تشير الأبحاث الحديثة إلى أن جهود العمل المناخي العالمية ما زالت دون المستوى المطلوب، ولم نقترب بعد من تحقيق الوعود الدولية للحد من ارتفاع درجات حرارة الأرض.
بموجب اتفاق باريس للمناخ، يُتوقع من كل دولة أن تقوم بـ”نصابها العادل” من خفض انبعاثات الغازات الدفيئة.
لكن دراسة حديثة نُشرت في دورية Nature Communications تكشف أن الطريقة المعتمدة لحساب هذا “النصاب العادل” تحتوي على خلل جوهري، يسمح للدول الأكثر تلويثًا بالتملص من مسؤولياتها، بينما تتحمل الدول الأقل تأثيرًا عبءً أكبر مما تتحمله بالفعل.
كيف تُقاس الالتزامات اليوم؟
لطالما اعتمدت الدراسات على مقارنة الدول وفق مستويات الانبعاثات الحالية فقط، متجاهلة التاريخ الطويل للتلوث الذي قامت به الدول الغنية منذ الثورة الصناعية وحتى اليوم.
هذا يخلق وضعًا غير عادل: إذ يمكن لدولة أن تستمر في زيادة انبعاثاتها، ثم تقللها لاحقًا وتُصنَّف على أنها “طموحة”، رغم أن ذلك ليس طموحًا حقيقيًا، بل مجرد تأجيل للالتزام.
الطريقة الجديدة: العدالة حسب المسؤولية والقدرة
يقترح الباحثون في جامعة أوتريخت بقيادة يان روبيو دو بون اعتماد طريقة جديدة تقوم على الانبعاثات التاريخية لكل دولة وقدرتها المالية، بدلًا من النظر فقط إلى الوضع الحالي.
هذه الطريقة ستعيد ترتيب الأولويات العالمية بشكل جذري:
• الدول الغنية ذات الانبعاثات الطويلة الأمد ستواجه التزامات مباشرة وكبيرة لتقليل الانبعاثات.
• إذا لم تتمكن هذه الدول من تحقيق تخفيضات سريعة، سيكون عليها تمويل مشاريع مناخية في الدول النامية لتعويض الفجوات، مثل دعم الطاقة المتجددة، تعزيز القدرة على التكيف، وخفض الانبعاثات في الخارج.
الدول التي تحتاج إلى بذل المزيد
عند تطبيق هذه الطريقة، تظهر فجوات كبيرة بين ما تعد به الدول الغنية و”الحصص العادلة” المستحقة لها.
• من أبرز هذه الدول: الولايات المتحدة، أستراليا، كندا، الإمارات، السعودية.
• حتى ضمن الدول الثرية، هناك تفاوت كبير في الجهود، لكن النظام الحالي يخفي هذا التفاوت، ويجعل الدول الأقل اجتهادًا تبدو وكأنها ملتزمة.
العدالة المناخية وحقوق الإنسان
الأبحاث العلمية تلعب دورًا متزايدًا في المحاكمات القانونية المرتبطة بالمناخ.
• مثال بارز هو قضية KlimaSeniorinnen في سويسرا، حيث تحدت مجموعة من النساء المسنات الحكومة بسبب ضعف السياسات المناخية، واعتبرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن تقاعس الدولة عن العمل المناخي القوي يشكل انتهاكًا لحقوق الإنسان.
• في حكم مهم بتاريخ 23 يوليو 2025، أكدت محكمة العدل الدولية أن الدول مُلزمة قانونيًا بمنع الضرر الجسيم للنظام المناخي، وأن العمل يجب أن يكون جماعيًا وعاجلًا.
تمويل مستقبل مناخي عادل
منذ عقود، طالبت منظمات العدالة المناخية والدراسات البحثية بأن تدفع الدول الغنية الأكثر تلويثًا نصيبها العادل في التمويل المناخي.
هذا يشمل:
• تمويل مشاريع الطاقة المتجددة في الدول النامية.
• تعزيز قدرة هذه الدول على التكيف مع التغيرات المناخية.
• دعم برامج خفض الانبعاثات خارج حدود الدولة الملوثة.
في الوقت الحالي، قصور الالتزام والتمويل من الدول الأكثر مسؤولية يُضعف فعالية الجهود العالمية.
لكن اعتماد مبدأ العدالة في توزيع الجهود والموارد قد يغير المعادلة بالكامل، ويزيد فرص الوصول إلى أهداف الحد من الاحتباس الحراري بشكل ملموس.
الخلاصة
الدراسة لا تكتفي بكشف الأخطاء في الطريقة الحالية، بل تقدم خارطة طريق نحو نظام أكثر عدلاً وشفافية وفاعلية.
إذا أصبح العدالة والمساواة محور تقييم التزامات الدول، سيتغير المشهد الدولي نحو تحقيق نتائج ملموسة في مكافحة التغير المناخي، بدلًا من السماح للبلدان الكبرى بالتملص من مسؤولياتها التاريخية.
