التضليل المناخي قد يرفع حرارة الأرض إلى أكثر من 6 درجات.. المعلومات المضللة تعرقل جهود إنقاذ الكوكب
منصات التواصل والتعليم المناخي في مواجهة التضليل.. كيف يمكن حماية سياسات خفض الانبعاثات؟
كشفت دراسة اقتصادية جديدة أن المعلومات المضللة بشأن تغير المناخ يمكن أن تقوض السياسات الرامية إلى خفض انبعاثات الكربون، وتُضعف قدرة المجتمعات على مواجهة الاحتباس الحراري، حتى عندما يمتلك الناخبون القدرة على دعم إجراءات مناخية أكثر طموحًا من تلك التي تتبناها الحكومات.
وأظهرت نتائج الدراسة أن تصويت الأغلبية الواعية بالأضرار الاقتصادية الناجمة عن الاحترار العالمي قد يؤدي إلى فرض ضرائب أعلى على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بالضرائب التي تقررها الحكومات الحذرة سياسيًا.
لكن هذه الأفضلية قد تنهار سريعًا إذا نجحت حملات التضليل في خفض نسبة المواطنين الذين يدركون حجم الأضرار المناخية إلى أقل من نصف الناخبين.
وتسلط النتائج الضوء على أهمية مكافحة المعلومات المضللة باعتبارها جزءًا أساسيًا من جهود العمل المناخي، وليس مجرد قضية إعلامية منفصلة عن السياسات الاقتصادية والبيئية.
نموذج اقتصادي يحاكي تطور المناخ على مدى 300 عام
طورت كاتسيارينا باهامازافا، من جامعة كلية دبلن في أيرلندا، بالتعاون مع ستانلي ريزنيك، من مؤسسة ILaVita، نموذجًا اقتصاديًا لمحاكاة تطور الاقتصاد العالمي على مدى 300 عام، ضمن فترات زمنية تمتد كل منها إلى خمس سنوات.
واختبر الباحثان من خلال النموذج تأثير مستوى الوعي العام بالمخاطر المناخية والمعلومات المضللة في القرارات المتعلقة بفرض ضرائب على انبعاثات الكربون، مع مقارنة النتائج بين نظام يعتمد على تصويت الأغلبية وآخر تتخذ فيه حكومة حذرة القرارات الضريبية.
ولا تمثل النتائج توقعًا مباشرًا لما سيحدث في دولة بعينها، إذ تعتمد على افتراضات النموذج وظروف المحاكاة، لكنها توضح كيف يمكن لتغير المعتقدات العامة أن يؤثر في مسار السياسات المناخية على المدى الطويل.
وتُفرض ضريبة الكربون على انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن حرق الوقود، بهدف جعل الأنشطة كثيفة الانبعاثات أكثر تكلفة، وتشجيع التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
ورغم أهمية هذه الأداة الاقتصادية، فإن أسعار الكربون الفعلية ظلت في كثير من الحالات أقل من المستويات التي توصي بها نماذج الاقتصاد المناخي، نتيجة عوامل تشمل المخاوف المتعلقة بالعدالة الاجتماعية ومقاومة الضرائب، إلى جانب تأثير المعلومات المضللة.

كيف قسّم الباحثون المواطنين بين الوعي والتضليل؟
قسّم النموذج السكان إلى مجموعتين: الأولى تضم الأفراد الذين يدركون الأضرار الاقتصادية الحقيقية للاحتباس الحراري، والثانية تضم الأفراد الذين يقللون من تقدير تلك الأضرار.
وافترض الباحثون أن ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار 3 درجات مئوية يؤدي إلى انخفاض الناتج الاقتصادي بنسبة 9% لدى المجموعة الواعية بالمخاطر، في حين قدرت المجموعة المتأثرة بالمعلومات المضللة الخسارة الاقتصادية بنحو 2.7% فقط.
وبدأ النموذج بتوزيع متساوٍ بين المجموعتين، ثم افترض أن التعلم المستمر يمكن أن يرفع نسبة الأفراد الواعين إلى 90%، مع إمكانية تسريع هذه العملية عندما تصبح الأضرار المناخية أكثر وضوحًا.
لكن المعلومات المضللة تعمل في الاتجاه المعاكس، إذ يمكنها تقليل عدد المواطنين الذين يدركون حجم المخاطر، وبالتالي إضعاف التأييد الشعبي للسياسات الأكثر صرامة في خفض الانبعاثات.
وقارن الباحثان بين آليتين لاتخاذ القرار؛ الأولى حكومة تدرك الأضرار الحقيقية لتغير المناخ، لكنها تتحمل تكلفة سياسية عندما تفرض ضرائب تتجاوز المستوى الذي يحظى بقبول المواطنين، والثانية نظام تصويت بالأغلبية يحدد فيه الناخبون مستوى الضريبة، مع تعديله تدريجيًا بدلًا من تغييره بصورة فورية.
