المأكولات البحرية البديلة: أمل جديد لإنقاذ محيطات العالم

علماء يحذرون: الصيد الجائر يهدد الحياة البحرية.. والحل في الأسماك المزروعة

من المختبر إلى المائدة: ثورة المأكولات البحرية البديلة تبدأ الآن

تبرز المأكولات البحرية البديلة كحلٍّ حيوي في جهود حماية النظم البيئية البحرية.

ومع تزايد الضغوط الناجمة عن الصيد الجائر والتلوث وتغير المناخ، يستكشف العلماء وصانعو السياسات سُبلًا جديدة لتخفيف الضغط الواقع على المحيط.

وفي حين لا تزال العديد من الألغاز البحرية قائمة، هناك قضية واحدة باتت جلية: ممارسات الصيد التقليدية تدفع المحيط نحو الانهيار البيئي.

التأثير العالمي للصيد الجائر

يشير الباحثون إلى أن نحو 90% من مصائد الأسماك البحرية اليوم إما مُستغلة بالكامل أو تتعرض للصيد الجائر.

علاوة على ذلك، يُسهم التلوث وتدهور الموائل في محو التنوع البيولوجي في المحيطات والأنهار والسواحل.

وأظهرت دراسة أجريت عام 2018 أن عمليات الصيد التجاري تغطي الآن أكثر من 55% من سطح المحيط، أي ما يعادل أربعة أضعاف مساحة الأرض المستخدمة للزراعة.

وتؤثر هذه الأزمة على البشر والحياة البحرية على حد سواء، إذ يعتمد نحو 3 مليارات شخص على المحيط في غذائهم ووظائفهم.

الصيد الجائر في سواحل غرب إفريقيا

ومع توقع وصول عدد السكان إلى 10 مليارات نسمة بحلول عام 2050، يتزايد الطلب على المأكولات البحرية بوتيرة أسرع بمرتين من النمو السكاني.

لكن مصائد الأسماك البرية لا تستطيع فعل المزيد، فحتى في ظل إدارة مثالية، هناك حد أقصى لكمية الأسماك التي يمكن اصطيادها سنويًا.

ويشير الباحثون إلى أن الحد من عبء الصيد الجائر ممكن عبر تحسين إدارة المصايد، من خلال وضع حدود واضحة لكمية الصيد، وتحديد الأماكن والأوقات المناسبة للصيد، وتنظيم الأساليب المستخدمة.

ورغم ذلك، هناك سبيل آخر لا يحظى بنفس القدر من الاهتمام.

المأكولات البحرية البديلة كحل مستدام

أصبحت المأكولات البحرية البديلة – مثل الأسماك النباتية أو التونة المزروعة في المختبر- أداة قوية لتلبية الطلب دون استنزاف المحيط.

تساعد هذه المنتجات في تغيير اختيارات المستهلكين بعيدًا عن الأسماك البرية والمأكولات التي تُربى في مزارع أسماك تستهلك موارد ضخمة وتؤثر على البيئة.

ويؤكد الباحثون أن هذه البدائل تمتلك إمكانات هائلة لإطعام عدد متزايد من السكان دون الإضرار بصناعة الصيد التقليدية، مما يُقلل الضرر الذي يلحق بالمحيطات.

الصيد الجائر

إعادة تشكيل صناعة المأكولات البحرية

لا يتأثر صيد الأسماك بتغير المناخ فقط، بل يُسهم فيه كذلك. فالسفن التي تستهلك كميات كبيرة من الوقود، وإنتاج الأعلاف المخصصة للأحياء المائية، كلها مصادر لانبعاثات الغازات الدفيئة.

وفي المقابل، يؤدي ارتفاع درجات حرارة المحيطات إلى دفع الأسماك نحو القطبين، مما يُفرغ المناطق الاستوائية تدريجيًا من الثروة السمكية.

وقد تُسجل بعض المناطق انخفاضًا في إمكانات الصيد بنسبة تصل إلى 40% بحلول عام 2050.

ويُفاقم الأمر خطر التسمم الغذائي، إذ يُؤدي دفء المياه إلى زيادة انتشار بكتيريا “الضمة”، التي قد تكون قاتلة في بعض الأحيان. ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا.

تشير الأبحاث إلى أن المأكولات البحرية النباتية والمزروعة – خاصة عند إنتاجها باستخدام مصادر طاقة متجددة – توفر خيارًا أكثر قدرة على التكيف مع التغيرات المناخية.

تنويع إمدادات المأكولات البحرية

تسلط ورقة بحثية حديثة بعنوان “بناء زخم السياسة المناخية للمأكولات البحرية البديلة” الضوء على الفوائد البيئية المحتملة لتنويع مصادر المأكولات البحرية.

وتُعد الطاقة المتجددة شرطًا أساسيًا لتحقيق الفوائد المناخية المرجوة من هذه اللحوم المزروعة، إذ تُظهر تقييمات دورة الحياة أن انبعاثات اللحوم المنتجة بهذه الطريقة تكون ضمن أدنى مستويات الانبعاث مقارنة بتربية الأحياء المائية أو صيد الأسماك البري.

وعلاوة على ذلك، من المتوقع أن تتطلب المأكولات البحرية المزروعة طاقة أقل من نظيرتها في اللحوم الحمراء والدواجن، نظرًا لإمكانية إنتاجها في درجات حرارة أقل.

