ثورة في التدوير.. طريقة جديدة تستخرج المعادن الأرضية النادرة بدون مذيبات سامة
مسحوق الكبريت يحل محل 100 خطوة كيميائية.. كيف تسحب سويسرا المعادن الثمينة من القمامة؟
في ظل تكدّس الهواتف القديمة والمصابيح الفلورية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية في جميع أنحاء العالم، يغيب عن الأذهان أن كثيرًا منها يحتوي على كميات صغيرة لكن ثمينة من المعادن الأرضية النادرة، مثل اليوروبيوم.
ووفقًا لبيانات الاتحاد الأوروبي، فإن أقل من 1% فقط من هذه المعادن يُعاد تدويرها سنويًا.
في المقابل، تهيمن الصين على نحو 90% من عمليات تكرير المعادن الأرضية النادرة عالميًا، مما يمنحها نفوذًا كبيرًا على سلاسل التوريد في قطاع الطاقة النظيفة.
لكن دراسة جديدة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich) قد تغيّر هذه المعادلة؛ إذ كشفت عن طريقة سريعة وفعالة لاستخراج معدن اليوروبيوم من النفايات الإلكترونية، باستخدام مركّب بسيط يحتوي على الكبريت.

اختراق علمي من المختبر إلى السوق
صاحبة الفكرة هي ماري بيرين، الكيميائية الباحثة في مرحلة الدكتوراه، والتي طوّرت تفاعلًا كيميائيًا يُغني عن أكثر من مئة خطوة استخلاص تقليدية، ليتم الاستخلاص في تفاعل واحد فقط.
ووفقًا لفكتور موجل، أستاذ الكيمياء غير العضوية في المعهد، فإن ندرة تدوير المعادن النادرة في أوروبا دفع فريقه للبحث عن حل يُنفَّذ في مختبر عادي، دون الحاجة إلى مصنع كيميائي معقد.
وتحتوي المصابيح القديمة في سويسرا على مسحوق فسفوري غني بالمعادن الأرضية النادرة، بنسبة تصل إلى 17 ضعفًا مقارنة بأغنى الخامات الطبيعية.
وقد أثبت الفريق إمكانية استخراج اليوروبيوم منها بكفاءة عالية دون الحاجة إلى تسخين أو استخدام أحماض ملوثة.
بودرة صفراء من الكبريت والتنغستن
السر يكمن في مسحوق أصفر يتكوّن من الكبريت والتنغستن، يعمل كمغناطيس للمعادن.
إذ يقوم بإحداث تغيير طفيف في الشحنة الكهربائية لعنصر اليوروبيوم، ما يؤدي إلى ترسيبه على شكل بوليمر صلب يمكن جمعه بالترشيح خلال دقائق.
تقول بيرين: “نحصل على كميات من اليوروبيوم أكبر بخمسين مرة من الطرق التقليدية، وبدون الحاجة إلى إضاءة فوق بنفسجية، فقط ضوء الغرفة أو حرارة خفيفة”.

ثورة على الطرق التقليدية
الطريقة الجديدة تتجاوز سلاسل الاستخلاص الطويلة التي تتطلب أكثر من 100 مرحلة باستخدام الأحماض والكيروسين والكهرباء.
بل إن التفاعل الكيميائي في زيورخ يستخلص اليوروبيوم بكفاءة تفوق ألف مرة مقارنة بمعادن مماثلة مثل الإيتريوم.
وبفضل سهولة التفاعل وقابليته لإعادة الاستخدام، فإن كمية الانبعاثات الناتجة عن العملية تنخفض بنسبة تتجاوز 80% مقارنة بتعدين الخام.
من النفايات إلى كنز محلي
تقوم أوروبا بإلقاء ملايين المصابيح الموفّرة سنويًا، رغم احتوائها على الفسفورات النادرة.
وفي سويسرا وحدها، تكفي هذه النفايات لتلبية كامل الطلب المحلي على اليوروبيوم إذا أُعيد تدويرها محليًا.
هذا من شأنه تقليل التبعية للصين وتخفيف المخاطر الجيوسياسية.

الخطوة التالية: المغناطيسات والمعادن الأثمن
أطلق الباحثون شركة ناشئة باسم REEcover لتطوير وحدات تدوير صغيرة للمصابيح القديمة، ويخططون لتوسيع التقنية لاحقًا إلى مغناطيسات تحتوي على عناصر مثل النيوديميوم والديسبروسيوم.
ويبدو أن النجاح الأولي شجّع المستثمرين، حيث تُجرى حاليًا ترتيبات لجمع تمويل أولي فور تسجيل براءات الاختراع.

اقتصاد دائري حقيقي
بعد استخراج اليوروبيوم، يُذاب لفترة قصيرة في الماء ويُعاد إلى شكله المؤكسد المناسب لإعادة التصنيع، بينما يُعاد استخدام المركّب الكبريتي الأصفر عشرات المرات دون فقد فعاليته.
هذه الطريقة الذكية والمستدامة تمثل نموذجًا مبكرًا لما يمكن أن يكون عليه التدوير الحقيقي في المستقبل: سريع، منخفض الانبعاثات، ومربح.