الناخبون الواعون بالمخاطر المناخية يفرضون ضرائب أعلى
في السيناريو الذي استبعد وجود المعلومات المضللة، أظهر النموذج تفوق نظام التصويت بالأغلبية على الحكومة الحذرة في تحديد مستويات ضرائب الكربون.
وخلال السنوات الخمسين الأولى، بلغ متوسط ضريبة الكربون في سيناريو التصويت بالأغلبية 25.70 دولارًا لكل طن متري من ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بنحو 18.40 دولارًا في سيناريو الحكومة الحذرة.
كما قدّر النموذج أن ذروة الاحترار العالمي ستبلغ نحو 3.17 درجة مئوية في ظل تصويت الناخبين، مقابل 3.65 درجة مئوية عندما تتولى الحكومة الحذرة تحديد الضريبة.
وتعكس هذه النتائج، داخل النموذج، قدرة الناخبين الذين يدركون الأضرار الاقتصادية لتغير المناخ على دعم سياسات أكثر طموحًا من تلك التي قد تفضلها الحكومات التي تحاول تجنب ردود الفعل السياسية السلبية.
ويعتمد هذا التأثير على موقع الناخب الوسطي، أي الشخص الذي يقع اختياره في منتصف التوزيع السياسي للناخبين. فعندما تشكل الفئة الواعية بالمخاطر المناخية الأغلبية، يكون الناخب الوسطي من هذه الفئة، ما يدعم فرض ضريبة أعلى على الكربون.
في المقابل، تميل الحكومة الحذرة إلى تخفيف إجراءاتها عندما تتزايد المعارضة الشعبية، حتى لو كانت تدرك أن الأضرار الاقتصادية لتغير المناخ أكبر مما يعتقده بعض المواطنين.
ورغم أن الباحثين وجدوا أن المكاسب في الرفاه الاقتصادي الإجمالي كانت محدودة، فإن الفوائد المناخية بدت أكبر، وفقًا لنتائج المحاكاة.

نقطة تحول خطيرة.. ماذا يحدث عندما تتراجع الأغلبية الواعية؟
تبدأ المشكلة عندما تفقد الفئة الواعية بالمخاطر المناخية أغلبيتها داخل المجتمع.
وفي أحد السيناريوهات، افترض الباحثان استمرار حملة تضليل خلال السنوات الثلاثين الأولى من المحاكاة. ونتيجة لذلك، انخفض متوسط ضريبة الكربون خلال السنوات الخمسين الأولى إلى 10 دولارات للطن، مقارنة بنحو 25.70 دولارًا في السيناريو الخالي من التضليل.
وفي ظل الظروف نفسها، تمكنت الحكومة الحذرة من الحفاظ على متوسط ضريبة أعلى بلغ 12.90 دولارًا للطن.
وفسر الباحثان هذا التراجع بما وصفاه بنقطة تحول حاسمة؛ فعندما يصبح عدد الأفراد الذين يقللون من تقدير الأضرار المناخية أكبر من عدد الأفراد الواعين بها، يتحول الناخب الوسطي إلى شخص يفضل سياسة ضريبية أقل صرامة.
وبذلك، لا يعود التصويت بالأغلبية بالضرورة وسيلة لدعم سياسات مناخية أكثر طموحًا، بل قد يتحول إلى آلية تضعف إجراءات خفض الانبعاثات.
ومع أن أنظمة الضرائب لا تتغير بصورة فورية، فإن استمرار هذا التحول في المواقف العامة يدفع الضريبة تدريجيًا نحو مستويات أقل، ما يضعف الحوافز الاقتصادية للحد من استخدام الوقود الأحفوري وتقليل الانبعاثات.
التضليل المتأخر قد يدفع الاحترار إلى أكثر من 6 درجات مئوية
أظهرت المحاكاة أن توقيت حملات التضليل يؤدي دورًا حاسمًا في تحديد حجم الأضرار المناخية المحتملة.
فعندما بدأت حملة تضليل قوية بعد مرور 50 عامًا من بداية المحاكاة، واستمرت دون توقف، تجاوزت ذروة الاحترار العالمي 6 درجات مئوية في ظل نظام التصويت بالأغلبية والحكومة الحذرة على حد سواء.
وفي هذا السيناريو، تجاوز تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي 1400 جزء في المليون، مقارنة بنحو 420 جزءًا في المليون عند بداية المحاكاة.
وأوضح الباحثون أن التضليل المتأخر قد يكون شديد الضرر لأنه يقوض الدعم الشعبي بعد أن تكون السياسات الأكثر طموحًا قد بدأت بالفعل في تحقيق تقدم.
كما أظهرت المحاكاة أن حملة تضليل أضعف، لكنها استمرت طوال الفترة، يمكن أن تؤدي إلى مستويات مماثلة من الاحترار المرتفع.
وشدد الباحثون على أن هذه النتائج تمثل اختبارًا لسيناريوهات محتملة داخل النموذج، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها توقعًا مباشرًا لدرجة حرارة الأرض أو تركيز ثاني أكسيد الكربون في المستقبل.

هل يمكن لمكافحة المعلومات المضللة إنقاذ السياسات المناخية؟
اختبر الباحثان أيضًا سيناريو معاكسًا، يتضمن جهودًا قوية لمواجهة الادعاءات المضللة، بما يكفي لتعويض تأثير حملة تضليل مبكرة.
وفي هذا السيناريو، عادت ذروة الاحترار وتركيزات ثاني أكسيد الكربون، في ظل نظام التصويت بالأغلبية، إلى مستويات تكاد تطابق ما سجله النموذج في غياب التضليل.
ويعكس ذلك أهمية مجموعة من التدخلات، من بينها تعزيز التواصل العلمي مع الجمهور، وتطوير برامج التعليم المناخي، وتحسين قدرة المواطنين على التمييز بين المعلومات الموثوقة والادعاءات المضللة، إلى جانب وضع قواعد مناسبة للمنصات الرقمية.
وقال ستانلي ريزنيك إن سياسات المعلومات ليست مجرد عنصر مكمل لتسعير الكربون، بل تساعد في الحفاظ على الظروف السياسية التي تجعل استمرار هذه السياسات ممكنًا.
وتشير هذه النتيجة إلى أن نجاح أدوات مثل ضرائب الكربون لا يعتمد على تصميمها الاقتصادي وحده، وإنما يتأثر أيضًا بمستوى الثقة العامة، ومدى فهم المواطنين للأضرار المناخية، وقدرة المؤسسات على مواجهة حملات التضليل.
حدود الدراسة وما الذي يحتاج إلى مزيد من البحث؟
أقر الباحثان بأن تقسيم السكان إلى مجموعتين فقط يمثل تبسيطًا للواقع، إذ تتباين معتقدات الأفراد ومواقفهم من تغير المناخ بدرجات مختلفة، ولا تنحصر بالضرورة في فئتين واضحتين.
ويتوقع الباحثان أن يؤدي استخدام توزيع أكثر تنوعًا للمعتقدات إلى تقليل أفضلية التصويت بالأغلبية، وجعل التراجع في التأييد الشعبي أقل حدة من الصورة التي يعرضها النموذج الحالي.
كما أن افتراضات النموذج بشأن تقديرات المجموعة المتأثرة بالمعلومات المضللة قوية نسبيًا. وعندما أعاد الباحثان المحاكاة باستخدام أخطاء أقل حدة في تقدير الأضرار الاقتصادية، ظلت أفضلية تصويت الناخبين قائمة حتى وصلت تقديرات المجموعة المتأثرة بالتضليل إلى نحو 85% من مستوى الضرر الحقيقي.
ومن القيود الأخرى أن النموذج يفترض ظهور المعلومات المضللة دون أن يحاكي بالتفصيل الجهات التي تنشرها أو دوافعها الاقتصادية والسياسية أو التكاليف التي تتحملها.
واقترح الباحثان أن تتناول الدراسات المستقبلية دور الجهات المستفيدة من الصناعات كثيفة الانبعاثات في نشر المعلومات المضللة بصورة متعمدة، إلى جانب تطوير نماذج تقسم العالم إلى مناطق تتفاعل مع بعضها بعضًا وتؤثر في مواقف بعضها تجاه السياسات المناخية.
ولا يزال تحديد مدى اقتراب المجتمعات الحقيقية من نقطة التحول التي يفقد عندها الوعي المناخي أغلبيته سؤالًا مفتوحًا يحتاج إلى مزيد من البحث.
وقد أتاح الفريق البحثي الشفرة البرمجية المستخدمة في المحاكاة عبر منصة GitHub، بما يسمح لباحثين آخرين بتطوير النموذج واختبار افتراضات وسيناريوهات إضافية.
ونُشرت الدراسة في دورية Risk Sciences، وتخلص نتائجها إلى أن حماية فهم الجمهور لتغير المناخ قد تكون عاملًا أساسيًا في نجاح السياسات الرامية إلى خفض الانبعاثات والحد من الاحترار العالمي، جنبًا إلى جنب مع الأدوات الاقتصادية والتكنولوجية المستخدمة لمواجهة الأزمة المناخية.