المأكولات البحرية وفقدان التنوع البيولوجي

لا تقتصر أهمية المحيط على كونه مصدرًا للغذاء البحري، بل يؤدي دورًا محوريًا في تنظيم المناخ، وتوليد الأكسجين، ودعم النظم البيئية العالمية.

ورغم ذلك، يشهد التنوع البيولوجي البحري تراجعًا ملحوظًا.

فقد كشف تقرير صادر عام 2019 أن النشاط البشري غيّر بشكل كبير ثلثي المناطق البحرية في العالم، مقارنة بنسبة 40% فقط قبل عقد.

ويُعزى هذا الانحدار إلى عوامل عديدة، أبرزها التلوث، والصيد الجائر، وتغير المناخ، وتحمض المحيطات.

الصيد الجائر

وتُسهم أيضًا بعض مزارع الأسماك- إذا أُديرت بشكل سيئ -في تدمير الموائل الساحلية وتعطيل النظم البيئية.

وفي ظل هذه التحديات، تزداد أهمية البروتينات البحرية البديلة، والتي يمكن أن تخفف الضغط على الأنواع البرية.

ويُظهر الكتاب الأبيض “الأغذية الزرقاء الجديدة للتنوع البيولوجي” كيف تساعد هذه البدائل على تقليص الصيد العرضي، وتمنح الكائنات البحرية فرصة للتكاثر والتعافي، كما تُقلل من تلف الموائل البحرية، ولا تُزعج قاع المحيط، وتُقلل من استخدام المضادات الحيوية.

ارتفاع تكلفة شعبية التونة

تُعد التونة من أكثر أنواع المأكولات البحرية استهلاكًا حول العالم، خاصة في الولايات المتحدة، حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد الروبيان.

ويستهلك الأمريكيون نحو مليار رطل من التونة سنويًا، بينما يُحصد عالميًا أكثر من 7 ملايين طن متري من التونة والأنواع المماثلة.

لكن هذا الطلب المرتفع يترك أثرًا بيئيًا خطيرًا، إذ صُنّفت سبعة من أصل 61 نوعًا معروفًا من أسماك التونة على أنها مهددة بالانقراض في عام 2011.

أسماك التونة

كما يؤثر صيد التونة سلبًا على الحياة البحرية الأخرى، مثل السلاحف وأسماك القرش، التي تُصطاد عرضيًا في المناطق ذاتها.
ولحسن الحظ، باتت الابتكارات الغذائية تواكب هذه التحديات.

إذ تعمل شركات عدة حاليًا على تطوير بدائل للتونة خالية تمامًا من الأسماك.

شركات المأكولات البحرية البديلة

في شيكاغو، جمعت شركة “أكوا كالتشرد فودز” تمويلًا قدره 5.5 مليون دولار أمريكي لتوسيع إنتاجها من المأكولات البحرية المُصنّعة من الفطريات.

وتُنتج الشركة باستخدام تقنية تخمير خاصة قطعًا كاملة العضلات من الإسكالوب والروبيان والتونة، وتُعد هذه المنتجات خالية من مسببات الحساسية وأكثر استدامة.

وفي كندا، حصلت شركة “كونشيس فودز” على استثمار بقيمة 5 ملايين دولار من برنامج “باسيفيك كان”، مما سيساعدها في زيادة الإنتاج والتصدير، وتوفير أكثر من 40 فرصة عمل جديدة في كولومبيا البريطانية.

وتُنتج الشركة وجبات سوشي مجمدة، من بينها لفائف تونة وأفوكادو مصنوعة من مكونات كندية مثل الكينوا والجزر والطماطم، كما تطوّر منتجات جديدة كالسلمون المدخن النباتي وكعكات السلطعون والروبيان.

وفي النمسا، تعاونت شركة BettaF!sh مع سلسلة متاجر BILLA AG لإطلاق ساندويتش TU-NAH النباتي، الذي يُباع الآن في متاجر BILLA وBILLA PLUS في أوروبا.

المأكولات البحرية البديلة كفرصة عالمية

في مقالة بصحيفة نيويورك تايمز، كُتب: “إذا لم تجد طعامًا بحريًا جيدًا، فقد يكون من الأفضل طهي طعام آخر”.

ولكن مع توفر المأكولات البحرية البديلة، لم يعد “الطعام الآخر” يعني التخلي عن المذاق أو القيمة الغذائية.

ومن خلال توسيع نطاق إنتاج الأسماك النباتية والمزروعة، يمكن إطعام سكان العالم المتزايدين دون الدفع بالنظم البيئية البحرية نحو حافة الانهيار.

وكما يُجمع الباحثون: “إن بناء نظام غذائي أفضل يتطلب حلولًا متنوعة”.

المأكولات البحرية البديلة ليست مجرد بديل… إنها مستقبل الغذاء المستدام.

ولتوسيع هذه الصناعة، نحتاج إلى مبتكرين شجعان ومناصرين ملتزمين – في مجالات المناخ والتنوع البيولوجي والصحة العامة والأمن الغذائي – مستعدين لجعلها أولوية عالمية.. في انتظارنا بحر من الفرص.

Exit mobile version