أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

الفيضانات تضخ كميات هائلة من البلاستيك إلى المحيطات تفوق التقديرات السابقة

تجاهل أيام السيول يُقلل تقديرنا الحقيقي لوصول البلاستيك إلى المحيطات

كشفت دراسة ميدانية حديثة أن الفيضانات لا تمثل مجرد زيادة مؤقتة في منسوب المياه، بل تعد آلية رئيسية ومركزة لنقل كميات ضخمة من البلاستيك من الأنهار إلى المحيطات، ما يعني أن التقديرات العالمية الحالية قد تقلل بشكل كبير من الحجم الحقيقي للتلوث البلاستيكي البحري.

الدراسة، التي اعتمدت على قياسات مباشرة خلال أحداث فيضانية فعلية، توصلت إلى أن تركيزات الميكروبلاستيك (أقل من 5 مليمترات) والميزوبلاستيك (بين 5 و25 مليمترًا) يمكن أن ترتفع أثناء ذروة الجريان بمقدار يتراوح بين عشرة أضعاف إلى آلاف الأضعاف مقارنة بفترات الجريان الاعتيادي.
هذه القفزات الحادة تعني أن الجزء الأكبر من الحمولة السنوية للبلاستيك قد يُنقل خلال فترات زمنية قصيرة للغاية.

فجوة في منهجيات الرصد

البلاستيك النهري

 

معظم الدراسات السابقة لرصد البلاستيك النهري أُجريت خلال ظروف تدفق عادية، نظرًا لسهولة وأمان أخذ العينات. غير أن هذه المقاربة تتجاهل اللحظات التي تتغير فيها ديناميكية النهر جذريًا.

فعند هطول أمطار غزيرة، تتحول الأنهار إلى ما يشبه “أحزمة ناقلة” تنقل ليس فقط الرواسب والطمي، بل أيضًا المخلفات البلاستيكية المتراكمة على الأسطح الحضرية والزراعية.

البلاستيك الذي ينتهي في المحيط غالبًا ما يبدأ كنفايات كبيرة على اليابسة، قبل أن يتفتت بفعل العوامل البيئية إلى جزيئات أصغر.
هذه الجزيئات الدقيقة قادرة على الانتقال لمسافات طويلة، وتظهر اليوم في مختلف النظم البيئية، بل وتم رصدها في أنسجة كائنات حية متعددة، بما في ذلك الإنسان. لذا فإن فهم آليات انتقالها بدقة يُعد شرطًا أساسيًا لوضع سياسات فعالة للحد من التلوث.

رصد ميداني مكثف أثناء العواصف

لسد هذه الفجوة، أجرى فريق بحثي حملة قياس مكثفة في أربعة أنهار يابانية تمر بأحواض تضم مناطق حضرية وزراعية وغابية.
وتم تتبع ستة أحداث مطرية تراوحت شدتها بين معتدلة وغزيرة، مع تسجيل كميات أمطار بلغت في بعض الحالات نحو 118 مليمترًا.

خلال كل حدث مطري، جمع الباحثون عينات مياه سطحية كل ساعة لمدة تتراوح بين 12 و15 ساعة، ما سمح برصد مرحلتي ارتفاع منسوب المياه وانخفاضه.
كما تم قياس عكارة المياه بالتزامن مع قياس تركيزات البلاستيك، نظرًا لأن العكارة تُستخدم عادة كمؤشر لكمية المواد العالقة في المياه.

وأظهرت النتائج أن الفيضانات “تُجنّد” البلاستيك من مصادر متعددة: مخلفات الطرق، تآكل الإطارات والمواد البلاستيكية، النفايات الحضرية، وما يجرفه نظام الصرف خلال العواصف.
بمعنى آخر، لا تزيد الفيضانات كمية المياه فحسب، بل تزيد أيضًا كمية المواد المحمولة فيها بشكل غير متناسب.

علاقة الحمولة بالتصريف: أداة تقدير سنوية

علاقة الحمولة–التصريف

 

اعتمد الباحثون على ما يُعرف بعلاقة “الحمولة–التصريف” (L–Q relationship)، وهي علاقة هيدرولوجية تقليدية تربط بين كمية المادة المنقولة في النهر (الحمولة) وحجم تدفق المياه (التصريف).

ومن خلال هذه العلاقة، يمكن تقدير إجمالي التصريف السنوي للبلاستيك استنادًا إلى بيانات التدفق المتاحة على مدار العام، حتى في غياب قياسات يومية مباشرة للبلاستيك.

التحليل أظهر أن تصدير البلاستيك يتركز بشدة في فترات الجريان العالي.

ففي أحد الأنهار، تم نقل نحو 90% من الحمولة السنوية للميزوبلاستيك خلال 43 يومًا فقط، هذا التركّز الزمني يعني أن تجاهل فترات العواصف قد يؤدي إلى تقليل كبير في تقدير الانبعاثات البلاستيكية نحو البحر.

الميكروبلاستيك أظهر نمطًا مشابهًا، وإن كان أقل تطرفًا من الميزوبلاستيك، ما يعكس اختلافًا في سلوك النقل بين الأحجام المختلفة للجزيئات.

تعقيد العوامل المؤثرة

رغم أن كل نهر أظهر نمطًا خاصًا في علاقة الحمولة بالتصريف، فإن الدراسة لم تجد ارتباطًا مباشرًا بسيطًا بين خصائص الحوض، مثل نسبة المناطق الحضرية، وحجم البلاستيك المنقول، ويشير ذلك إلى أن العوامل المحلية، مثل البنية التحتية للصرف، وأنماط استخدام الأراضي، وطبيعة العواصف، تلعب دورًا مركبًا في تحديد حجم التلوث.

كما كشفت النتائج عن ارتباط قوي بين عكارة المياه وتركيزات البلاستيك، ما يفتح المجال لاستخدام بيانات العكارة، التي تُجمع بالفعل في كثير من برامج إدارة المياه، كمؤشر غير مباشر لرصد البلاستيك بتكلفة أقل.

تداعيات على السياسات البيئية

تشير هذه النتائج إلى ضرورة إعادة تصميم برامج الرصد الوطني والدولي لتلوث البلاستيك، بحيث تشمل أحداث الطقس المتطرف ضمن خطط القياس والنمذجة.

فالفل بين “الوضع الطبيعي” و”الظروف الاستثنائية” لم يعد دقيقًا في ظل تزايد حدة الظواهر المناخية المرتبطة بتغير المناخ.

إذا كانت الفيضانات تمثل إحدى الآليات الرئيسية لنقل البلاستيك إلى المحيطات، فإن إدارة مياه الأمطار، وتحسين أنظمة الصرف، والحد من النفايات في المناطق الحضرية قبل مواسم الأمطار، تصبح أدوات محورية في تقليل التسرب البلاستيكي.

الدراسة لا تجيب عن جميع الأسئلة، خاصة فيما يتعلق بأسباب اختلاف سلوك الأنهار، لكنها تضع حقيقة أساسية أمام صناع القرار: من يريد قياس التلوث البلاستيكي بدقة، عليه أن يقيسه عندما يكون النهر في ذروة اضطرابه، لا في لحظات هدوئه.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading