أخبارالاقتصاد الأخضر

القوة الناعمة في الملاعب.. الوجه الآخر لاقتصاد كأس العالم

استثمارات بمليارات الدولارات.. من الرابح الحقيقي في استضافة المونديال؟

مع اتساع نفوذ كرة القدم عالميًا، لم يعد كأس العالم مجرد بطولة رياضية، بل تحول إلى أداة استراتيجية متعددة الأبعاد، تستخدمها الدول لتعزيز النمو الاقتصادي، وترسيخ حضورها الدولي، وبناء قوتها الناعمة. غير أن التجارب المتعاقبة تكشف عن واقع أكثر تعقيدًا، تتباين فيه النتائج بين تحقيق مكاسب تنموية ملموسة، أو تكريس أعباء مالية طويلة الأمد فيما يُعرف بظاهرة “الفيلة البيضاء”.

تأثيرات غير متكافئة بين الدول

تُظهر مراجعة تجارب آخر خمس نسخ من كأس العالم – من ألمانيا 2006 إلى قطر 2022 – أن التأثير الاقتصادي للبطولة ليس نمطًا ثابتًا، بل يتشكل وفق طبيعة الاقتصاد المضيف، ومستوى جاهزية بنيته التحتية، ومدى قدرته على توظيف الحدث ضمن رؤية تنموية متكاملة.

في ألمانيا، جاء الأثر الاقتصادي محدودًا نسبيًا، حيث لم يتجاوز 0.13% من الناتج المحلي، رغم تحقيق عوائد في قطاعات السياحة والخدمات. إلا أن المكسب الحقيقي تمثل في تحسين الصورة الذهنية للدولة عالميًا، عبر استثمار منظم في القوة الناعمة، حوّل البلاد إلى “مهرجان مفتوح” عزز جاذبيتها الدولية.

أما جنوب أفريقيا، فقد قدمت نموذجًا مختلفًا، حيث لم تترجم الاستثمارات الضخمة إلى مكاسب اقتصادية مستدامة، رغم النجاح التنظيمي والإعلامي.

وانتهت بعض المنشآت، وعلى رأسها الملاعب، إلى عبء مالي مستمر، في تجسيد واضح لظاهرة “الفيلة البيضاء”، التي تشير إلى مشروعات ضخمة مرتفعة التكلفة قليلة الاستخدام بعد انتهاء الحدث.

كأس العالم

البرازيل.. الاحتجاجات تكشف الوجه الآخر

في البرازيل، اصطدمت التوقعات المتفائلة بواقع اقتصادي واجتماعي معقد، حيث تضخمت التكاليف إلى خمسة أضعاف التقديرات الأولية، بالتزامن مع احتجاجات شعبية واسعة ضد توجيه الإنفاق نحو البنية الرياضية على حساب قطاعات أساسية مثل الصحة والتعليم.

ورغم بعض المكاسب المرتبطة بالسياحة والتوظيف، إلا أن ارتفاع المديونية وتباطؤ النمو الاقتصادي كشفا عن محدودية الأثر الحقيقي للبطولة، خاصة في ظل استفادة أكبر للشركات الدولية على حساب الاقتصاد المحلي.

روسيا.. نجاح تنظيمي وتأثير اقتصادي محدود

في روسيا، اختلطت السياسة بالرياضة، إلا أن البلاد نجحت في تنظيم نسخة قوية من البطولة. ورغم تحقيق عوائد مباشرة تقدر بـ14.5 مليار دولار، فإن التأثير طويل الأجل ظل محدودًا، مع استمرار الأعباء المالية لصيانة المنشآت.

ومع ذلك، تمكنت موسكو من توظيف الحدث لتعزيز صورتها الدولية، وتقديم نفسها كدولة حديثة قادرة على استضافة الفعاليات الكبرى، في تأكيد جديد على أهمية البعد غير الاقتصادي للمونديال.

كأس العالم في مرمى اتهامات حماة البيئة

قطر.. نموذج تسريع التنمية

على النقيض، قدمت قطر نموذجًا مختلفًا، حيث تم دمج كأس العالم ضمن رؤية تنموية طويلة الأجل، ما جعل البطولة أداة لتسريع تنفيذ مشاريع البنية التحتية وتنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط والغاز.

ورغم ضخ استثمارات ضخمة قاربت 200 مليار دولار، فإن الجزء الأكبر منها وُجه لتطوير قطاعات النقل والسياحة والخدمات، وليس فقط للملاعب. كما نجحت الدوحة في تجنب “الفيلة البيضاء” عبر تصميم ملاعب قابلة للتفكيك أو تقليل السعة، وضمان استخدامها المستقبلي.

وقد انعكس ذلك في نمو قطاع السياحة بشكل ملحوظ، وارتفاع عدد الزوار بعد البطولة، ما يشير إلى تحقيق عوائد طويلة الأجل تتجاوز فترة الحدث.

افتتاح كأس العالم في الدوحة

بين الاقتصاد والقوة الناعمة

تكشف التجارب المختلفة أن العائد الحقيقي لكأس العالم لا يقتصر على الأرقام الاقتصادية، بل يمتد إلى ما يُعرف بالقوة الناعمة، حيث تستخدم الدول البطولة كمنصة لإعادة تقديم نفسها عالميًا، وجذب الاستثمارات والسياحة.

وفي هذا السياق، قد يكون “الأثر المعنوي” – رغم صعوبة قياسه – أحد أهم دوافع الدول لاستضافة الحدث، خاصة في ظل التغطية الإعلامية العالمية الواسعة.

مستقبل المونديال في الاقتصادات الكبرى

مع اقتراب مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، يطرح سؤال جوهري: هل تحتاج الاقتصادات الكبرى بالفعل إلى هذا النوع من الأحداث لتحقيق مكاسب اقتصادية أو تحسين صورتها الدولية؟

في ظل ضخامة هذه الاقتصادات، قد يكون التأثير الاقتصادي المباشر محدودًا، ما يعزز أهمية التركيز على الجوانب الاستراتيجية، مثل الابتكار، والاستدامة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة.

ملاعب كأس العالم لكرة القدم 2026

خلاصة المشهد

في النهاية، لا يمكن الحكم على كأس العالم باعتباره أداة تنموية ناجحة أو فاشلة بشكل مطلق، بل يتوقف ذلك على كيفية التخطيط له، ومدى دمجه ضمن استراتيجية تنموية شاملة.

فبينما يمكن أن يكون المونديال محفزًا قويًا للنمو والتحديث، قد يتحول – في غياب التخطيط – إلى عبء اقتصادي طويل الأمد، يترك خلفه منشآت مهجورة وديونًا متراكمة.

السعودية تستضيف كأس العالم 2034

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading