2.85 مليار طن من الكربون.. الثمن المناخي لتوسع الذكاء الاصطناعي

"وادي الكربون".. مفهوم جديد يسلط الضوء على الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي

كشفت دراسة علمية حديثة أن التوسع المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى استهلاك جزء ملموس من الميزانية الكربونية المتبقية للأرض، وذلك قبل أن تبدأ هذه التقنيات في تحقيق وفورات حقيقية في الانبعاثات أو دعم جهود مكافحة تغير المناخ.

وأجريت الدراسة بقيادة ياسين الشرابي، الباحث في الجغرافيا بجامعة Kuwait University، الذي طور نموذجًا جديدًا لتتبع توقيت الانبعاثات الكربونية الناتجة عن بناء وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، ومقارنتها بالفوائد المناخية المتوقعة منها في المستقبل.

وأظهرت النتائج وجود فترة انتقالية أطلق عليها الباحث اسم “وادي الكربون”، وهي المرحلة التي تتجاوز فيها الانبعاثات الناتجة عن إنشاء وتشغيل البنية التحتية للذكاء الاصطناعي حجم الانبعاثات التي يمكن للتقنية المساعدة في تجنبها أو خفضها.

وأوضح الباحث أن أهمية هذه الفترة تعود إلى أن الاحترار العالمي يرتبط بإجمالي الكربون المتراكم في الغلاف الجوي، وليس فقط بمعدلات الانبعاثات السنوية، ما يعني أن أي زيادة كبيرة في الانبعاثات خلال السنوات القليلة المقبلة قد تؤثر في قدرة العالم على البقاء ضمن هدف الحد من ارتفاع درجات الحرارة عند 1.5 درجة مئوية.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Communications Earth & Environment العلمية.

مراكز البيانات

ووفقًا للسيناريو الأسرع نموًا الذي حمل اسم “الإقلاع السريع”، يمكن أن يضيف الذكاء الاصطناعي نحو 2.85 مليار طن متري من الكربون إلى الغلاف الجوي قبل أن تبدأ وفورات الانبعاثات السنوية في تجاوز هذه التكلفة بحلول أواخر عام 2031.

وأشارت الدراسة إلى أن الجزء الأكبر من هذه الانبعاثات يأتي من استهلاك الكهرباء اللازم لتشغيل مراكز البيانات على مدار الساعة، إذ يمثل هذا العامل وحده ما يقرب من ملياري طن من الكربون.

كما أن زيادة الطلب على الكهرباء تدفع غالبًا إلى تشغيل محطات توليد إضافية تكون أكثر اعتمادًا على الوقود الأحفوري، ما يضيف نحو مليار طن أخرى من الانبعاثات الكربونية.

أما تصنيع الرقائق الإلكترونية والمعدات الحاسوبية المستخدمة في تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي، فيسهم بنحو 20 مليون طن من الانبعاثات، مع توقع ارتفاع هذا الرقم مع كل جيل جديد من الأجهزة عالية الأداء.

وتوضح الدراسة أن تحسين كفاءة الشرائح الإلكترونية لا يكفي وحده لتقليل البصمة الكربونية، بسبب ما يعرف بـ”أثر الارتداد”، حيث تؤدي زيادة الكفاءة إلى توسيع نطاق الاستخدام بدلاً من خفض الاستهلاك الإجمالي للطاقة.

فعلى الرغم من أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد توفر نحو 154 تيراواط/ساعة من الكهرباء بحلول عام 2030، فإن التوسع في بناء البنية التحتية الرقمية قد يضيف نحو 318 تيراواط/ساعة من الطلب الإضافي على الطاقة، أي أكثر من ضعف حجم التوفير المتوقع.

كما لفتت الدراسة إلى أن موقع مراكز البيانات يلعب دورًا حاسمًا في حجم الانبعاثات الناتجة عنها.

ففي المناطق الحارة، مثل أجزاء واسعة من الشرق الأوسط، تستهلك مراكز البيانات كميات أكبر من الكهرباء لأغراض التبريد مقارنة بالمناطق المعتدلة أو الباردة.

مراكز البيانات

وأظهرت الحسابات أن مراكز البيانات في المناطق الحارة قد تحتاج إلى طاقة إضافية تتراوح بين 37% و45% مقارنة بنظيراتها في المناطق الأكثر برودة، ما يزيد من الأعباء الكربونية المرتبطة بتشغيلها.

وأكد الباحثون أن سرعة توظيف الذكاء الاصطناعي في خفض الانبعاثات داخل قطاعات الطاقة والصناعة والنقل تمثل العامل الأهم في تقليص حجم “الدين الكربوني” الناتج عن هذه التكنولوجيا.

فكل سنة من التأخير في اعتماد الحلول القائمة على الذكاء الاصطناعي يمكن أن تضيف نحو 450 مليون طن من الكربون إلى الفجوة بين الانبعاثات الحالية والفوائد المستقبلية.

ووفقًا للنموذج، فإن تأخير نشر تطبيقات الذكاء الاصطناعي المناخية لمدة ثلاث سنوات قد يرفع الدين الكربوني من 2.85 مليار طن إلى نحو 4.2 مليار طن، بينما قد يتجاوز 5.1 مليار طن إذا امتد التأخير إلى خمس سنوات.

وتشير الدراسة إلى أن وفورات الانبعاثات التي يحققها الذكاء الاصطناعي في المستقبل لا تعني إزالة الكربون الذي أُطلق بالفعل إلى الغلاف الجوي، بل تقتصر على تجنب انبعاثات إضافية كان من الممكن أن تحدث لاحقًا.

مراكز البيانات

ولذلك يرى الباحثون أن إدارة توقيت استخدام الذكاء الاصطناعي أصبحت عاملًا حاسمًا في تقييم أثره المناخي، بما في ذلك تشغيل المهام الحاسوبية الثقيلة خلال فترات وفرة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، أو إنشاء مراكز البيانات في مناطق أكثر برودة لتقليل احتياجات التبريد.

وخلصت الدراسة إلى أن السؤال الأساسي لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحقق فوائد مناخية مستقبلًا، بل متى ستتحقق هذه الفوائد مقارنة بالتكلفة الكربونية الكبيرة التي يتحملها العالم في المرحلة الحالية.

ونُشرت نتائج الدراسة في دورية Communications Earth & Environment العلمية.

Exit mobile version