تدخل الاستدامة مرحلة جديدة داخل الشركات، تنتقل فيها تدريجيًا من خانة التعهدات والأهداف والتقارير إلى صميم الاستراتيجية والاستثمار وإدارة المخاطر والابتكار وتخصيص رأس المال.
ويأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه الشركات بيئة تشغيلية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التوترات الجيوسياسية، وعدم اليقين بشأن السياسات، والضغوط الاقتصادية قصيرة الأجل، مع تصاعد المخاطر المناخية وتزايد توقعات المستثمرين والعملاء والمجتمعات بشأن أداء الشركات في مجال الاستدامة.
ويكشف الإصدار الأول من تقرير آفاق مسؤولي الاستدامة الرئيسيين 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، والذي يستند إلى آراء 103 من كبار مسؤولي الاستدامة، عن قدر من التفاؤل بشأن المسار العالمي للاستدامة.
فما يقرب من ثلثي المشاركين يتوقعون أن يظل التقدم العالمي في مجال الاستدامة مستقرًا أو يتسارع خلال العام المقبل، بينما يرى 64% أن تعزيز المبررات الاقتصادية للاستدامة سيكون العامل الأبرز لتسريع التقدم خلال السنوات الثلاث المقبلة، في حين يضع 56% انخفاض تكلفة التقنيات المستدامة واتساع نطاق إتاحتها ضمن أهم محركات التحول.
لكن الصورة لا تخلو من التحديات؛ إذ تجعل التقلبات الجيوسياسية والضغوط قصيرة الأجل تنفيذ استراتيجيات الاستدامة أكثر تفاوتًا بين الأسواق والشركات، في الوقت الذي يفتح فيه الذكاء الاصطناعي والتكيف المناخي مجالات جديدة للفرص والمخاطر.
من الطموح إلى التنفيذ
يشير الاتجاه الجديد إلى تغير واضح في وظيفة مسؤول الاستدامة داخل الشركات.
فبدل أن تتركز المهمة في تحديد أهداف خفض الانبعاثات وإعداد تقارير الاستدامة، أصبح الدور أكثر ارتباطًا بكيفية تشغيل الشركة، وتوجيه الاستثمارات، وإدارة الأصول، وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر، وخلق قيمة طويلة الأجل.
وهذا يعني أن نجاح الاستدامة لم يعد يقاس فقط بعدد الأهداف التي تعلنها الشركة، وإنما بمدى قدرتها على دمج هذه الأهداف في القرارات اليومية والاستراتيجية.
وتكشف رؤى عدد من كبار مسؤولي الاستدامة المشاركين في تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي عن أربعة اتجاهات رئيسية: واقعية مسارات التحول، دمج الاستدامة في الأعمال، تصاعد أهمية التكيف والمرونة، وربط رأس المال والأثر البيئي والاجتماعي بخلق القيمة.
إبراهيم الزعبي: لا يوجد مسار واحد للتحول
يرى إبراهيم الزعبي، الرئيس التنفيذي للاستدامة وESG في مجموعة أدنوك، أن الاستدامة يعاد تعريفها داخل الشركات، مع انتقالها بصورة متزايدة إلى التخطيط وقرارات الاستثمار والعمليات التشغيلية وتخصيص رأس المال وإدارة الأصول.
ويضع الزعبي ما يسميه “واقعية مسارات التحول” في مقدمة التحولات الجديدة، موضحًا أنه لا يوجد مسار واحد أو سرعة واحدة للانتقال، إذ ستتجه أنظمة الطاقة نحو خفض الانبعاثات من خلال مزيج مختلف من التكنولوجيا ورأس المال، وفقًا لمزيج الطاقة وظروف كل سوق.
وبالتالي، لن يكون التقدم متساويًا بين الأسواق والقطاعات، ولن يسير دائمًا في خط مستقيم، وهو ما يعكس، بحسب رؤيته، اختلاف الظروف الاقتصادية وليس بالضرورة تراجع الطموح.
ويرى الزعبي كذلك أن الاستدامة يجب أن تتجاوز التفكير المرتبط بالامتثال؛ فدوافع التحول لا تأتي فقط من المتطلبات التنظيمية، وإنما أيضًا من الاعتبارات التجارية والتكنولوجية والحاجة إلى تعزيز القدرة على الصمود.
وفي هذا السياق، تستخدم أدنوك تقييمات مخاطر المناخ المادية ومخاطر التحول على مستوى الأصول، بالاستناد إلى سيناريوهات مناخية واقتصادية معترف بها، ثم تدخل نتائج هذه التقييمات في تخطيط سلامة الأصول وقرارات الاستثمار.
وهنا تصبح إدارة الكربون جزءًا من التخطيط للأعمال، بدل أن تكون ملفًا منفصلًا عنها.
كما يلفت الزعبي إلى أن الاستدامة أوسع من قضية الانبعاثات وحدها، في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة والحاجة إلى إدارة الموارد بمسؤولية، ودعم المجتمعات المحيطة بالعمليات، والاستثمار في التعليم والأجيال القادمة.
التكيف المناخي يدخل قلب إدارة الأعمال
من أبرز التحولات التي يكشف عنها التقرير صعود التكيف مع تغير المناخ والمرونة على أجندة مسؤولي الاستدامة.
وترى ليندا فراينر، الرئيسة التنفيذية للاستدامة في مجموعة زيورخ للتأمين، أن مخاطر المناخ لم تعد قضية بيئية منفصلة، لأنها تؤثر في استمرارية الأعمال والعمليات وسلاسل الإمداد وقرارات الاستثمار، فضلًا عن توافر التأمين وتكلفته.
ولهذا تدمج زيورخ مخاطر المناخ ضمن خطة التحول المناخي، مع التركيز على المجالات التي يمكن أن يؤدي فيها التدخل المبكر إلى تقليل الاضطرابات والخسائر.
ولا يقتصر الدور على إدارة المخاطر الخاصة بالشركة نفسها؛ إذ يمكن لشركات التأمين استخدام بيانات المناخ والنمذجة وخبرات هندسة المخاطر لمساعدة العملاء على تحديد نقاط الضعف في مواقعهم وعملياتهم وسلاسل الإمداد.
ومن ثم يمكن تحويل البيانات المناخية إلى إجراءات عملية تعزز الاستعداد وتحمي الأصول وتدعم استمرارية الأعمال.
وتبرز هنا مشكلة أساسية: استثمارات التكيف لا تحقق دائمًا عائدًا ماليًا فوريًا وسهل القياس.
فقيمتها قد تظهر في صورة خسائر تم تجنبها، أو استمرارية أعمال تم الحفاظ عليها، أو قدرة أسرع على التعافي بعد وقوع أزمة.
ولهذا فإن تحسين فهم المخاطر يمكن أن يساعد الشركات على بناء مبررات اقتصادية أقوى للاستثمار في الوقاية والمرونة.
80 % يتوقعون صعود التكيف على أجندة العالم
وتكشف نتائج الاستطلاع عن صعود واضح لهذا الملف؛ إذ يتوقع أكثر من 80% من المشاركين زيادة التركيز العالمي على التكيف خلال العام المقبل، بينما يرى أكثر من 75% أن استثمارات القطاع الخاص ستساعد في توسيع نطاق حلول التكيف.
وتعكس هذه الأرقام تحولًا مهمًا في أجندة الشركات، من التركيز على تقليل الانبعاثات فقط إلى التعامل أيضًا مع الأضرار والمخاطر المناخية التي أصبحت قائمة بالفعل.
وتشمل هذه المخاطر اضطرابات سلاسل الإمداد، والأضرار التي تلحق بالأصول والبنية التحتية، ومخاطر التأمين، وتغير ظروف الأسواق والعمليات.
ماريسا درو: الاستدامة تقترب من قلب القرار التجاري
ترى ماريسا درو، الرئيسة التنفيذية للاستدامة في ستاندرد تشارترد، أن تقرير مسؤولي الاستدامة يقدم رسالة عامة تتسم بالتفاؤل، رغم البيئة الاقتصادية والسياسية الصعبة على المدى القصير.
والأهم من ذلك، بحسب رؤيتها، أن وظيفة مسؤول الاستدامة نفسها تتطور.
فالاستدامة تتحرك من الالتزامات والأهداف والإفصاح إلى أن تصبح جزءًا من الاستراتيجية والاستثمار والابتكار وخلق القيمة طويلة الأجل.
وتشير درو إلى أن أقوى تقدم يتحقق عندما تتوافق نتائج الاستدامة مع قيمة الأعمال بدل أن ينظر إلى الاستدامة باعتبارها تكلفة أو التزامًا منفصلًا.
ومن هذا المنظور، يمكن للضغوط الاقتصادية والسياسية الحالية أن تدفع الشركات إلى إعادة صياغة الاستدامة باعتبارها قدرة مؤسسية تساعد على النمو والقدرة التنافسية والمرونة.
الذكاء الاصطناعي.. فرصة مع فاتورة بيئية واجتماعية
يحضر الذكاء الاصطناعي بقوة في أجندة مسؤولي الاستدامة، ليس باعتباره أداة تقنية فقط، وإنما باعتباره عاملًا يمكن أن يؤثر في طريقة تنفيذ الاستراتيجيات المستدامة.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن غالبية المشاركين يرون أن الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية الأخرى يمكن أن تساعد في دفع جهود الاستدامة إلى الأمام.
لكن ذلك لا يعني تجاهل التكلفة البيئية والاجتماعية لهذه التقنيات.
فالتوسع في الذكاء الاصطناعي يثير بدوره قضايا مرتبطة باستهلاك الطاقة والموارد، والبنية التحتية الرقمية، وسلاسل الإمداد، والوظائف، والعدالة في الوصول إلى التكنولوجيا.
وبالتالي، فإن مهمة مسؤولي الاستدامة لا تتوقف عند الاستفادة من الذكاء الاصطناعي، بل تشمل أيضًا فهم مخاطره وآثاره غير المباشرة.
الاستهلاك المستدام يتحول إلى فرصة تجارية
تتسع أجندة الاستدامة كذلك لتشمل التحولات في سلوك المستهلكين، وهو ما ترى إيلين جاكوفسكي، الرئيسة التنفيذية للاستدامة في ماستركارد، أنه يفتح مجالًا جديدًا أمام الشركات للنمو والابتكار.
وتشير إلى أن مسؤولي الاستدامة أصبحوا في موقع يسمح لهم بفهم التغيرات في الأسواق وسلوك المستهلكين، وتحويلها إلى فرص مرتبطة بالنمو والمرونة والابتكار.
وتستخدم ماستركارد، على سبيل المثال، بيانات الإنفاق لفهم الاتجاهات المرتبطة بالملابس المستعملة وإعادة الاستخدام ونماذج التأجير والاقتصاد الدائري، إضافة إلى اختلاف أنماط السلوك بين الأجيال والأسواق.
وأظهر تقرير حديث لمعهد ماستركارد الاقتصادي أن مبيعات الملابس المستعملة في أكبر 20 اقتصادًا للتسوق الدائري ارتفعت 28% على أساس سنوي في 2025، مقارنة بنمو بلغ 8% في متاجر الملابس.
ويشير هذا التحول إلى أن الاستدامة لا تتعلق فقط بإنتاج منتجات أكثر خضرة، وإنما أيضًا بفهم الطريقة التي يتغير بها الطلب نفسه.
فمع اتساع الاهتمام بإعادة الاستخدام والشراء المستعمل والتأجير والاقتصاد الدائري، تصبح الاستدامة مصدرًا محتملًا لابتكار نماذج أعمال جديدة.
رأس المال هو الاختبار الحقيقي للاستدامة
في النهاية، تكشف اتجاهات مسؤولي الاستدامة عن تحول جوهري: الاستدامة لا تعود قضية إدارة منفصلة داخل الشركات، بل تدخل تدريجيًا إلى قرارات رأس المال والأصول والمخاطر والاستثمار.
وهذا التحول قد يكون أكثر أهمية من مجرد زيادة عدد التقارير أو الالتزامات المعلنة.
فالشركة التي تدمج مخاطر المناخ في قرارات الاستثمار، وتربط التكيف باستمرارية الأعمال، وتتعامل مع التكنولوجيا من منظور بيئي واجتماعي، وتستجيب لتحولات المستهلكين، تكون قد بدأت فعليًا في تحويل الاستدامة إلى جزء من نموذج أعمالها.
وتشير نتائج استطلاع المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الزخم العالمي لم يتوقف، رغم الضغوط قصيرة الأجل. لكن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الشركات على تحويل هذا الزخم إلى قرارات واستثمارات وقدرات تشغيلية قابلة للتنفيذ.
ومن هنا يبدو أن مسؤول الاستدامة في 2026 لم يعد مجرد حارس للأهداف البيئية أو مسؤول عن التقارير؛ بل يتجه دوره إلى أن يصبح حلقة وصل بين المناخ ورأس المال والتكنولوجيا والمخاطر والاستراتيجية وقيمة الأعمال.
وإذا كان العقد الماضي قد شهد انتقال الاستدامة من الهامش إلى أجندة مجالس الإدارة، فإن المرحلة المقبلة ستحدد مدى نجاح الشركات في جعلها جزءًا فعليًا من الطريقة التي تستثمر بها وتنتج وتدير المخاطر وتخلق القيمة.
