أخبارالاقتصاد الأخضرالتنمية المستدامة

التمويل الزراعي الذكي مناخيًا.. مفتاح الأمن الغذائي العالمي في مواجهة التغير المناخي

هل تنقذ الزراعة الذكية مناخيًا المزارعين من الفقر والمناخ من الانهيار؟

فجوة تمويل الزراعة الذكية مناخيًا تهدد مستقبل الغذاء في العالم

إنتاج الغذاء العالمي يواجه تهديدات متزايدة نتيجة عدم الاستقرار الجيوسياسي، والنمو السكاني السريع، وتدهور التربة، ونُدرة المياه، وعلى نحو أكثر حدة، تغيّر المناخ.

فقد شهد العالم في السنوات الأخيرة تأثيرات كارثية لأحداث مناخية متطرفة، مثل موجات الحر، والجفاف، والفيضانات، ما أثّر سلبًا على الإنتاج الزراعي.

تشير التقديرات إلى أن نحو 295.3 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد حول العالم في عام 2025، ورغم التقدّم في مجال الزراعة، ما يزال تغيّر المناخ يُشكّل تهديدًا كبيرًا لاستدامة الإنتاج الزراعي وأمن الغذاء.

ومن دون اتخاذ إجراءات مناخية عاجلة لبناء قدرة القطاع الزراعي على التكيّف، سيؤدي ذلك إلى تفاقم مشكلات الجوع وسوء التغذية والفقر، لتتحول إلى أزمة عالمية متعددة الأوجه.

الزراعة الذكية مناخيًا

الزراعة الذكية مناخيًا تُعد نهجًا استراتيجيًا لمواجهة التحديات المناخية التي تهدّد الإنتاج الزراعي، عبر ممارسات تساعد في التكيّف مع تغيّر المناخ وتخفيف آثاره.

تشمل هذه الممارسات الزراعة التجديدية، والزراعة الحافظة، والزراعة الحرجية، والإدارة المتكاملة للآفات والتغذية، وأنظمة إدارة المياه الذكية، والمحاصيل المقاومة للمناخ.

ورغم الإمكانات الكبيرة لهذا النهج في بناء أنظمة زراعية مرنة على المستوى العالمي، ما يزال اعتماده وتطبيقه محدودًا، لا سيما في الدول منخفضة الدخل، التي تعتمد بدرجة كبيرة على المزارعين أصحاب الحيازات الصغيرة.

التمويل الزراعي الذكي مناخيًا

يشير مفهوم التمويل المناخي إلى الموارد المالية المخصصة لدعم العمل المناخي من خلال مشاريع التخفيف أو التكيّف.

ويمثل التمويل الزراعي الذكي مناخيًا فرعًا متخصصًا ضمن التمويل المناخي، يهدف إلى دعم تنفيذ ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا على نطاق واسع.

المشروعات الممولة

ويأتي هذا التمويل في أشكال متنوعة مثل القروض، والمنح، والاستثمارات في الأسهم، والسندات الخضراء.

ومن بين المشروعات الممولة بهذا النوع من التمويل: “برنامج تعزيز نظم الغذاء في شرق وجنوب أفريقيا”، و”مشروع تعزيز المرونة الزراعية وسلاسل القيمة في الأردن”.

تُعد البنوك التنموية متعددة الأطراف، وصناديق المناخ، والجهات المانحة الثنائية من أبرز المساهمين في التمويل الزراعي الذكي مناخيًا، وعلى رأسهم البنك الدولي، الذي يخصص ما يقارب 62% من تمويلاته الزراعية لهذا المجال، بإجمالي التزامات سنوية تبلغ نحو 3 مليارات دولار.

ساهم هذا التمويل في تحسين وصول المزارعين إلى أدوات تساعدهم على اعتماد ممارسات زراعية مستدامة، مثل البذور المقاومة للمناخ، والمحاصيل المغطية، والتأمين الزراعي، والزراعة الدقيقة، وأنظمة الري الحديثة.

وقد أدى ذلك إلى تعزيز الأمن الغذائي، وتمكين المزارعين اقتصاديًا، لا سيما في الدول النامية.

لكن رغم هذا التقدّم، ما يزال صغار المزارعين يعانون من تهميش واضح نتيجة حواجز هيكلية تزيد من مخاطر الاستثمار وتقلل من العوائد الاقتصادية المحتملة.

ونتيجة لذلك، تُموَّل معظم مشاريع الزراعة الذكية مناخيًا في الدول النامية من خلال التمويل العام، خصوصًا من البنك الدولي وصندوق المناخ الأخضر.

ورغم أهمية هذا التمويل، فإنه لا يزال غير كافٍ، إذ لا تتجاوز حصة الزراعة الذكية مناخيًا 5% من إجمالي التمويل المناخي العالمي، وفقًا لبيانات مبادرة سياسة المناخ لعام 2019/2020.

ما الذي يفسّر فجوة التمويل؟

تُعزى الفجوة التمويلية بشكل أساسي إلى محدودية مساهمات القطاع الخاص، الذي يرى أن المخاطر تفوق العوائد المحتملة.

فعلى عكس قطاع الطاقة المتجددة مثلًا، الذي يحقق عوائد مالية أعلى، تُعد الزراعة قطاعًا أكثر تقلبًا ويحتاج إلى استثمارات طويلة الأجل تُعرف بـ”رأس المال الصبور”.

وتعود هذه المخاطر إلى عدة عوامل، منها: ضعف القدرة على تقييم وتتبع أداء الاستثمارات بسبب غياب أدوات رقمية فعالة، خصوصًا في الدول النامية، إضافة إلى غياب معايير موحّدة لقياس مؤشرات الاستدامة مثل الكربون في التربة.

كما أن طبيعة الأنظمة الزراعية المتغيرة تجعل من الصعب مراقبة المؤشرات بدقة بسبب التغيرات المناخية والإدارية.

كيف نردم فجوة التمويل؟

يتطلب سد الفجوة التمويلية معالجة التحديات الجذرية التي تحد من إنتاجية الزراعة وتزيد من مخاطر الاستثمار.

ويشمل ذلك تعزيز البنية التحتية، وضمان الوصول إلى الكهرباء والإنترنت، لتسهيل استخدام الأدوات الرقمية، مثل تحليل البيانات والاستشعار عن بعد.

كما يمكن للقطاع العام استخدام التمويل الزراعي الذكي مناخيًا لإنشاء صناديق تأمين مناخي لحماية المزارعين من الصدمات المناخية، ما يُعزز قدرتهم على الوفاء بالالتزامات المالية.

ومن الضروري أيضًا الاستثمار في تطوير معايير موحدة لقياس مؤشرات الاستدامة، من خلال دعم مؤسسات البحث العلمي والشركات الناشئة في هذا المجال، بما يعزز ثقة المستثمرين.

أما على مستوى التمويل الخاص، فيمكن اعتماد استراتيجيات مبتكرة لتقليل المخاطر، مثل:

  •  الاستثمارات المرتبطة بالتأمين.
  •  إعادة تدوير رأس المال المخصص سابقًا لمشاريع عالية المخاطر.
  •  استراتيجيات خروج مستدامة تضمن العائد عند نضوج الاستثمار.
  •  التمويل المشترك مع الجهات العامة.
  •  ضمانات حكومية للاستثمار.

ويمكن للبنوك التنموية أن تلعب دور الوسيط الموثوق في إدارة استثمارات القطاع الخاص، خاصة في الدول ذات المخاطر المرتفعة، إضافة إلى تعزيز الانضباط المالي من خلال الحوافز والجزاءات وربط معدلات الفائدة بأداء المشروع.

في المحصلة، تعتمد زيادة التمويل الزراعي الذكي مناخيًا على قدرة الحكومات والمؤسسات المالية على خلق بيئة استثمارية جاذبة، تدير المخاطر وتُعزز ثقة المستثمرين لتحقيق عوائد اقتصادية وبيئية طويلة الأمد.

مقالات ذات صلة

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المستقبل الاخضر

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading