أهم الموضوعاتأخبارتغير المناخ

تغير المناخ والصراعات والأزمات الاقتصادية.. «الأزمات المتعددة» تعيد تشكيل خريطة الفقر عالميًا

الفقر في عصر «الأزمات المتعددة».. حلول جديدة لمواجهة المناخ والصراعات والانهيارات الاقتصادية

تغير المناخ والصراعات والصدمات الاقتصادية تتداخل لتدفع الأسر الفقيرة إلى دوائر أعمق من الحرمان.. ودراسة جديدة تدعو الحكومات إلى التخلي عن معالجة الأزمات بصورة منفصلة

لم يعد الفقر في العديد من المناطق الأكثر هشاشة حول العالم نتيجة أزمة واحدة يمكن احتواؤها بتدخل منفرد، بل أصبح في كثير من الحالات نتيجة تفاعل مجموعة من الأزمات التي تضرب في الوقت نفسه أو تتعاقب بسرعة، من الجفاف والفيضانات المرتبطة بتغير المناخ إلى الحروب والصراعات العنيفة، مرورًا بالتضخم والاضطرابات الاقتصادية.

ويطلق الباحثون على هذا التداخل المتزامن اسم «الأزمات المتعددة» أو Polycrisis، وهي ظاهرة تزداد آثارها قسوة في البلدان التي ترتفع فيها معدلات الفقر، وتضعف المؤسسات الحكومية، وتقل فيها الموارد العامة اللازمة للاستجابة للكوارث والصدمات.

وتحذر دراسة حديثة من أن التعامل مع هذه الأزمات باعتبار كل واحدة منها مشكلة منفصلة قد يؤدي إلى تفاقم أوضاع الفقراء بدلًا من مساعدتهم على التعافي، لأن آثار الصدمات المختلفة يمكن أن تتراكم فوق بعضها بعضًا، وتحوّل أزمة مؤقتة إلى فخ طويل الأمد للفقر.

وتتناول الباحثة في معهد دراسات التنمية، فيديا ديوكار، هذه الظاهرة في كتابها «الفقر في عصر الأزمات المتعددة: مسارات ديناميكية للتغيير المستدام»، الذي يبحث في كيفية تفاعل الأزمات المتشابكة وتأثيرها في مسارات الفقر، استنادًا إلى أدلة من 15 دولة مرتفعة الفقر في أفريقيا وآسيا.

الفقراء في أفريقيا

عندما تتحول الأزمات إلى فخ للفقر

في الظروف الطبيعية، قد تتمكن الأسرة الفقيرة من تجاوز صدمة اقتصادية أو مناخية واحدة.

فالجفاف، على سبيل المثال، قد يجبر مزارعًا صغيرًا على بيع بعض الماشية أو الأصول لتوفير الغذاء أو الحفاظ على نشاطه الزراعي، لكنه يستطيع إعادة بناء أصوله عندما تعود الأمطار وتتحسن الظروف.

لكن الصورة تختلف تمامًا عندما تأتي الصدمة المناخية مصحوبة بأزمة أخرى.

فإذا أعقب الجفاف ارتفاع حاد في أسعار الغذاء أو التضخم أو اضطراب اقتصادي واسع، ثم تكرر الجفاف مرة أخرى، فقد تجد الأسرة نفسها أمام نقص متواصل في الغذاء، وديون متزايدة، وفقدان للأصول، وتراجع مستمر في قدرتها على استعادة مصدر دخلها.

ومع استمرار الأزمات، لا تصبح الأسرة أفقر فحسب، بل تفقد أيضًا الأدوات التي كان يمكن أن تساعدها على الخروج من الفقر.

وهنا تتحول الأزمة من صدمة مؤقتة إلى مسار طويل الأجل من التدهور الاقتصادي والاجتماعي.

قصة مزارعة تكشف كيف تتشابك الأزمات

تقدم الدراسة حالة امرأة نيجيرية، أُطلق عليها اسم مستعار «عائشة» لحماية هويتها، كانت تعيش في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا وتمكنت في السابق من بناء حياة اقتصادية مستقرة من خلال الزراعة، لكن سلسلة من الأزمات قلبت حياتها.

ففي عام 2013، قتل مسلحو جماعة بوكو حرام زوجها وثلاثة من أطفالها، وأصيبت هي أيضًا، واضطرت إلى الفرار مع بقية أفراد أسرتها من قريتها إلى تجمع للنازحين داخليًا.

ولم تتوقف الصعوبات عند النزوح والعنف، فبعد ذلك، تزامنت ظروف اقتصادية صعبة مع نقص السيولة النقدية المرتبط بسياسة الحد من التعامل النقدي في نيجيريا، ما أجبر عائشة على الاعتماد على البيع بالائتمان في نشاط تجارة الفحم الذي أنشأته لتوفير مصدر دخل.

وفي الوقت نفسه، أدى ضعف الأمطار في بورنو إلى تراجع قدرة أبنائها الخمسة الباقين على دعمها ماليًا.

وهكذا، لم يكن هناك سبب واحد وراء استمرار فقرها، بل سلسلة من الصدمات الأمنية والاقتصادية والمناخية، تفاعلت مع بعضها حتى أصبحت العودة إلى الحياة الاقتصادية الطبيعية أكثر صعوبة.

ولا تزال عائشة، وفق الحالة التي عرضها البحث، تعيش في مخيم للنازحين وتكافح للخروج من الفقر.

مكافحة الفقر

لماذا تكون أفريقيا جنوب الصحراء أكثر عرضة؟

تظهر خطورة «الأزمات المتعددة» بصورة خاصة في دول أفريقيا جنوب الصحراء، حيث تتقاطع معدلات الفقر المرتفعة مع ضعف المؤسسات ومحدودية الموارد الحكومية.

وتشير الأدلة التي تستند إليها الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعيشون أصلًا في الفقر يكونون أكثر عرضة لدفعهم إلى مستويات أعمق من الحرمان عندما تقع أزمة جديدة.

وفي الوقت نفسه، يمكن للصدمات المتكررة أن تدفع أشخاصًا لم يكونوا فقراء إلى الفقر لأول مرة، ثم تجعلهم يبقون فيه لفترات أطول.

وتزداد المشكلة عندما تكون قدرة الدولة على تقديم الدعم الاجتماعي أو تمويل إعادة الإعمار محدودة، لأن الأسرة الفقيرة تضطر عندها إلى تحمل الجزء الأكبر من تكلفة الأزمة بنفسها.

تغير المناخ يضاعف الخطر

تغير المناخ يمثل أحد أهم العوامل التي تجعل الأزمات المتعددة أكثر تعقيدًا، فالفيضانات والجفاف وموجات الحرارة والكوارث المرتبطة بالطقس يمكن أن تدمر المحاصيل والمساكن والأصول ومصادر الدخل.

لكن الضرر الأكبر قد لا يأتي من الكارثة نفسها، وإنما من تكرارها أو تزامنها مع صدمات أخرى.

فالمزارع الذي فقد محصوله بسبب الجفاف قد يستطيع الاقتراض وإعادة الزراعة في الموسم التالي.

لكن إذا ارتفعت أسعار المدخلات الزراعية في الوقت نفسه، أو انخفضت قيمة العملة، أو اندلع نزاع مسلح، أو تكرر الجفاف في الموسم التالي، فإن قدرة الأسرة على الاقتراض وإعادة الاستثمار تتراجع بشدة، ومع كل صدمة جديدة، تتقلص قدرتها على التعافي.

الصراع لا يدمر الدخل فقط

الحروب والصراعات المسلحة تضيف طبقة أخرى من الهشاشة، فالنزاع قد يؤدي إلى تدمير المنازل والمزارع والأسواق، ويجبر السكان على النزوح، ويقطع سلاسل الإمداد، ويحد من الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية وفرص العمل.

كما أن النزوح نفسه يمكن أن يخلق ظروفًا تجعل الأسر أكثر اعتمادًا على المساعدات أو العمل غير المستقر.

وعندما يتزامن النزاع مع أزمة مناخية، يمكن أن تتضاعف الآثار، فقد يجد النازحون أنفسهم في مناطق معرضة للفيضانات أو الجفاف، أو يواجهون ارتفاع أسعار الغذاء في الوقت الذي فقدوا فيه ممتلكاتهم ومصادر دخلهم.

الصدمة الاقتصادية قد تكون الحلقة التي تكمل الأزمة

لا تقتصر «الأزمات المتعددة» على الكوارث الطبيعية والحروب، فالاضطرابات الاقتصادية وارتفاع التضخم والأسعار يمكن أن تحول الأزمة المناخية أو الأمنية إلى أزمة معيشية طويلة الأمد.

وعندما ترتفع أسعار الغذاء والوقود، تصبح الأسر الفقيرة مضطرة إلى تقليص استهلاكها، أو بيع أصولها، أو الاقتراض، أو إخراج أطفالها من التعليم للمساعدة في توفير الدخل.

وقد تبدو هذه الإجراءات حلولًا مؤقتة، لكنها يمكن أن تضعف قدرة الأسرة على تحسين أوضاعها مستقبلًا.

فبيع الماشية، على سبيل المثال، قد يوفر الغذاء اليوم، لكنه يحرم الأسرة من أصل يمكن أن يوفر لها دخلًا في المستقبل.

انعدام الأمن الغذائي في إفريقيا

عندما تزيد سياسات الحكومات من الضرر

تلفت الدراسة الانتباه إلى أن بعض استجابات الحكومات والجهات المانحة للأزمات قد تؤدي بصورة غير مقصودة إلى زيادة الضغوط على الفقراء.

وتقدم تجربة إزالة دعم الوقود في نيجيريا مثالًا على ذلك؛ إذ تزامن إلغاء الدعم مع محدودية المساعدات الاجتماعية، الأمر الذي زاد الضغوط على العديد من الأسر الفقيرة والهشة.

وتوضح هذه الحالة أن معالجة مشكلة مالية أو اقتصادية على مستوى الدولة من دون النظر إلى آثارها الاجتماعية قد تنقل تكلفة الإصلاح إلى الفئات الأكثر ضعفًا.

وبالتالي، فإن الإجراءات الاقتصادية التي قد تبدو ضرورية من منظور المالية العامة يمكن أن تحتاج إلى شبكات حماية موازية حتى لا تدفع ملايين الأسر إلى الفقر.

خطأ معالجة كل أزمة منفردة

من أبرز التحذيرات التي تطرحها الدراسة أن الحكومات غالبًا ما تتعامل مع الأزمات واحدة تلو الأخرى، لكن الواقع الذي يعيشه الفقراء مختلف.

فقد تتعامل الحكومة مع الفيضانات باعتبارها كارثة طبيعية، ومع التضخم باعتباره مشكلة اقتصادية، ومع النزوح باعتباره قضية أمنية، رغم أن الأسرة نفسها قد تتعرض لهذه الأزمات الثلاث في الوقت ذاته، ويؤدي هذا التقسيم إلى استجابات مجزأة لا تعالج الصورة الكاملة.

بل قد تؤدي بعض الإجراءات المصممة لمعالجة أزمة واحدة إلى زيادة المخاطر المرتبطة بأزمة أخرى.

ومن الأمثلة على ذلك إجلاء السكان إلى ملاجئ جماعية أثناء الفيضانات، وهو إجراء ضروري للحماية من الخطر المباشر، لكنه قد يرفع في بعض الظروف احتمالات انتقال الأمراض إذا لم تكن الملاجئ مجهزة بصورة مناسبة.

تراجع المساعدات يزيد الضغوط

تأتي هذه التحديات في وقت تتعرض فيه المساعدات الدولية لضغوط متزايدة.

ويشير البحث إلى أن تراجع المساعدات الخارجية قد تكون له آثار طويلة الأجل على جهود الحد من الفقر، خصوصًا في الدول الأكثر اعتمادًا على التمويل الخارجي.

وفي البلدان التي تعاني أصلًا من ضعف الإيرادات الحكومية وارتفاع الديون، يمكن أن يؤدي انخفاض المساعدات إلى تقليص الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنية التحتية.

وهذا لا يؤثر فقط في الفقراء الحاليين، وإنما قد يحد من فرص الأجيال المقبلة في الخروج من الفقر.

أزمة الفقر

ما الحل؟ سياسة تنظر إلى الأزمات كمنظومة واحدة

تدعو الدراسة إلى تغيير جوهري في طريقة تصميم السياسات الحكومية، فبدلًا من وضع سياسة لمواجهة الجفاف وأخرى للتضخم وثالثة للنزوح، ينبغي بناء استجابات متكاملة تأخذ في الاعتبار الطريقة التي تتفاعل بها هذه الأزمات.

ويشمل ذلك توسيع برامج التحويلات النقدية والحماية الاجتماعية لتصل إلى المناطق الريفية والنائية، بحيث تستطيع الأسر مواجهة الصدمات من دون بيع أصولها أو الدخول في دوامة من الديون.

كما تحتاج الحكومات إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للكوارث، مع ضمان وصولها إلى المجتمعات التي تعاني من ضعف البنية التحتية أو صعوبة الوصول إليها.

الحماية الاجتماعية كخط دفاع أول

يمكن لشبكات الحماية الاجتماعية أن تلعب دورًا حاسمًا في منع تحول الصدمة المؤقتة إلى فقر مزمن.

فعندما تحصل الأسرة المتضررة من الجفاف أو الفيضانات أو ارتفاع الأسعار على دعم مالي سريع، تصبح أقل اضطرارًا إلى بيع الماشية أو الأراضي أو أدوات العمل.

وتساعد هذه الآلية على الحفاظ على الأصول الإنتاجية التي تحتاجها الأسرة لاستعادة دخلها بعد انتهاء الأزمة.

لكن نجاح هذه الأنظمة يتطلب أن تكون سريعة وقابلة للتوسع وقادرة على الوصول إلى الأشخاص المتضررين حتى في المناطق التي تعاني من النزاع أو ضعف الخدمات الحكومية.

الإنذار المبكر والاستعداد أفضل من انتظار الكارثة

تشدد التوصيات أيضًا على أهمية الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والاستعداد للكوارث.

فالتنبؤ بالجفاف أو الفيضانات قبل وقوعها يمكن أن يمنح الأسر والحكومات وقتًا لحماية الأصول ونقل الماشية وتخزين الغذاء والاستعداد للإجلاء.

لكن أنظمة الإنذار لا تكون فعالة إذا بقيت داخل المدن أو لدى المؤسسات المركزية.

ولهذا يجب توسيعها لتصل إلى المجتمعات الريفية والنائية، وربطها بآليات واضحة للاستجابة وتوفير الدعم.

إفريقيا أمام كارثة جديدة .. نقص حاد في الغذاء

السلام جزء من مكافحة الفقر

لا يمكن معالجة الفقر في المناطق المتضررة من الصراعات من خلال برامج اقتصادية فقط، فالسلام وبناء المؤسسات المحلية ومعالجة أسباب النزاعات يمكن أن تكون جزءًا أساسيًا من استراتيجية الحد من الفقر.

وتشير الدراسة إلى أن جهود بناء السلام يمكن أن تساعد في معالجة الأسباب الجذرية لكل من الفقر والصراع، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل مع النتائج الإنسانية بعد وقوع العنف.

ويعني ذلك أن سياسات مكافحة الفقر في المناطق المتأثرة بالنزاعات يجب أن تكون مرتبطة بالسياسات الأمنية والتنموية وبناء السلام.

«النمو من الأسفل» بدلًا من انتظار التسرب الاقتصادي

تطرح الدراسة أيضًا أهمية خلق فرص اقتصادية شاملة للفقراء أنفسهم، وتشير إلى أن كثيرًا من الناس يخرجون من الفقر من خلال ما يمكن وصفه بـ «النمو من الأسفل»، أي عبر استراتيجيات على مستوى الأسر والمجتمعات المحلية، وليس فقط من خلال تدخلات اقتصادية كبرى تأتي من أعلى إلى أسفل.

وقد تشمل هذه الاستراتيجيات تنويع مصادر الدخل، وتطوير مشروعات صغيرة، والاستثمار في الزراعة المستدامة، والعمل خارج القطاع الزراعي عندما تكون الزراعة شديدة التأثر بالمناخ.

ويمنح تنويع الدخل الأسرة قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، لأنها لا تصبح رهينة مصدر واحد للرزق.

الزراعة المستدامة وتنويع الدخل

تظهر في البحث بعض المسارات التي ساعدت أسرًا في ظروف صعبة على الخروج من الفقر.

ومن بينها تبني ممارسات زراعية أكثر استدامة وقدرة على تحمل تغير الظروف المناخية، إلى جانب الانتقال إلى مصادر دخل خارج الزراعة.

كما تلعب القدرة على التكيف الاقتصادي والاجتماعي المستمر دورًا مهمًا، فالأسر التي تستطيع تغيير نشاطها أو تنويع مصادر دخلها أو الاستفادة من فرص جديدة تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات المتتالية.

الديون وإعادة هيكلة التمويل

في البلدان التي تواجه ضغوطًا مالية كبيرة، لا يمكن فصل مكافحة الفقر عن إدارة الديون والمالية العامة.

فارتفاع خدمة الدين يمكن أن يقلص الأموال المتاحة للحماية الاجتماعية والاستثمار في الصحة والتعليم والبنية التحتية.

ولهذا تطرح الدراسة أهمية أدوات مكملة، من بينها إعادة هيكلة الديون، لتخفيف الضغوط المالية عن الحكومات وتمكينها من الحفاظ على الاستثمارات التي تستهدف الفقراء.

كما تحتاج الدول إلى تعزيز قدرتها على تعبئة الإيرادات المحلية وإدارتها، بما في ذلك تحسين الأنظمة الضريبية، حتى تصبح أقل اعتمادًا على التمويل الخارجي.

تغير المناخ والصراعات تطارد الفقراء في إفريقيا

ماذا يمكن أن تفعل المنظمات غير الحكومية؟

لا تقع مسؤولية مواجهة الأزمات المتعددة على الحكومات وحدها، فالمنظمات غير الحكومية والمنظمات المجتمعية يمكنها دعم القدرة على الصمود على المستوى المحلي، والمساعدة في الاستعداد للكوارث، ودعم الأسر في تكييف مصادر دخلها مع الظروف الجديدة.

كما يمكن للمجتمع المدني أن يؤدي دورًا مهمًا في نقل تجارب الفئات المهمشة إلى صناع القرار.

وهذا الدور مهم بصورة خاصة لأن السياسات التي تصمم من دون فهم التجربة اليومية للفقراء قد تفشل في الوصول إلى جذور المشكلة.

القطاع الخاص شريك في بناء القدرة على الصمود

يمكن للقطاع الخاص أيضًا أن يساهم في مواجهة «الأزمات المتعددة» عبر خلق فرص عمل مستدامة، وتطوير سلاسل إمداد أكثر مرونة، والاستثمار في المناطق الهشة، ودعم حلول التكيف المناخي.

كما يمكن للشركات دعم المشروعات الصغيرة وسلاسل القيمة المحلية، بما يساعد الأسر على تنويع مصادر الدخل وتقليل اعتمادها على نشاط اقتصادي واحد شديد الحساسية للصدمات.

لكن هذا الدور يجب أن يكون مكملًا لسياسات الدولة، وليس بديلًا عن مسؤوليتها في توفير الحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية.

الأزمة المتعددة تحتاج إلى استجابة متعددة

تكشف تجربة الأسر الفقيرة في البلدان الأكثر هشاشة أن الفقر لم يعد قضية اقتصادية منفصلة عن المناخ أو الأمن أو السياسة العامة.

فالجفاف يمكن أن يؤدي إلى خسارة المحصول، والحرب يمكن أن تؤدي إلى النزوح، والتضخم يمكن أن يرفع تكلفة الغذاء، وانخفاض المساعدات يمكن أن يقلص قدرة الدولة على التدخل.

وعندما تحدث هذه الأحداث معًا، فإن مجموع آثارها قد يكون أكبر بكثير من أثر كل أزمة منفردة.

وهنا تكمن الفكرة الرئيسية التي تطرحها دراسة «الفقر في عصر الأزمات المتعددة»: إذا كانت الأزمات مترابطة، فإن سياسات مواجهتها يجب أن تكون مترابطة أيضًا.

فالحماية الاجتماعية يجب أن تتكامل مع التكيف المناخي، وأنظمة الإنذار المبكر مع الاستجابة للكوارث، وبرامج التنمية مع بناء السلام، وإدارة الديون مع الحفاظ على الاستثمارات الموجهة للفقراء.

من إدارة الأزمات إلى منع الوقوع في الفقر

المطلوب في النهاية ليس فقط مساعدة الناس بعد وقوع الكارثة، وإنما بناء أنظمة تمنع الصدمة من تحويل الأسرة إلى فقيرة أو تمنع الأسرة الفقيرة من السقوط إلى مستويات أعمق من الحرمان.

وهذا يعني الانتقال من نموذج يعتمد على الاستجابة بعد وقوع الأزمة إلى نموذج أكثر استباقية، يستثمر في القدرة على الصمود قبل وقوع الصدمات.

وفي عالم يزداد فيه تغير المناخ وضوحًا، وتستمر الصراعات في مناطق عديدة، وتتكرر الصدمات الاقتصادية، قد تصبح هذه المقاربة ضرورة وليست خيارًا.

فالفقر في عصر «الأزمات المتعددة» لا يحتاج إلى سياسة واحدة لمكافحته، وإنما إلى شبكة متكاملة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والأمنية، تعمل معًا لحماية الأسر قبل أن تتحول الصدمات المتكررة إلى فقر مزمن يصعب كسره.

والرسالة الأهم التي تبرزها الدراسة هي أن الطريق إلى الخروج من الفقر لا يمر فقط عبر زيادة الدخل، وإنما عبر حماية الأصول، وتنويع مصادر الرزق، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف، وضمان وجود مؤسسات قادرة على الاستجابة للأزمات المختلفة في وقت واحد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة