عالم أحياء يحذر: إذا لم نوقف تغير المناخ الآن فلن ينفعنا أي شيء آخر

الزراعة المتجددة واستعادة التربة.. حلول لمواجهة الجفاف لكنها لن تنجح دون كبح تغير المناخ

لم تعد تداعيات الجفاف تقتصر على جفاف الأنهار واصفرار المساحات الخضراء، بل امتدت لتصل إلى موائد الغذاء وصنابير المياه والمنازل، في ظل تزايد الضغوط على الزراعة والتربة والموارد المائية، مع تفاقم آثار تغير المناخ.

وتكشف تجربة فرنسا خلال صيف 2026 كيف يمكن للجفاف أن يتحول إلى أزمة متعددة الأبعاد، تمتد من انخفاض إنتاجية المحاصيل وارتفاع أسعار الخضراوات إلى حرائق الغابات وتراجع قدرة التربة على امتصاص المياه، وصولًا إلى تشقق المباني وتزايد مخاطر الفيضانات.

وفي هذا السياق، يسلط عالم الأحياء مارك أندريه سيلوس، من المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس، الضوء على التأثيرات المتشابكة للجفاف في الحياة اليومية، محذرًا من أن معالجة الأضرار البيئية وحدها لن تكون كافية ما لم تترافق مع تحرك جاد لمواجهة تغير المناخ.

الجفاف يهدد المحاصيل ويرفع أسعار الغذاء

بدأت آثار الجفاف تظهر بوضوح في المنتجات الزراعية التي تصل إلى المستهلكين، بعدما دفعت الخسائر التي لحقت بالمزارعين في فرنسا سلاسل المتاجر الكبرى إلى اتخاذ إجراءات جديدة لاستيعاب المحاصيل المتضررة.

وفي 18 أغسطس، أعلنت اتحادات تجارة التجزئة والتوزيع في فرنسا التوجه إلى قبول الفواكه والخضراوات التي لا تستوفي معايير الشكل والحجم المعتادة، بما يسمح بتسويق منتجات كانت تُرفض سابقًا بسبب صغر حجمها أو مظهرها غير المعتاد.

وتستهدف هذه الخطوة مساعدة المزارعين المتضررين من الجفاف على بيع محاصيلهم، إلى جانب إعطاء الأولوية للمنتجات المزروعة محليًا، والحد من الضغوط التي تدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع.

ووفقًا للاتحاد الفرنسي لمنتجي الخضراوات، تراوحت خسائر الإنتاج بين 25% و50%، ووصلت في بعض المحاصيل إلى 100%، وهو ما انعكس على أسعار منتجات مثل الطماطم والخيار والخس، الذي يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه.

وتوضح هذه التطورات أن الجفاف لا يمثل مشكلة بيئية فحسب، بل يمتد تأثيره إلى دخل المزارعين وتكاليف الإنتاج وأسعار الغذاء التي يتحملها المستهلكون.

وفي هذا السياق، قال سيلوس في تصريح سابق إن انخفاض المياه المتاحة للزراعة يعني بالضرورة تراجع الإنتاج، مؤكدًا أن نقص المياه يفرض حدودًا مباشرة على قدرة الأراضي الزراعية على إنتاج الغذاء.

الجفاف وحرائق الغابات.. أزمة تتجاوز تراجع الأمطار

الجفاف وحرائق الغابات.. أزمة تتجاوز تراجع الأمطار

لا تتوقف تداعيات الجفاف عند القطاع الزراعي، إذ أسهمت الظروف المناخية الحارة والجافة في تهيئة الظروف لاندلاع حرائق غابات مدمرة خلال الصيف، في سياق تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بتغير المناخ.

ورغم عودة الأمطار إلى بعض المناطق الفرنسية، ظلت مناطق أخرى تعاني نقص المياه، مع استمرار القيود المفروضة على استخدامها لأسابيع.

وفي مقاطعة مانش بمنطقة نورماندي شمال غربي فرنسا، صُنفت حالة الجفاف عند مستوى الأزمة، وفقًا للمادة المنشورة، في ظل تدهور الظروف الهيدرولوجية والأرصاد الجوية وعدم وجود توقعات بهطول أمطار كافية.

وشملت القيود المفروضة في مناطق مختلفة منع ري المسطحات الخضراء وغسل السيارات، كما امتدت، بحسب المنطقة، إلى ري الحدائق المنزلية وملء حمامات السباحة الخاصة.

ووصلت الأزمة إلى شبكات إمدادات المياه نفسها، إذ أفادت المادة بأن أكثر من 40 ألف شخص في فرنسا واجهوا انقطاعات في إمدادات المياه خلال صيف 2026.

وتبرز هذه التطورات كيف يمكن لاستمرار الجفاف أن يضغط على الموارد المائية والبنية التحتية، ويحول نقص الأمطار إلى أزمة تمس الاحتياجات اليومية للسكان.

لماذا لا تنقذ الأمطار التربة بعد فترات الجفاف الطويلة؟

من أخطر تداعيات الجفاف تأثيره في خصائص التربة وقدرتها على امتصاص المياه والاحتفاظ بها. فعودة الأمطار بعد فترات طويلة من الجفاف لا تعني بالضرورة استعادة الأراضي قدرتها الطبيعية على الاستفادة من المياه.

ويوضح سيلوس أن الأراضي التي تعرضت للجفاف الشديد، خصوصًا التربة المحروثة والفقيرة بالمواد العضوية، قد تستقبل الأمطار الغزيرة دون أن تمتصها بالكفاءة المطلوبة.

فبعد فترات طويلة من الجفاف، قد تتغير خصائص سطح التربة، لتصبح أجزاء واسعة منه أقل قدرة على استقبال المياه، بدلًا من أن تتوزع المناطق الطاردة للماء داخل تربة تمتصه بصورة طبيعية.

ونتيجة لذلك، تتدفق مياه الأمطار فوق السطح بدلًا من التغلغل إلى الطبقات الداخلية، ما يزيد الجريان السطحي ويحد من تغذية التربة بالمياه.

ولا تقتصر المشكلة على فقدان المياه، إذ يمكن أن يؤدي الجريان السطحي إلى جرف الطبقة العليا الخصبة من التربة، بما تحتويه من مواد عضوية وعناصر غذائية ضرورية لنمو النباتات.

وفي منطقة أوت دو فرانس شمالي فرنسا، أشار سيلوس إلى وقوع فيضانات في مناطق زراعية، حملت خلالها المياه الطمي والتربة السطحية، ما يفاقم خسائر الأراضي الزراعية.

لماذا لا تنقذ الأمطار التربة بعد فترات الجفاف الطويلة؟

وهكذا، قد يجمع المشهد بين الجفاف والفيضانات: فالأرض التي عانت نقص المياه لفترات طويلة تصبح أقل قدرة على امتصاص الأمطار عند هطولها بغزارة، فتزداد احتمالات الجريان السطحي والتعرية.

الجفاف يهدد المنازل.. وتربة الطين تزيد المخاطر

تمتد آثار الجفاف أيضًا إلى المباني المقامة على الأراضي الطينية، التي تتأثر بتغيرات محتواها المائي.

وتحتفظ التربة الطينية بالمياه، لكنها تتقلص عندما تفقد جزءًا كبيرًا منها بفعل الجفاف وموجات الحر المتكررة. وقد تؤدي هذه الانكماشات إلى حدوث شقوق في الأرض، ثم التأثير في أساسات المباني، خاصة عندما تكون ضحلة.

وحذر سيلوس من أن ظاهرة انكماش التربة الطينية وانتفاخها مع تغير محتواها المائي، المعروفة في فرنسا باسم RGA، تمثل خطرًا على نحو 60% من المنازل المستقلة وفقًا لما أورده المقال.

ولا تعني هذه النسبة أن 60% من المنازل تعرضت بالفعل للتلف، بل تشير إلى حجم المباني التي قد تكون مهددة بهذه الظاهرة.

وقد تتحول هذه المخاطر إلى خسائر مالية كبيرة، إذ يمكن أن تتطلب إصلاحات الأضرار الإنشائية مبالغ تصل إلى عشرات الآلاف من اليورو، بحسب طبيعة الضرر وحجم المبنى.

وتكشف هذه الظاهرة أن تكلفة تغير المناخ لا تقتصر على المحاصيل وأسعار الغذاء، بل قد تمتد إلى الممتلكات الخاصة والبنية العمرانية، مع ما يترتب على ذلك من أعباء اقتصادية على الأسر والمجتمعات.

الزراعة المتجددة.. استعادة صحة التربة وتقليل استهلاك المياه

الزراعة المتجددة.. استعادة صحة التربة وتقليل استهلاك المياه

في مواجهة هذه التحديات، يبرز تحسين إدارة التربة باعتباره أحد المسارات المهمة للحد من آثار الجفاف وتعزيز قدرة النظم الزراعية على الصمود.

وتضم التربة منظومة حيوية معقدة تشمل النباتات والبكتيريا والفطريات وديدان الأرض والحشرات وكائنات أخرى تؤدي أدوارًا أساسية في دورة العناصر الغذائية، وتكوين بنية التربة، ودعم خصوبتها.

ويوصي سيلوس باتباع ممارسات تساعد على الحفاظ على هذه المنظومة، من بينها:

الجفاف يهدد المنازل.. وتربة الطين تزيد المخاطر

وتقوم الزراعة المتجددة على حماية صحة التربة وتحسينها، والحد من تدهور الأراضي، وترشيد استهلاك المياه، ودعم التنوع البيولوجي.

لكن التحول إلى هذه الممارسات يحتاج إلى استثمارات أكبر ودعم عام مستمر، إلى جانب تعزيز الوعي بأهمية التربة في تأمين الغذاء وحماية البيئة.

وأشار المقال إلى أن التحول نحو الزراعة التي تستعيد صحة التربة لا يزال محدودًا في فرنسا، مستشهدًا بنحو 400 مزرعة انتقلت إلى هذه الممارسات، وبمبادرة «Au Cœur des Sols»، التي تستهدف إبراز الممارسات المرتبطة بصحة التربة.

حماية التربة لا تكفي دون مواجهة تغير المناخ

رغم أهمية الممارسات الزراعية المستدامة، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة جميع المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، خصوصًا مع تزايد موجات الحر والجفاف والظواهر الجوية المتطرفة.

ويرى سيلوس أن حماية التربة تتطلب تغييرًا في أنماط الاستهلاك والإنتاج، ودعم المزارعين الذين يتبنون الممارسات المستدامة، وتحسين التوعية البيئية والتعليم في علوم الحياة.

وتؤثر اختيارات المستهلكين في اتجاهات الإنتاج الزراعي من خلال الطلب على المنتجات وطرق زراعتها، ما يمنحهم دورًا في دعم النظم الغذائية التي تحافظ على الموارد الطبيعية.

لكن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، إذ يتطلب التحول الزراعي والبيئي سياسات عامة واستثمارات مؤسسية قادرة على توسيع نطاق الممارسات المستدامة، وتقليل الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف مع آثاره.

ويخلص سيلوس إلى أن حماية التربة وإصلاح النظم الاقتصادية والإنتاجية يجب أن يسيرا جنبًا إلى جنب مع مواجهة تغير المناخ، محذرًا من أن استمرار الأزمة المناخية قد يقوض فاعلية الجهود الأخرى المبذولة لحماية البيئة وتحسين حياة البشر.

وتؤكد تجربة فرنسا أن الجفاف لم يعد مجرد ظاهرة موسمية، بل تحدٍ مترابط يمس الأمن الغذائي والمياه والتربة والمنازل والاقتصاد، ما يجعل مواجهة تغير المناخ وتعزيز قدرة المجتمعات على التكيف ضرورة لحماية الموارد الطبيعية واستدامة الحياة.

↑
Exit mobile version