في وقت تتزايد فيه معدلات السمنة عالميًا، وما يصاحبها من مخاطر صحية معقدة، تبرز اليوغا كأحد الخيارات البسيطة والفعّالة التي قد تُحدث فارقًا ملموسًا في صحة القلب، خاصة لدى من يجدون صعوبة في ممارسة التمارين البدنية الشاقة.
دراسة حديثة، استندت إلى تحليل بيانات 30 تجربة سريرية شملت 2689 بالغًا من ذوي الوزن الزائد، تشير إلى أن ممارسة اليوغا ترتبط بانخفاض ملحوظ في ضغط الدم، أحد أهم مؤشرات صحة القلب والأوعية الدموية.
وقد شمل هذا الانخفاض كلاً من الضغط الانقباضي (الرقم الأعلى) والانبساطي (الرقم الأدنى)، ما يعزز من دلالة النتائج على تحسن شامل في وظيفة الدورة الدموية.
ورغم أن هذا الانخفاض قد يبدو محدودًا رقميًا، إلا أن تأثيره التراكمي على المدى الطويل يمكن أن يكون ذا أهمية كبيرة، خاصة في الوقاية من أمراض القلب والسكتات الدماغية.
تفسير هذه النتائج لا يرتبط بعامل واحد، بل بتكامل مجموعة من الآليات الفسيولوجية التي تميز اليوجا عن غيرها من الأنشطة. فهي تجمع بين الحركة الجسدية الخفيفة إلى المتوسطة، وتقنيات التنفس العميق، والتركيز الذهني، ما يخلق حالة من التوازن العصبي تُسهم في تهدئة الجهاز العصبي وتقليل التوتر.
هذا الهدوء العصبي ينعكس مباشرة على الأوعية الدموية، حيث يساعد على استرخائها، وبالتالي تقليل المقاومة التي يواجهها الدم أثناء ضخه. كما أن الحركات البطيئة والمستمرة تعزز كفاءة الدورة الدموية دون التسبب في إجهاد مفاجئ للقلب.
وعلى صعيد الدهون في الدم، أظهرت النتائج تحسنًا طفيفًا في بعض المؤشرات، مثل انخفاض الكوليسترول الضار (LDL) وارتفاع الكوليسترول الجيد (HDL)، إلى جانب تراجع أكثر وضوحًا في مستويات الدهون الثلاثية، ومع ذلك، لم يكن هذا التأثير كافيًا لإحداث تغيير كبير في إجمالي الكوليسترول، ما يشير إلى أن اليوجا تلعب دورًا داعمًا وليس حاسمًا في هذا الجانب.
أما فيما يتعلق بمستويات السكر في الدم، فقد بدت النتائج أقل اتساقًا. إذ لم تُظهر القياسات السريعة تغييرات واضحة، بينما تحسنت بعض المؤشرات المرتبطة بحساسية الإنسولين. ويُرجّح أن يعود ذلك إلى أن المشاركين في الدراسة لم يكونوا مصابين بأمراض مزمنة مثل السكري، ما يحد من تعميم النتائج على هذه الفئات.
جانب آخر لافت في الدراسة يتمثل في تأثير اليوغا على الالتهابات المزمنة منخفضة الدرجة، وهي حالة شائعة لدى الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن.
فقد أظهرت بعض التجارب انخفاضًا في مؤشرات الالتهاب، ما يعزز فرضية أن اليوغا قد تُسهم في تحسين البيئة الداخلية للأوعية الدموية، وتقليل الإجهاد التأكسدي.
لكن اللافت أن تأثير اليوجا لم يكن موحدًا في جميع الحالات، إذ لعبت مدة وشدة الممارسة دورًا حاسمًا، فالدراسات التي سجلت أفضل النتائج كانت تلك التي استمرت لمدة لا تقل عن 12 أسبوعًا، بواقع جلسات تمتد إلى 60 دقيقة، ثلاث مرات أسبوعيًا على الأقل.
هذا يعني أن الفعالية لا ترتبط بالممارسة العرضية، بل بالالتزام المنتظم، وهو ما يتماشى مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تشدد على ضرورة ممارسة النشاط البدني لمدة لا تقل عن 150 دقيقة أسبوعيًا.
كما أظهرت النتائج فروقًا جغرافية، حيث كانت التأثيرات أكثر وضوحًا في الدراسات التي أُجريت في آسيا، خاصة في الهند، مقارنة بدول أخرى. وقد يُعزى ذلك إلى اختلاف أساليب ممارسة اليوغا، أو إلى عوامل ثقافية وسلوكية تؤثر على نمط الحياة بشكل عام.
لا يمكن اعتبارها بديلًا للعلاج الطبي أو الأنشطة البدنية
ورغم هذه النتائج الواعدة، يشدد الباحثون على أن اليوجا لا يمكن اعتبارها بديلًا للعلاج الطبي أو الأنشطة البدنية الأكثر كثافة عند الحاجة. فالدراسة نفسها تشير إلى وجود قيود، منها تفاوت جودة التجارب، واعتماد مؤشر كتلة الجسم كمقياس وحيد للوزن، واستبعاد مرضى الحالات المزمنة.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى اليوغا كأداة داعمة ضمن منظومة متكاملة لتحسين الصحة القلبية والتمثيل الغذائي، خاصة لمن يبحثون عن وسيلة منخفضة الجهد وآمنة نسبيًا للبدء في نمط حياة أكثر نشاطًا.
في النهاية، قد لا تكون اليوجا الحل السحري، لكنها تمثل خطوة عملية نحو تحسين تدريجي ومستدام، حيث تُظهر أن التغييرات الصغيرة—إذا استمرت—يمكن أن تُحدث أثرًا حقيقيًا في صحة القلب على المدى الطويل.
