تُعد قضايا المناخ من أهم المشكلات والتحديات التي تعاني منها المجتمعات منذ قيام الثورة الصناعية وحتى الآن؛ وذلك بسبب أنشطة الإنسان غير المسئولة والتي ترتب عليها زيادة في ارتفاع درجات الحرارة والاحتباس الحراري الذي أثر على ثروات البحار والأنهار، وتآكل السواحل وتحمض المحيطات نتيجة زيادة حرق الوقود الأحفوري، وزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون المذاب بالماء، بالإضافة إلى تبييض الشعاب المرجانية بسبب ارتفاع درجة حرارة المياه.
وقد ظهر مؤخرًا في فضاء الاقتصاد مفهوم الاقتصاد الأزرق الذي يقصد به الاستخدام المستدام للموارد المائية الطبيعية من أجل النمو الاقتصادي وتحسين سبل العيش والوظائف مع الحفاظ على صحة النظام البيئي المائي، وهذا المفهوم يتسق مع الهدف الرابع عشر من أهداف التنمية المستدامة والذي يسعى إلى إدارة وحماية النظم الأيكولوجية البحرية والساحلية وتعزيز الحفاظ على الموارد القائمة على المحيطات والبحار وترشيد استخدامها على نحو مستدام.
وتبذل مصر جهودًا حثيثة لتعزيز اقتصادها الأزرق؛ إذ تسعى أن تكون مركزًا عالميا للتجارة واللوجستيات من خلال زيادة موانيها، وتحويلها إلى مناطق لوجستية للقيام بأنشطة الشحن والتفريغ والتعبئة وإعادة التصدير، والعمل على ربط موانيها البحرية بالمواني الجافة والمراكز اللوجستية.
وتمتلك مصر المقومات اللازمة لذلك؛ حيث تمتلك نحو أربعة آلاف من الكيلو مترات على شواطئ البحر الأحمر والبحر المتوسط وقناة السويس، بالإضافة إلى نهر النيل والبحيرات الطبيعية والصناعية والتي تساعد في قيام الأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الأزرق، فضلا عن وفرة الكوادر البشرية.
ترسم الحدود البحرية المصرية
وقد قامت مصر بترسيم حدودها البحرية لتعزيز المنفعة الاقتصادية ودفع عجلة النمو وتحقيق التنمية الزرقاء؛ وذلك للحفاظ على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأجيال القادمة والاعتماد على التكنولوجيا النظيفة والتي تضم بعض المنتجات الطبية والمستحضرات الصيدلانية التي تعتمد على المواد المستخرجة من البحار ومصادر الطاقة البحرية المتجددة والتي تشمل طاقة الرياح والطاقة الشمسية والكهرومائية والمد والجذر، ومصادر تكنولوجيا المعلومات، واستخدام المنتجات الصديقة للبيئة وإدارة المخلفات بشكل فعال.
مؤتمر المناخCOP27
بالإضافة إلى استضافة مؤتمر المناخCOP27 في السادس وحتى الثامن عشر من نوفمبر من العام الماضي، وقد حضره أكثر من 30 ألف مشارك ، و197 دولة لمناقشة قضايا المناخ والتغلب عليها. وقد تضمن المؤتمر ثلاث مبادرات واحدة منهم تخص المياه، وتعد هذه المرة الأولى التي يتم إدراج هذه القضية خلال مؤتمر المناخ؛ وذلك للحفاظ على التنوع البيولوجي ومكافحة التلوث البحري بأنواعه، والحفاظ على التوازن البيئي في البحار والمحيطات والمناطق السياحية، وتنظيم صيد الأسماك وإنهاء الصيد الجائر أو الغير قانوني.
ولتحقيق أهداف هذه المبادرة لا بد من تضافر جهود الدولة وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم؛ إذ يعد التعليم أحد العوامل الأساسية لتعزيز القيم البيئية والسلوكيات الأخلاقية للحفاظ على النظام البيئي وتأصيلها في نفوس الطلاب.
