الجنوب العالمي في قلب أزمة المناخ.. حضور غائب وتأثير مضاعف
قاعدة بيانات جديدة تعيد الاعتبار لخبراء المناخ في الجنوب العالمي
يُعدّ تغير المناخ أحد أخطر وأعقد التحديات التي تواجه البشرية في العصر الحديث. فلم يعد خطرًا مستقبليًا أو احتمالًا نظريًا، بل أصبح واقعًا ملموسًا تعيشه جميع دول العالم دون استثناء، من موجات حر قياسية تضرب المدن، إلى فيضانات مدمرة تجتاح السواحل والأنهار، وجفاف طويل الأمد يهدد الأمن الغذائي والمائي لملايين البشر.
ورغم أن هذه الآثار باتت عالمية، فإن جذور الأزمة ومسؤولياتها، وكذلك تبعاتها، ليست موزعة بالتساوي بين الدول والمجتمعات.
مسؤولية غير متكافئة… وتأثيرات غير عادلة
تتحمل الدول الصناعية الغنية النصيب الأكبر من المسؤولية التاريخية عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي تقف وراء ظاهرة الاحترار العالمي، فعلى مدار قرون من التصنيع والنمو الاقتصادي المعتمد على الوقود الأحفوري، راكمت دول الشمال العالمي ثروات هائلة، كان لها في الوقت ذاته ثمن بيئي باهظ.
في المقابل، تجد الدول الفقيرة والنامية، ومعظمها يقع ضمن ما يُعرف بـ”الجنوب العالمي”، نفسها في مواجهة مباشرة مع أشد آثار تغير المناخ قسوة، رغم مساهمتها المحدودة في التسبب بالأزمة.
وتشمل هذه المجتمعات صغار المزارعين، وسكان المناطق الساحلية المنخفضة، وسكان الأحياء العشوائية، والشعوب الأصلية، الذين يفتقر كثير منهم إلى الموارد اللازمة للتكيف أو الحماية.
ومع ذلك، فإن هذه الفئات، على الرغم من كونها الأكثر تضررًا، غالبًا ما تكون الأقل تمثيلًا في النقاشات العلمية والإعلامية المتعلقة بالمناخ.

فجوة التمثيل في علوم المناخ
يتجلّى هذا الخلل بوضوح في منظومة البحث العلمي نفسها، وبخاصة في مجال علوم المناخ، ففي عام 2021، وخلال العمل على سلسلة تقارير حول العدالة المناخية، أُجري تحليل معمّق لأكثر 100 دراسة علمية هي الأعلى استشهادًا في مجال تغير المناخ خلال الفترة من 2016 إلى 2020.
شملت هذه الدراسات نحو 1300 باحث وباحثة، جرى تتبع المؤسسات الأكاديمية التي ينتمون إليها، وجاءت النتائج كاشفة لحجم عدم التوازن الجغرافي في إنتاج المعرفة المناخية.
فقد تبيّن أن ما يقرب من ثلاثة أرباع الباحثين ينتمون إلى مؤسسات تقع في أوروبا وأمريكا الشمالية.
وتصدرت الولايات المتحدة وأستراليا والمملكة المتحدة القائمة، حيث شكّلت مجتمعة أكثر من نصف عدد الباحثين المشاركين في هذه الدراسات.
الأكثر لفتًا للنظر أن تسع دراسات من كل عشر تضمنت على الأقل باحثًا واحدًا من الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة أو أستراليا، ما يعكس هيمنة شبه مطلقة لدول بعينها على المعرفة العلمية الأكثر تأثيرًا في هذا المجال.
في المقابل، كان تمثيل الجنوب العالمي محدودًا للغاية. فقرابة نصف الباحثين المنتمين إلى دول الجنوب العالمي جاءوا من الصين وحدها، بينما لم تتجاوز نسبة الباحثين العاملين في مؤسسات أفريقية 1% فقط من إجمالي العينة.
عوائق هيكلية أمام باحثي الجنوب العالمي
لفهم أسباب هذا التفاوت الحاد، أُجريت مقابلات مطوّلة مع علماء من مختلف أنحاء العالم، لا سيما من الدول النامية.
وكشفت هذه الحوارات عن شبكة معقدة من العوائق التي تحول دون مشاركة عادلة ومتوازنة في إنتاج المعرفة المناخية.
من أبرز هذه التحديات نقص التمويل البحثي، إذ تعاني كثير من الجامعات ومراكز الأبحاث في الجنوب العالمي من محدودية الموارد، ما يقيّد قدرتها على تنفيذ دراسات طويلة الأمد أو استخدام أحدث التقنيات.
كما برزت الحواجز اللغوية كعامل مؤثر، في ظل هيمنة اللغة الإنجليزية على النشر العلمي، وهو ما يفرض أعباء إضافية على الباحثين غير الناطقين بها، سواء من حيث الوقت أو التكلفة أو فرص القبول.
إلى جانب ذلك، أشار باحثون كثر إلى اختلال موازين القوة في التعاونات البحثية الدولية، حيث تُدار العديد من المشروعات المشتركة من مؤسسات في الشمال العالمي، بينما يقتصر دور باحثي الجنوب على جمع البيانات الميدانية دون مشاركة حقيقية في التحليل أو صياغة النتائج.
ولا تقل أهمية عن ذلك التحيزات داخل نظام التحكيم والنشر العلمي، فضلًا عن صعوبة الوصول إلى قواعد البيانات والمجلات العلمية المدفوعة، ما يحد من قدرة الباحثين على الإحاطة بأحدث ما نُشر في مجال تخصصهم.
تأثيرات تتجاوز المسار الأكاديمي
لا تقتصر آثار هذا الخلل على المسارات المهنية للباحثين فحسب، بل تمتد لتطال جودة المعرفة العلمية ذاتها.
فضعف تمثيل الجنوب العالمي في الأدبيات المناخية يؤدي إلى انحياز في الأسئلة البحثية المطروحة، وإلى إغفال قضايا حيوية تتعلق بالتكيف، والخسائر والأضرار، وسبل العيش المحلية.
وبذلك، تتشكل صورة غير مكتملة عن أزمة المناخ، تُبنى في الغالب على أولويات وتجارب دول الشمال العالمي، بينما تُهمَّش تجارب المجتمعات التي تقف في الخطوط الأمامية للأزمة.
الإعلام ودوره في كسر الحلقة المغلقة
يمتد هذا التحيز أيضًا إلى التغطية الإعلامية لتغير المناخ، حيث تعتمد وسائل الإعلام كثيرًا على الخبراء المعروفين أكاديميًا، الذين غالبًا ما ينتمون إلى مؤسسات غربية مرموقة.
ويؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الحلقة ذاتها من الإقصاء، حيث يقل حضور أصوات الجنوب العالمي في النقاش العام.
وفي محاولة لمعالجة هذا الخلل، برزت مبادرات تهدف إلى تسهيل وصول الصحفيين إلى خبراء من دول الجنوب، ومنحهم مساحة أوسع للتعبير عن رؤاهم وتجاربهم.
قاعدة بيانات مناخ الجنوب العالمي
في هذا السياق، أُطلقت قاعدة بيانات “خبراء المناخ في الجنوب العالمي”، بالتعاون مع شبكة أكسفورد للصحافة المناخية.
وتُعدّ هذه القاعدة أداة مجانية تهدف إلى ربط الصحفيين بخبراء متخصصين من الدول النامية ، تضم القاعدة أكثر من ألف خبير في مجالات متعددة، من علوم الغلاف الجوي، إلى القانون والسياسات المناخية، والتحليل الاقتصادي.
ويمثل هؤلاء الخبراء أكثر من 100 دولة، ويتحدثون ما يزيد على 75 لغة، إلى جانب إجادتهم للغة الإنجليزية.
واللافت أن جميع الخبراء المسجلين انضموا بمبادرة شخصية، في إشارة واضحة إلى رغبتهم في التفاعل مع وسائل الإعلام والمساهمة في النقاش العام حول المناخ.
نحو معرفة مناخية أكثر عدالة
إن إدماج أصوات الجنوب العالمي في البحث العلمي والإعلامي ليس مجرد مسألة تمثيل رمزي، بل شرط أساسي لبناء استجابات فعّالة وعادلة لتغير المناخ.
فالمجتمعات الأكثر تضررًا تمتلك معارف محلية وتجارب عملية لا غنى عنها لفهم طبيعة الأزمة وسبل مواجهتها.
ومن دون هذه الأصوات، ستظل السياسات المناخية قاصرة عن معالجة جذور المشكلة، وستستمر الفجوة بين من يتحملون المسؤولية ومن يدفعون الثمن.
الاستماع إلى الجنوب العالمي ليس خيارًا إضافيًا، بل ضرورة أخلاقية وعلمية لضمان مستقبل أكثر عدلًا واستدامة للجميع.





