الكميات المتاحة، بل في جودة الخامات وإمكانية استخراجها اقتصاديًا.

وقال البروفيسور Stephen Kesler من قسم علوم الأرض والبيئة بجامعة ميشيغان إن الدراسة تهدف إلى توفير إطار علمي يساعد في تقييم الرواسب المختلفة بصورة أكثر منهجية، وتجنب التركيز المفرط على مواقع قد لا تكون قادرة على المنافسة اقتصاديًا على المدى الطويل.

وأوضح أن معظم الرواسب الموجودة في أمريكا الشمالية أقل جودة من بعض المناجم العاملة حاليًا في الصين وأستراليا، باستثناء منجم Mountain Pass Mine في ولاية كاليفورنيا، لكنه أكد أن هذا لا يعني استحالة تطويرها أو تشغيلها اقتصاديًا.

وأضاف أن الفجوة في الجودة ليست كبيرة بما يمنع إقامة سلسلة توريد محلية، خاصة إذا حظيت المشروعات بدعم حكومي محدود واستمرت أسعار المعادن النادرة عند مستويات مرتفعة.

واعتمد الباحثون في تقييم الرواسب على ثلاثة معايير رئيسية تشمل حجم الاحتياطي وتركيز العناصر الأرضية النادرة في الخام وإجمالي كمية الأكاسيد الموجودة في كل موقع.

المعادن الأرضية النادرة

كما أشاروا إلى أن بعض الرواسب تحتوي على معادن إضافية ذات قيمة اقتصادية مثل النيوبيوم والسكانديوم والتيتانيوم والزركونيوم، ما قد يحسن الجدوى الاقتصادية للمشروعات التعدينية.

وفي المقابل، قد تواجه بعض المواقع تحديات إضافية بسبب احتوائها على عنصر الثوريوم المشع، الذي يتطلب إجراءات خاصة ومكلفة للتعامل معه والتخلص الآمن من نفاياته.

وتنقسم العناصر الأرضية النادرة إلى مجموعتين رئيسيتين: العناصر الخفيفة والعناصر الثقيلة.

وتُستخدم العناصر الخفيفة على نطاق واسع في تصنيع المغناطيسات الدائمة، بينما تتميز العناصر الثقيلة بقدرتها على تحسين أداء هذه المغناطيسات في درجات الحرارة المرتفعة، ما يجعلها ذات أهمية خاصة للصناعات المتقدمة.

وأظهرت الدراسة، أن معظم الرواسب الأمريكية غنية بالعناصر الأرضية النادرة الخفيفة، في حين تتركز الرواسب الغنية بالعناصر الثقيلة في كندا.

ويرى الباحثون أن هذا التوزيع يوفر فرصة لبناء نموذج تعاون إقليمي بين الولايات المتحدة وكندا لتأمين احتياجات القارة من مختلف أنواع العناصر الأرضية النادرة.

المعادن النادرة

وأشارت الدراسة إلى أن موقعي Strange Lake وNechalacho في كندا يمتلكان إمكانات كبيرة لتلبية جزء مهم من الطلب المستقبلي على العناصر الثقيلة حتى عام 2040.

كما لفت الباحثون إلى أن بعض الرواسب الرملية الساحلية على الساحل الأطلسي قد تمثل مصدرًا سريعًا للعناصر الأرضية النادرة، حيث تُستخرج منها حاليًا معادن مثل التيتانيوم والزركونيوم، ويمكن استعادة العناصر النادرة كمنتجات ثانوية دون الحاجة إلى تطوير مناجم جديدة بالكامل.

وأكد الفريق البحثي أن بناء سلسلة توريد متكاملة لا يقتصر على استخراج الخام فقط، بل يتطلب أيضًا إنشاء قدرات محلية لمعالجة وفصل العناصر النادرة.

فعلى مدى عقود طويلة كانت كميات كبيرة من الخام المستخرج في الولايات المتحدة تُرسل إلى الصين لإجراء عمليات الفصل والمعالجة المتقدمة قبل استخدامها في الصناعات المختلفة.

وقال البروفيسور Gregory Keoleian إن العناصر الأرضية النادرة تُصنف ضمن المعادن الحرجة بسبب أهميتها الكبيرة في التطبيقات الصناعية والتكنولوجية والدفاعية، فضلًا عن دورها المحوري في التحول نحو الطاقة النظيفة.

وأضاف أن أي اضطراب في سلاسل الإمداد قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة النطاق، ما يعزز الحاجة إلى تطوير مصادر إقليمية مستقرة لهذه المواد.

وأشار الباحثون إلى أن نجاح هذه الاستراتيجية يتطلب قدرًا من الدعم الحكومي والتنظيمي لتجنب تقلبات الأسعار الحادة التي قد تؤدي إلى زيادة الإنتاج بصورة مفرطة ثم انهيار السوق وخروج المنتجين من المنافسة.

وخلصت الدراسة إلى أن أمريكا الشمالية تمتلك الموارد اللازمة لبناء صناعة قوية للعناصر الأرضية النادرة، وأن التعاون بين الولايات المتحدة وكندا قد يوفر أساسًا مستدامًا لتلبية الطلب المتزايد على هذه المعادن الحيوية خلال العقود المقبلة.

Exit mobile version