التربية المدنية
وقد باتت النظم التربوية تسعى إلى تحقيق مفهوم التربية المدنية التي تخدم قضايا المجتمع الإنساني من خلال اتباع منهج التعلم مدى الحياة بداية من مرحلة رياض الأطفال وحتى التعليم الجامعي؛ بهدف تزويد الطلاب بالمعارف والقيم التي تساعدهم في المحافظة على البحار والاستثمار من منظور تربوي.
“التعليم الأزرق”
ويلوح في الأفق التربوي مفهوم جديد للتعليم يسمى “التعليم الأزرق” ويقصد به: نشاط تعليمي صديق للبيئة يرفع من مستوى وعي الطلاب بالمشكلات والتحديات المائية، وتعزيز شعورهم بإمكانية مشاركتهم في قضايا بيئتهم والمحافظة عليها؛ من خلال تزويدهم بالمعارف والقيم والسلوكيات الإيجابية.وأول من أدرج مفهوم التعليم الأزرق هو الاتحاد الأوروبي، إذ قام بإنشاء مشروع المدارس الزرقاء عام 2021 لمواكبة التطور الاقتصادي والتطور المناخي ، واستهدف المشروع المدارس الثانوية الساحلية، إذ قام بإدخال مفهوم الاقتصاد الأزرق إلى التعليم لتعزيز الحس البيئي لدى الطلاب وتنمية مهاراتهم العلمية والعملية من خلال المشاريع التعليمية للبيئة البحرية.
حملات تثقيفية وتوعوية للمراحل الإلزامية
ويمكن أن تستفاد مصر من هذه التجربة من خلال القيام بحملات تثقيفية وتوعوية للمراحل الإلزامية؛ لتحقيق الوضوح الفكري بشأن القضايا البحرية ورفع مستوى تفاعلهم مع هذه القضايا من خلال تبسيط الأفكار تبعًا لمستوياتهم، وتزويدهم بالمعارف والمعلومات المناسبة لهذه المستويات حتى لا تكون نظرتهم ضيقة أو متعصبة.
وإنشاء مدارس زرقاء في المحافظات الساحلية للمرحلة الثانوية تقوم مناهجها على مفهوم الاقتصاد الأزرق، والذي يتضمن تعزيز استثمار الموارد المائية وسبل ترشيد الاستخراج البحري للوقود الأحفوري، وأهمية النقل البحري والنهري في التجارة الداخلية والخارجية ، والسياحة للعمالة المحلية، وتنمية الثروة السمكية وتعزيز أنشطة تحلية المياه وإنتاج الهيدروجين الأخضر.
التعليم القائم على المشروعات
ويعد التعليم القائم على المشروعات من أفضل الأساليب التي تتناسب مع أهداف التعليم الأزرق؛ إذ يقوم على البحث والتقصي والتجريب والعمل الجماعي واختبار التفكير؛ إذ ينمو التفكير من خلال الخبرة فيتحول ما هو غامض إلى عناصر واضحة تتضح في خطط العمل والأفكار التي توجهها.
كما يعزز القيم البيئية التي تساعد الطلاب على التكيف مع محيطهم البيئي والتفاعل مع قضاياهم والعمل على إيجاد حلول لها، وتفعيل دورهم الوطني للمحافظة على الموارد البيئية والعمل من أجل الاستدامة، وابتكار ما يدفع عجلة التنمية وحركة البناء التنموي.
وختامًا يمكن القول أن النظام التعليمي ليس مستودعًا للمعارف ، وإنما هو أداة من أدوات التغيير فهو يزود المواطنين بأسباب المواطنة الحقيقية وبالمهارات اللازمة لمواكبة التطورات العصرية، والعصر الحالي بأمس الحاجة إلى طلاب يمتلكون مهارات التفكير العلمية والقدرة على العمل الجماعي والمشاركة في الخدمات والإنتاج، وإدراك الشئون الخاصة والعامة وتحمل المسئولية؛ لتحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة وأسرع وقت في أي موقع من مواقع العمل.
