الذكاء الاصطناعي قادر على خفض 5.4 مليار طن من الكربون سنويًا في 3 قطاعات حيوية

الغذاء والطاقة والنقل.. الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة في مكافحة تغير المناخ

يُعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الصناعات العالمية بسرعة غير مسبوقة، لكنه ليس مجرد أداة للإنتاج أو الربح؛ بل قد يكون أيضًا منقذًا محوريًا لكوكب الأرض في معركته ضد التغير المناخي.

دراسة حديثة نشرتها مجلة npj Climate Action تؤكد أن تطبيق الذكاء الاصطناعي بذكاء يمكن أن يخفض انبعاثات الكربون العالمية بما يصل إلى 5.4 مليار طن سنويًا بحلول عام 2035 — أي ما يعادل تقريبًا مجمل الانبعاثات السنوية للولايات المتحدة اليوم.

الذكاء الاصطناعي

دراسة «أخضر وذكي»: أين يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث أكبر تأثير؟

الدراسة التي حملت عنوان «أخضر وذكي: دور الذكاء الاصطناعي في التحول المناخي» أعدها باحثون من كلية لندن للاقتصاد وشركة Systemiq، وحددت ثلاثة قطاعات رئيسية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فيها تأثيرًا بيئيًا ضخمًا:

قطاع الغذاء والزراعة: بتخفيض محتمل يتراوح بين 0.9 و1.6 مليار طن سنويًا من مكافئ ثاني أكسيد الكربون — وقد يصل الرقم في سيناريو طموح للغاية إلى 3 مليارات طن.

– قطاع الكهرباء والطاقة: بنحو 1.8 مليار طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون سنويًا.

قطاع النقل والتنقل: بما يصل إلى 0.6 مليار طن سنويًا.

إجمالًا، يمكن لهذه القطاعات الثلاثة أن تساهم في خفض نحو 8% إلى 10% من الانبعاثات العالمية، وهو رقم ضخم يقرب العالم خطوة كبيرة نحو تحقيق أهداف اتفاقية باريس للمناخ، التي تسعى للإبقاء على الاحترار العالمي أقل من درجتين مئويتين.

الذكاء الاصطناعي

كيف يفعلها الذكاء الاصطناعي؟

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في قدرته على تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة، واكتشاف أنماط دقيقة، واتخاذ قرارات فورية لتحسين الكفاءة وتقليل الهدر. وإليك تفصيلًا لدوره في كل قطاع:

الغذاء والزراعة

في هذا القطاع، يستخدم الذكاء الاصطناعي المستشعرات الذكية وأدوات التعلم الآلي لمساعدة المزارعين على ري الأرض بكميات المياه المثلى، وتقليل استخدام الأسمدة والمبيدات، مما يخفف من الأضرار البيئية.

يُمكّن ما يُعرف بـ«الزراعة الدقيقة» من إنتاج غذاء أكثر باستخدام موارد أقل، ويحسن التنبؤ بالمحاصيل وتوزيع الغذاء لتقليل الهدر الناتج عن التخزين والنقل.

الكهرباء والطاقة

يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين توازن العرض والطلب على الطاقة، وإدارة الشبكات بكفاءة أكبر، وتكامل مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والشمس.

كما يسمح بالتنبؤ بالاستهلاك، وتحسين تخزين الطاقة، وتقليل الحاجة للاعتماد على محطات الفحم والغاز كثيفة الانبعاثات.

النقل والتنقل

في قطاع النقل، يدير الذكاء الاصطناعي مسارات الأساطيل لتجنب الزحام، وتقليل أوقات التوقف، وخفض استهلاك الوقود.

كما يُعد عنصرًا رئيسيًا في تطوير المركبات ذاتية القيادة، التي يمكن أن تقلل الانبعاثات وتحسن السلامة على الطرق.

حتى أن أنظمة النقل الذكية قد تخفض استهلاك الطاقة بنسبة 15% تقريبًا، بحسب تقديرات الدراسة.

الذكاء الاصطناعي

قطاعات أخرى مستفيدة

الدراسة لم تقف عند هذه القطاعات الثلاثة. فالذكاء الاصطناعي يُظهر فاعلية ملحوظة أيضًا في الصناعات «الصعبة» مثل إنتاج الإسمنت والصلب، حيث يخفض الهدر ويحسن كفاءة العمليات.

ووفق تقرير لماكينزي، يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي الشركات على خفض انبعاثاتها بنسبة تصل إلى 10%، وتقليل تكاليف الطاقة بين 10% و20%.

لا حلول سحرية: السياسة والحوكمة أساسيان

رغم هذه الإمكانات الهائلة، يحذر الباحثون من أن هذه الفوائد لن تتحقق تلقائيًا.

فبدون سياسات تنظيمية، ومعايير واضحة، وحوافز للمستثمرين، قد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الانبعاثات بدلًا من خفضها — نتيجة ارتفاع استهلاك الطاقة في مراكز البيانات، أو زيادة الاستهلاك بسبب مكاسب الكفاءة (ما يُعرف بـ«تأثير الارتداد»).

لذلك، أوصت الدراسة بما يلي:

الاستثمار في تطبيقات ذكاء اصطناعي تركز على المناخ.

– توفير بيانات بيئية عالية الجودة بشكل مفتوح.

– سن معايير وتوجيهات للاستخدام المسؤول.

– إشراك الدول النامية، التي غالبًا ما تعاني من أكبر مخاطر المناخ وأقل وصول للتكنولوجيا.

الذكاء الاصطناعي: أكثر من أداة، شريك في الحل

الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بخفض الانبعاثات، بل يُسهم أيضًا في تحسين إزالة الكربون، وتتبع الكربون المخزن في الغابات والتربة، والتخطيط للتكيف مع الكوارث المناخية كالفيضانات وموجات الحر، وإدارة المباني لتقليل الهدر مع الحفاظ على الراحة.

بدأت الحكومات تدرك هذه الفرص. أطلق الاتحاد الأوروبي وكندا مبادرات لدعم «الذكاء الاصطناعي الأخضر»، بينما تطور شركات كبرى مثل جوجل ومايكروسوفت وأمازون أدوات ذكية للتنبؤ بالمناخ وتتبع الكربون.

سباق مع الزمن

بينما تتأخر العديد من الدول عن تحقيق أهداف 2030 و2050 المناخية، يقدم الذكاء الاصطناعي فرصة نادرة لسد الفجوة — بسرعة وكفاءة وتكلفة معقولة.

حتى في القطاع الخاص، أصبحت حلول الذكاء الاصطناعي المناخية محور اهتمام المستثمرين الذين يراقبون أداء الشركات وفق معايير ESG (البيئة والمجتمع والحوكمة).

خلاصة

قد يصبح الذكاء الاصطناعي أحد أقوى حلفاء البشرية في مواجهة أزمة المناخ — لكنه سيف ذو حدين. فعلى الحكومات والشركات والمجتمع الدولي العمل معًا لضمان أن تُستخدم هذه التكنولوجيا لخدمة كوكب الأرض بدلًا من الإضرار به.

Exit mobile version