العلماء يحذرون: قرارات خفض الانبعاثات اليوم تُرسم ارتفاع البحار لقرون قادمة

خفض الانبعاثات بسرعة يتجنب ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 64 سم بحلول عام 2300

تقول دراسة جديدة إن خفض الانبعاثات بما يتماشى مع حد الاحتباس الحراري البالغ 1.5 درجة مئوية، بدلاً من اتباع سياسات المناخ الحالية، يمكن أن يحد من ارتفاع مستوى سطح البحر على المدى الطويل بمقدار 64 سم.

في أحدث دراسة علمية نشرتها مجلة Nature Climate Change، كشف فريق دولي من العلماء أن الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية خلال العقود القليلة المقبلة ستحدد مصير البحار والمحيطات لقرون مقبلة، إذ يمكن أن تترك التزامات لا رجعة فيها لارتفاع مستوى سطح البحر حتى عام 2300، حتى في حال التوقف الكامل للانبعاثات في النصف الثاني من هذا القرن.
قاد الدراسة ألكسندر ناولز من معهد الطاقة والمناخ الألماني، بمشاركة باحثين من جامعات ومراكز مناخية أوروبية وأسترالية، استخدموا نموذجًا مناخيًا متقدمًا (MAGICC) لتقدير الارتفاع المتوقع في مستوى سطح البحر الناتج عن الانبعاثات التراكمية للغازات الدفيئة حتى نهاية القرن الحادي والعشرين، ومقارنة تأثير السياسات المناخية الحالية بمسارات خفض الانبعاثات الطموحة المتوافقة مع أهداف اتفاق باريس للمناخ.

0.3 متر ارتفاع إضافي بحلول 2300 من انبعاثات 2050 فقط

أظهرت النتائج أن الانبعاثات التاريخية حتى عام 2020 قد تسببت بالفعل في التزام بارتفاع في مستوى سطح البحر العالمي يُقدر بنحو 0.29 متر، ضمن نطاق محتمل يتراوح بين 0.20 و0.41 متر.
أما الانبعاثات المتوقعة حتى عام 2050، وفق السياسات الحالية، فستضيف نحو 0.3 متر إضافي، لترتفع الالتزامات المستقبلية إلى 0.58 متر بحلول عام 2300.
ويحذر الباحثون من أن استمرار الانبعاثات حتى عام 2090، في ظل سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة (SSP5-8.5)، سيقود إلى التزام بارتفاع في مستوى البحر يصل إلى 0.8 متر (0.5–1.4 متر)، مع احتمال بلوغ 7 أمتار في الحالات القصوى منخفضة الاحتمال، وهو ما يهدد سواحل وجزرًا بأكملها بالغرق التدريجي خلال القرون القادمة.

ارتفاع مستوى سطح البحر

الفرصة الضائعة والممكنة

تُظهر الدراسة أن القرارات المناخية المتخذة خلال العقود الثلاثة القادمة ستحدد مصير الأجيال اللاحقة. فاتباع مسار انبعاثات متسق مع هدف 1.5 درجة مئوية (المسار SSP1-1.9) يمكن أن يُجنّب العالم نحو 0.6 متر من الارتفاع الإضافي في مستوى البحر بحلول عام 2300، مقارنة بمسار الانبعاثات المرتفع الحالي.
بمعنى آخر، كل طن من الغازات الدفيئة يُطلق في الغلاف الجوي خلال السنوات المقبلة يعني التزامًا طويل الأمد بارتفاع مستوى البحر، حتى لو توقفت الانبعاثات لاحقًا.

الفروق الإقليمية والتهديد الأكبر للمحيط الهادئ

رصد الباحثون تفاوتًا واضحًا في الاستجابة الإقليمية لارتفاع البحر. فالمناطق الواقعة في المحيط الهادئ، خصوصًا الدول الجزرية الصغيرة مثل فيجي وتوفالو وكيريباتي، ستشهد ارتفاعات تفوق المتوسط العالمي بنسبة 10% تقريبًا، نتيجة التأثير النسبي الأكبر لذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية وتأثيرات الجاذبية الأرضية وتغيرات دوران المحيطات.
في المقابل، قد تكون بعض المناطق الشمالية أكثر استقرارًا نسبيًا بفضل الارتداد الجليدي (Glacial Isostatic Adjustment)، أي ارتفاع القشرة الأرضية تدريجيًا بعد ذوبان الجليد القديم.

ارتفاع القشرة الأرضية تدريجيًا بعد ذوبان الجليد القديم

 

نموذج متقدم يحاكي المستقبل حتى عام 2300

اعتمد الفريق البحثي على نموذج MAGICC v7.5.3، وهو أحد النماذج المعتمدة في تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، لمحاكاة العلاقة بين الانبعاثات، ودرجات الحرارة، والتوسع الحراري للمحيطات، وذوبان الجليد في القطبين.
ورغم أن النموذج مبسّط مقارنة بالنماذج الفيزيائية الكاملة، فإنه يتميز بقدرته على إجراء تجارب تمتد لقرون بتكاليف حسابية منخفضة، مع دقة مقاربة للنتائج المستخلصة من النماذج المعقدة.
ويشير الباحثون إلى أن النموذج احتوى على تحديثات خاصة بمساهمات غرينلاند والقطب الجنوبي، استنادًا إلى التقييم السادس للـIPCC، بما في ذلك سيناريوهات “الأثر المنخفض الاحتمال – العالي التأثير” لانهيار الصفائح الجليدية، والتي يمكن أن تغيّر مسار ارتفاع البحار عالميًا خلال القرون المقبلة.

الإرث المناخي طويل الأمد

الانبعاثات

 

تُبرز الدراسة مفهوم “الالتزام المناخي طويل الأمد”، أي أن ما يُطلق من غازات الدفيئة اليوم سيواصل التأثير على أنظمة الأرض، من درجات الحرارة إلى مستوى البحر، لعدة قرون حتى بعد توقف الانبعاثات.
وتوضح النتائج أن الفرق في الانبعاثات الكلية بين تحقيق هدف 1.5 درجة مئوية و2 درجة مئوية يمكن أن يعني نصف متر إضافي من ارتفاع مستوى البحر بحلول عام 2300، ما يؤكد أن الفروق الطفيفة في الأهداف المناخية اليوم تحمل عواقب ضخمة على المدى الطويل.

دعوة عاجلة إلى التحرك

في ختام الدراسة، يؤكد الباحثون أن الوقت الحالي يمثل الفرصة الأخيرة لتجنب التزامات كارثية بارتفاع مستويات البحار، وأن القرارات المتخذة حتى عام 2050 ستكون نقطة التحول الحقيقية لمستقبل المناطق الساحلية حول العالم.
ويحذرون من أن عدم خفض الانبعاثات جذريًا يعني إرثًا مناخيًا يمتد قرونًا، تتوارثه الأجيال القادمة في شكل مدن ساحلية مهددة، وأنظمة بيئية بحرية مدمّرة، وموجات نزوح بشري محتملة من المناطق المنخفضة.

Exit mobile version