أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

«الشيخوخة ليست هزيمة.. دروس نفسية للعيش بسلام بعد منتصف العمر»

«منتصف العمر نقطة تحوّل لا أزمة: رؤية جديدة للصحة النفسية والشيخوخة»

نحن نعيش اليوم أطول من أي وقت مضى، ونتمتع بصحة أفضل، ولم يكن كمّ النصائح حول أسلوب الحياة الصحي أكبر مما هو عليه الآن: لا تدخين، لا إفراط في الكحول، تجنّب الأطعمة فائقة المعالجة، مارس الرياضة، اخرج إلى الطبيعة، تعلّم لغة جديدة. كذلك لم تكن مستحضرات التجميل أو الجراحات الطبية أكثر تطورًا أو انتشارًا، حتى أصبحت إجراءات كان يُنظر إليها قديمًا كمعجزات جزءًا من الحياة اليومية.

ويبدو أن شيئًا ما ينجح بالفعل؛ فمتوسط العمر المتوقع عالميًا هو الأعلى في التاريخ المسجّل، وأسرع الفئات السكانية نموًا اليوم هم من تجاوزوا الثمانين عامًا.

لكن في مقابل القلق المتصاعد بشأن الأعباء التي يفرضها هذا التحول الديموغرافي على أنظمة الرعاية الصحية والاقتصاد، يغيب سؤال أكثر عمقًا، يطرحه عالم النفس الإكلينيكي والروائي فرانك تاليس في كتابه الجديد «حِكمة»: كيف نكبر في السن على نحوٍ جيد؟ ليس جسديًا فحسب، بل نفسيًا أيضًا.

لطالما شكّل منتصف العمر نقطة انعطاف في حياة الإنسان، حيث تبدأ الأسئلة الوجودية في الظهور. في الأربعينيات غالبًا، يعاني كثيرون من طيف من الأعراض، قد يبدأ بنسيان بسيط وشعور عام بالقلق، وقد يصل إلى ضيق نفسي حاد ورغبة جارفة في قلب الحياة رأسًا على عقب، وهي الحالة التي أطلق عليها المحلل النفسي الكندي إليوت جاك «أزمة منتصف العمر».

القهوة صباحا قد تحمي ذاكرتك وقلبك في الشيخوخة
منتصف العمر نقطة انعطاف في حياة الإنسان

أزمة منتصف العمر لدى الرجال ليست كوميديا

ورغم تحوّل المصطلح إلى مادة للسخرية، خاصة عند الحديث عن الرجال، يرى تاليس أن «أزمة منتصف العمر لدى الرجال ليست كوميديا، بل مأساة». ومع ازدياد متوسط الأعمار، يصبح التعامل الواعي مع هذه المرحلة، وما يليها، أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

يرى تاليس أن إنكار الشيخوخة والموت متجذر في ثقافة غربية تتعامل مع التقدّم في السن وكأنه «مشكلة قابلة للحل»، وهو ما يصفه بالوهم والنرجسية. ومن هذا الوهم تنشأ «مشروعات الخلود»، من التجميد الحيوي إلى الهوس بالجمال الرقمي. ويذهب أبعد من ذلك حين يرى أن إنكار أزمة المناخ هو في جوهره «إنكار جماعي للموت على نطاق كوني».

تراجع القدرات الجسدية والحسية قد يتنبأ بضعف الذاكرة

ومع التقدّم في العمر، تتغير بوصلة الحياة؛ يتراجع السعي الخارجي، وتصبح الأهداف أقل وضوحًا، فيما يفرض الجسد الفاني ومرض الأحبة ووفاة الوالدين حضور الموت في الوعي اليومي. هنا، يؤكد تاليس أن لكل إنسان آلياته الخاصة لإدارة هذا القلق الوجودي، لكن الخطر يكمن حين تكون هذه الآليات هشة أو مفرطة أو ضيقة الأفق.

القبول – بأننا نتغير ونشيخ ونموت، وأن بعض ما كنا نفعله لم يعد ممكنًا – لا يعني الهزيمة، بل هو الخطوة الأولى نحو نضج صحي، نتعلم فيه التعايش مع الواقع كما هو، لا كما نتمنى أن يكون.

ويحذّر تاليس من ثقافة التشتيت المستمرة، حيث اختفت لحظات الفراغ التي كان اللاوعي خلالها يعالج تجاربنا. فاليوم، ما إن تتاح ثلاثون ثانية، حتى نلجأ إلى الهاتف الذكي. ونتيجة لذلك، تتراكم المشاعر غير المعالجة، لتظهر ليلًا في صورة أرق أو قلق أو اضطراب نفسي.

مع التقدّم في العمر، تتغير بوصلة الحياة

الاندماج الداخلي

يرى تاليس أن المهمة الأساسية للنصف الثاني من العمر هي «الاندماج الداخلي»؛ أي ربط الحياة الخارجية بالعالم الداخلي، الواعي باللاواعي، لنصبح أكثر تكاملًا وصلابة نفسية، كلٌّ وفق شروطه الخاصة.

ويحذّر كذلك من الخلط بين الذكاء الاصطناعي ولاوعينا الإنساني؛ فبينما يعالج الذكاء الاصطناعي البيانات عبر حسابات احتمالية، يعمل العقل البشري عبر الإحساس والحدس والمشاعر. والاستعانة بالتكنولوجيا بدلًا من الإصغاء للذات قد تؤدي إلى اغتراب أعمق عن النفس.

المهمة الأساسية للنصف الثاني من العمر هي «الاندماج الداخلي»

وفي النهاية، لا يقدّم تاليس «قائمة نصائح جاهزة»، بل يدعو إلى مساحات من الصمت، والانتباه للأحلام، وللهفوات، وللانفعالات في العلاقات القريبة، بوصفها رسائل من الداخل يمكن أن ترشدنا إلى نمو أعمق وحياة أكثر اتساقًا مع ذواتنا.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading