أهم الموضوعاتأخبارصحة الكوكب

السير بين الأشجار يعيد تشكيل هويتك ويمنحك سلامًا داخليًا عميقًا

وقتك في الطبيعة ليس مجرد راحة نفسية.. بل رحلة لاكتشاف الذات

الطبيعة تمنح كبار السن والشباب إحساسًا بالانتماء والمعنى

المشي في الغابة أو قضاء وقت بين الأشجار قد يكون أكثر من مجرد نزهة عابرة، بل تجربة قادرة على إعادة تشكيل هويتك ومنحك سلامًا داخليًا طويل الأمد، وفقًا لدراسة علمية جديدة.

كثيرون يسألون أنفسهم: متى كانت آخر مرة شعروا فيها بسلام عميق، لا يرتبط بمتعة وقتية أو لحظة ترفيهية، بل بإحساس راسخ بالجذور والهوية؟ تشير الدراسة، التي نشرت في دورية People and Nature، إلى أن الطبيعة قد تكون المفتاح إلى هذا السلام الداخلي العميق، الذي يسميه علماء النفس “الرفاهية اليوضايمونية”.

ما هي الرفاهية اليوضايمونية؟

الرفاهية اليوضايمونية مفهوم في علم النفس يختلف عن “اللذة اللحظية” أو المتعة السريعة المرتبطة بالهيدونيزم.

إنها حالة من الرضا الذاتي والوعي بالغاية والمعنى في الحياة، تتجلى في جوانب مثل:

  •  قبول الذات كما هي.
  •  الإحساس بالغرض والهدف.
  •  النمو الشخصي المستمر.
  •  بناء علاقات إنسانية أصيلة.
  •  الشعور بالانتماء والوكالة في اتخاذ القرارات.

الدراسة الجديدة توصلت إلى أن الطبيعة لا تساهم فقط في تحسين المزاج أو تقليل التوتر، بل تعزز هذه المستويات العميقة من الرفاهية التي ترتبط بهوية الإنسان وصورته عن نفسه.

زراعة الأشجار
الأشجار

كيف جرت الدراسة؟

أجرى فريق بحثي من جامعة توركو في فنلندا استبيانًا شمل 158 مشاركًا من سكان المدينة، سُئلوا عن أنماط قضاء وقتهم في الطبيعة ومدى انعكاس ذلك على حياتهم اليومية من حيث الغرض، وقبول الذات، والعلاقات، والاستقلالية، والنمو.

إلى جانب الاستبيان، شارك 20 متطوعًا في ورش كتابة إبداعية، وصفوا من خلالها بتجاربهم الخاصة كيف تؤثر الطبيعة فيهم.

جمع الباحثون بين البيانات الكمية (الأرقام) والكيفية (القصص الشخصية) لالتقاط الصورة الكاملة.

الدكتورة “يوها ياريكاري”، الباحثة الرئيسية، أوضحت أن الهدف كان فهم كيفية دعم الطبيعة للجوانب الأعمق من حياة الإنسان، وليس فقط تأثيرها على الحالة المزاجية.

الطبيعة لا تحكم

أبرز ما لاحظه الباحثون أن المشاركين – بغض النظر عن أعمارهم – وصفوا الطبيعة بأنها “مساحة غير حكمية”.

الأشجار لا تنتقد، الماء لا يقيّم، والسماء لا تصدر أحكامًا. هذا الغياب للحكم خلق شعورًا بالتحرر والصدق مع النفس، وعزز من تقبّل الذات.

كذلك، أظهرت النتائج أن الطبيعة تلعب دورًا مزدوجًا:

• داخليًا: تساعد الفرد على الاستماع لقيمه العميقة واتخاذ قرارات أكثر اتساقًا مع ذاته.

• خارجيًا: تعزز العلاقات مع الآخرين، من الأصدقاء والعائلة، بل وتمدد دوائر الانتماء لتشمل الكائنات الأخرى من طيور وأشجار ومخلوقات حيّة.

السير بين الأشجار

الفروق بين الأجيال

• كبار السن (فوق 60 عامًا): تحدثوا كثيرًا عن لحظات التأمل البطيئة والمشي مع الأحفاد أو الاستمتاع بجلسات هادئة تحت الأشجار، البعض وصف إحساسًا روحانيًا بالارتباط مع الكون والوجود.

• الشباب (15 – 24 عامًا): وجدوا في الطبيعة عزلة صحية، حيث يمكن أن يكونوا بمفردهم دون وحدة أو مع أصدقائهم دون الحاجة لملء الصمت بالكلام. الطبيعة هنا كانت ملاذًا لاكتشاف الذات بعيدًا عن ضغوط المجتمع.

ورغم هذه الفروق، إلا أن كلا الفئتين اتفقتا على أن الطبيعة تمنح معنى وعمقًا لا توفره أماكن أخرى.

الجانب المظلم: القلق البيئي

لم يكن المشهد مثاليًا بالكامل. بعض المشاركين – خصوصًا من فئة الشباب – عبروا عن شعور بالقلق والذنب عند ملاحظة آثار التغير المناخي والدمار البيئي، هذا القلق أضعف في أحيان كثيرة إحساسهم بالراحة، إذ شعروا بأن وجودهم البشري جزء من المشكلة البيئية.

أبعد من تقليل التوتر

تشير هذه النتائج إلى أن الطبيعة ليست مجرد وسيلة لتخفيف الضغط النفسي أو استعادة الانتباه، كما أظهرت أبحاث سابقة، بل هي بيئة لتشكيل الهوية والوعي الذاتي.

الباحثة “سالا إيلولا”، المشاركة في الدراسة، تؤكد أن هذا الاكتشاف له تبعات عملية مهمة:

• التخطيط العمراني: لا ينبغي أن تقتصر قيمة الحدائق العامة على جذب العدّائين أو الرياضيين، بل يجب أن توفر مساحات هادئة للتأمل وبناء العلاقات.

• المجتمع: النقاش العام حول دور الطبيعة في حياتنا يجب أن يركز على قيمتها الوجودية، لا فقط الترفيهية.

خطوات صغيرة.. أثر عميق

الرسالة الأبرز من الدراسة أن الاستفادة من الطبيعة لا تتطلب خططًا معقدة.

يكفي اختيار بقعة خضراء قريبة – حديقة، ممشى، أو حتى شجرة في شارع جانبي – وزيارتها بانتظام، بعيدًا عن الشاشات والضوضاء.

المشي ببطء، مشاركة اللحظة مع الأطفال أو الكبار، أو مجرد الجلوس والتأمل، كلها خطوات صغيرة لكنها قادرة على ترك أثر عميق على سلامك الداخلي ونموك الشخصي.

فالطبيعة ليست “أداة إنتاجية” بقدر ما هي باب بسيط نحو حياة أكثر صدقًا ومعنى.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading