أخبارالاقتصاد الأخضرابتكارات ومبادرات

الذكاء الاصطناعي ينجح في التجارب ويفشل في الإبداع.. لماذا لا يستطيع البحث عن نفسه؟

6 أيام و3 آلاف دولار.. ماذا فعل الذكاء الاصطناعي عندما طُلب منه إجراء بحث علمي كامل؟

من قراءة الأبحاث إلى ابتكارها.. الذكاء الاصطناعي يقترب لكنه لا يزال بعيدًا عن «العالِم المستقل»

حقق الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة تقدمًا لافتًا في تحليل الأبحاث العلمية، وكتابة الأكواد، وإجراء التجارب، بل وتطوير خوارزميات جديدة، لكن تجربة حديثة كشفت أن انتقاله من «مساعد للباحث» إلى «عالم مستقل» لا يزال بعيدًا، خصوصًا عندما يُطلب منه ابتكار أفكار بحثية أصلية واتخاذ قرارات بشأن الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه البحث.

وتوصل باحثون إلى هذه النتيجة بعد إخضاع نظام ذكاء اصطناعي لاختبار أكثر صرامة من مجرد التحكيم التقليدي، إذ طلبوا منه إجراء أبحاث انطلاقًا من سؤالين علميين حقيقيين، ثم عرضوا النتائج على أصحاب الأبحاث الأصلية أنفسهم لتقييمها.

وكانت النتيجة لافتة: النظام نجح بدرجة كبيرة في الجانب الهندسي من العمل، لكنه حصل على تقييمات منخفضة للغاية فيما يتعلق بجودة البحث نفسه.

من «العالِم الاصطناعي» إلى اختبار أكثر صرامة

يأتي الاختبار في وقت تتزايد فيه محاولات تطوير ما يعرف باسم «العلماء بالذكاء الاصطناعي» أو AI Scientists، وهي أنظمة قادرة نظريًا على تنفيذ سلسلة كاملة من خطوات البحث العلمي، بدءًا من توليد الفكرة، مرورًا بتصميم التجارب وتحليل النتائج، وصولًا إلى كتابة الورقة العلمية ومراجعتها.

وكان فريق من شركة Sakana AI في طوكيو من أوائل الفرق التي دفعت بهذا الاتجاه، عندما قدم في عام 2024 نظامًا أطلق عليه اسم The AI Scientist.

وتطور النظام لاحقًا، ونُشرت نتائج نسخة محسنة منه في مجلة Nature في مارس الماضي.

وقد تمكن النظام في إحدى التجارب من إنتاج أوراق بحثية في مجال تعلم الآلة، وخضعت ثلاث منها للتحكيم في ورشة عمل علمية، وحصلت إحداها على درجة كانت كافية للقبول.

لكن الباحثين وراء التجربة الجديدة رأوا أن التحكيم التقليدي ليس اختبارًا كافيًا للحكم على قدرة الذكاء الاصطناعي على إجراء أبحاث أصلية.

الذكاء الاصطناعي

«تقييم الظل».. اختبار العلماء بدلًا من المحكمين

لهذا السبب، طور ساياش كابور، عالم الكمبيوتر في جامعة برينستون، وزملاؤه اختبارًا أطلقوا عليه اسم Shadow Evaluation أو «تقييم الظل».

الفكرة بسيطة لكنها أكثر صرامة، اختار الباحثون ورقتين بحثيتين قدمتا إلى مؤتمر NeurIPS هذا العام، ثم طلبوا من نظام ذكاء اصطناعي إجراء بحث جديد وكتابة ورقة علمية انطلاقًا من السؤال البحثي الموجود في كل منهما.

لكن بدلًا من الاعتماد على محكمين مجهولين لتقييم النتيجة، أعطى الفريق الأوراق الناتجة إلى المؤلفين الأصليين للأبحاث لفحصها بدقة.

والسبب أن أصحاب البحث الأصلي أكثر دراية بالموضوع، ولديهم حافز أكبر لقضاء الوقت اللازم في اكتشاف نقاط القوة والضعف في العمل الجديد، مقارنة بمحكم قد يكون أمامه عدد كبير من الأوراق ووقت محدود.

ماذا طلب الباحثون من الذكاء الاصطناعي؟

استخدم الفريق نموذج اللغة الكبير Claude Opus 4.8 داخل نسخة معدلة من نظام الوكلاء OpenClaw، ثم أضافوا إليه طبقة أوسع من التعليمات وأدوات مراقبة التقدم.

ولم يكن النظام مجرد نموذج محادثة يجيب عن الأسئلة.

فقد حصل على مجموعة من الأدوات التي تتيح له:

  •  إنشاء وكلاء فرعيين لتنفيذ مهام مختلفة.
  •  الوصول إلى الإنترنت.
  •  استخدام مكتبات برمجية.
  •  تشغيل البرامج والتجارب.
  •  الاستفادة من موارد الحوسبة.
  •  استخدام أدوات تحاكي عملية التحكيم العلمي.

وأُعطي النظام ستة أيام لإجراء كل بحث، إضافة إلى ما يصل إلى 3 آلاف دولار من أرصدة الحوسبة.

مهمتان بحثيتان معقدتان

في المهمة الأولى، طُلب من النظام، انطلاقًا من الاتجاه البحثي للورقة الأصلية، تصميم طريقة للتحكم الدقيق في شخصية روبوتات المحادثة.

أما المهمة الثانية، فكان عليه تصميم كاشف لفشل نوع معين من الشبكات العصبية.

وكان الباحثون يريدون معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على تجاوز مجرد تحسين التقنيات الموجودة، والانتقال إلى إنتاج أفكار وحلول بحثية جديدة.

الذكاء الاصطناعي

مفاجأة: الذكاء الاصطناعي كان قويًا في الهندسة

كانت إحدى أكثر النتائج إثارة أن النظام أظهر قدرة جيدة على تنفيذ الجانب العملي من البحث.

فخلال عدة أيام، تمكن من إجراء مئات التجارب دون أن يتوقف بسبب حلقات من الأخطاء التي لا يمكن حلها.

كما أجرى مراجعات جيدة للأدبيات العلمية، وتمكن من الوصول إلى بعض النتائج الصغيرة الجديدة.

والأكثر إثارة أن النظام استطاع أحيانًا اكتشاف ادعاءاته الخاطئة بنفسه، وهي مشكلة تعرف عادة باسم «الهلوسة» في أنظمة الذكاء الاصطناعي.

كما لم يحاول النظام، وفق الباحثين، التحايل على المهمة أو اختصار الطريق لتحقيق نتيجة تبدو ناجحة من الناحية الشكلية، وهو سلوك يعرف في أبحاث الذكاء الاصطناعي باسم Reward Hacking ، لكن النجاح في تنفيذ التجارب لم يكن كافيًا.

النتيجة الصادمة: 2 من 6 و1 من 6

عندما قيّم مؤلفو الأبحاث الأصلية النتائج، حصل النظام على درجتين من ست في إحدى المهمتين، ودرجة واحدة من ست في المهمة الأخرى.

أي أن النظام، رغم قدرته الكبيرة على العمل لساعات طويلة وتشغيل مئات التجارب، لم ينجح في تقديم بحث يراه أصحاب الخبرة الأصلية ذا قيمة عالية.

وهنا ظهرت إحدى أهم نقاط الضعف.

الذكاء الاصطناعي لا يعرف متى يتراجع

كان النظام يختار عددًا من الفرضيات التي يريد اختبارها، ثم يميل إلى الاستقرار مبكرًا على إحدى الأفكار.

وعندما لا تعمل الفكرة كما ينبغي، لم يكن يتراجع بالقدر الكافي لإعادة التفكير في المسار من البداية.

وبدلًا من التخلي عن الفرضية والبحث عن اتجاه جديد، كان يستمر في المسار نفسه، ثم يقلص ادعاءاته تدريجيًا حتى يصل في النهاية إلى نتائج محدودة لا تحمل قيمة علمية كبيرة.

وهذه النقطة تكشف فرقًا مهمًا بين تنفيذ البحث واتخاذ القرار بشأن البحث.

فالآلة تستطيع إجراء تجربة تلو الأخرى، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الإجابة عن السؤال الأصعب:

هل هذه الفكرة تستحق الاستمرار أصلًا؟

المراجعة الذاتية لم تكن كافية

حاول النظام أيضًا مراجعة عمله بنفسه، لكن الباحثين وجدوا أن المراجعة الذاتية لم تكن سلبية بما يكفي.

بمعنى آخر، لم يكن قادرًا دائمًا على الاعتراف بأن المسار الذي اختاره في البداية كان خاطئًا وأن عليه العودة إلى نقطة الصفر.

وهذه المشكلة قد تكون جوهرية في البحث العلمي، لأن التقدم لا يأتي دائمًا من تنفيذ الخطة الأولى بصورة أفضل، بل أحيانًا من التخلي عنها تمامًا.

فقاعة الذكاء الاصطناعي تحت المجهر.. تحذيرات من دورة ازدهار وانفجار
الذكاء الاصطناعي

مشكلة أخرى: فهم السياق والتعليمات

وجد الباحثون كذلك أن النظام لم يتبع التعليمات بالكامل في بعض الحالات، ولم يستوعب السياق العلمي بصورة كافية.

كما ترك جزءًا من الوقت والقدرة الحاسوبية المتاحة له دون استخدام.

وفوق ذلك، كانت الأوراق التي أنتجها تعاني من مشكلات في الكتابة والتنسيق والعرض.

لكن الباحثين اعتبروا أن المشكلة الأهم كانت أعمق من الشكل، وهي أن النظام افتقر إلى القدر الكافي من الإبداع البحثي.

هل يعني ذلك أن «العالِم الاصطناعي» فشل؟… ليس بالضرورة.

فأحد المشاركين في تطوير نظام The AI Scientist، كونغ لو، يرى أن الاختبار الجديد يمثل نتيجة مهمة، لكنه يعتقد أن النظام الذي استخدمه الباحثون لم يحصل على القيود والتوجيهات الكافية.

ويرى أن بعض المشكلات التي ظهرت كان من الممكن حلها بسهولة من خلال بناء إطار أكثر تقييدًا للنظام، شبيه بالإطار المستخدم في The AI Scientist.

وبالتالي، فإن الخلاف بين الباحثين لا يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مفيدًا في البحث العلمي، وإنما حول مدى اقترابه من الاستقلال الكامل.

الذكاء الاصطناعي يستطيع التحسين.. لكن هل يستطيع الاكتشاف؟

هذه التجربة تعيد طرح سؤال أساسي في مستقبل البحث العلمي: هل الذكاء الاصطناعي جيد في تحسين ما نعرفه بالفعل أكثر من قدرته على اكتشاف شيء لم نكن نعرفه؟

حتى الآن، تشير التجارب إلى أنه يستطيع أن يكون فعالًا للغاية في المهام المحددة، خصوصًا عندما تكون المشكلة واضحة ويمكن قياس النجاح فيها.

لكن البحث العلمي المفتوح النهاية مختلف، فالباحث الحقيقي لا يكتفي بسؤال: كيف أحل هذه المشكلة؟
بل يسأل أولًا: أي مشكلة تستحق أن أحاول حلها؟

وهنا تظهر إحدى أصعب المهارات التي لم تُختبر بالكامل لدى أنظمة الذكاء الاصطناعي: الذوق البحثي.

ما هو «الذوق البحثي»؟

يقصد الباحثون بالذوق البحثي القدرة على تحديد الموضوعات والأسئلة التي تستحق الوقت والجهد والاستثمار العلمي.

فقد تكون هناك آلاف المشكلات التي يمكن حلها، لكن القليل منها فقط يمكن أن يؤدي إلى اكتشاف مهم أو يغير مجالًا علميًا كاملًا.

وهذه القدرة لا تعتمد فقط على قراءة الأدبيات أو تحليل البيانات، وإنما تتطلب فهمًا عميقًا للسياق، وتقديرًا لأهمية السؤال، وقدرة على توقع أين يمكن أن يكون الاختراق العلمي القادم، وهذا تحديدًا لم يكن هدف التجربة الحالية تقييمه.

الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى مرحلة الباحث المستقل

يقول كابور إن أتمتة البحث العلمي المفتوح بالكامل ليست قريبة في الوقت الحالي، فالذكاء الاصطناعي حقق بالفعل تحسينات مهمة في مهام محددة، ويمكنه إجراء تجارب على نطاق واسع، والبحث في الأدبيات، وكتابة الأكواد، وتحليل النتائج.

لكن ذلك لا يعني أنه أصبح قادرًا على إدارة عملية البحث العلمي من بدايتها إلى نهايتها بصورة مستقلة وموثوقة.

وقد تكون المفارقة أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على إجراء مئات التجارب خلال أيام، لكنه لا يزال يواجه صعوبة في اتخاذ القرار الأهم: متى يتوقف عن تجربة الفكرة نفسها ويبدأ في البحث عن فكرة أخرى؟

الطريق لا يزال مفتوحًا

مع ذلك، لا يرى الباحثون أن هذه النتيجة تمثل نهاية فكرة «العالِم الآلي»، فالفريق يختبر حاليًا نماذج أكثر تطورًا، ويعمل على تحسين الأطر التي توجه الوكلاء، كما يجمع أوراقًا بحثية إضافية لإخضاعها لاختبارات «تقييم الظل».

وبالتالي، قد يكون ما ظهر في التجربة الحالية مجرد لقطة في مرحلة مبكرة من تطور أنظمة البحث الذاتي.

لكنها في الوقت نفسه تضع حدًا مهمًا للتوقعات المتفائلة بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدال العلماء قريبًا.

فالآلة أصبحت قادرة على قراءة ما كتبه العلماء، وإجراء التجارب، وتحليل النتائج، بل وكتابة أوراق كاملة.

لكن السؤال الأصعب لا يزال مفتوحًا: هل تستطيع أن تعرف بنفسها ما الذي يستحق أن يصبح اكتشافًا علميًا؟
حتى الآن، الإجابة الأقرب هي: ليس بعد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة