كيف تُحوّل الحرائق والشتاء الطويل أراضي القطب الشمالي من مخزن للكربون إلى مصدر له؟
القطب الشمالي يطلق كربونًا أكثر مما يخزنه.. حرائق وتغيرات موسمية تقلب ميزان الكربون
كشفت دراسة علمية جديدة أن المنطقة البوريالية في القطب الشمالي – والتي تضم الغابات الشمالية والأراضي الرطبة والتندرا – تشهد تحولات غير مسبوقة في دورة الكربون تهدد بتسريع وتيرة الاحترار العالمي.
ورغم أن هذه المنطقة ما تزال، في المجمل، تمتص ثاني أكسيد الكربون، فإن أكثر من 30% منها باتت تُطلق كربونًا أكثر مما تمتصه، ما يثير مخاوف العلماء من فقدان واحد من أهم أحواض الكربون الطبيعية على كوكب الأرض.
تشكل التربة الصقيعية في الشمال ما يشبه «القنبلة الكربونية»؛ إذ تبقى مجمدة لعامين متتاليين على الأقل، محتفظة بكميات هائلة من الكربون العضوي تراكمت على مدى آلاف السنين.
لكن مع ارتفاع درجات الحرارة وذوبان هذه التربة، ينطلق هذا الكربون على شكل ثاني أكسيد الكربون، وربما الميثان، ليغذي تغير المناخ بدلاً من كبحه.
قاد الدراسة آنا ماريا فيرككالا من مركز وودويل لأبحاث المناخ (WCRC)، حيث حلل فريقها بيانات من أكثر من 200 موقع ميداني موزعة بين ألاسكا وكندا وسيبيريا والدول الإسكندنافية، لرصد التبادل اليومي والشهري لثاني أكسيد الكربون بين النظام البيئي والجو.
وأظهرت النتائج أن المنطقة كانت مصبًّا للكربون بين عامي 2001 و2020، لكن 34% من أراضيها أصبحت مصدرًا سنويًا له، بينما قلصت الحرائق من قدرة المنطقة على الامتصاص.
الحرائق تمثل العامل الأكثر تقلبًا في ميزان الكربون. ففي عام 2023 أطلقت حرائق كندا نحو 480 مليون طن متري من الكربون، أي ما يعادل 23% من الانبعاثات العالمية لحرائق الغابات في ذلك العام.
وتدعم بيانات النمذجة للفترة بين 1986 و2016 هذا النمط، حيث بينت أن الغابات البوريالية بأمريكا الشمالية تحولت إلى مصدر للكربون بمجرد احتساب الحرائق، ما يبرز الدور الحاسم لهذه الكوارث في قلب ميزان الانبعاثات.
فقدان 1.662 مليار كيلوجرام من الكربون كل شتاء
لكن الصورة لا تقتصر على مواسم الحرائق، ففي الصيف تسحب النباتات ثاني أكسيد الكربون من الجو عبر عملية التمثيل الضوئي، لكن في الشتاء يعاد إطلاقه مع تنفس النباتات والميكروبات.
وقدَّر تقرير عام 2019 أن المنطقة الصقيعية الشمالية تفقد نحو 1.662 مليار كيلوجرام من الكربون كل شتاء، وهي كمية قد تفوق ما تمتصه في موسم النمو القصير.
ويرجع ذلك إلى امتداد نشاط الميكروبات في التربة المذابة خلال المواسم الانتقالية الأكثر دفئًا، ما يطيل فترة الانبعاثات السنوية ويزيد خطر تحول هذه الأراضي إلى مصدر صافٍ للكربون.
ولا يقل انبعاث الميثان خطورة عن ثاني أكسيد الكربون، فهذا الغاز يفوق قدرة ثاني أكسيد الكربون على حبس الحرارة بأكثر من 25 مرة على مدى قرن.
وتشير الدراسات إلى أن ذوبان التربة الصقيعية والأراضي الرطبة الشمالية يؤدي إلى زيادة انبعاثات الميثان، خاصة في ظل صيف أكثر دفئًا ورطوبة، ما يشكل حلقة مفرغة جديدة في النظام المناخي.

قياسات ميدانية لتدفقات الكربون
اعتمد الباحثون على قاعدة بيانات شهرية معيارية تُعرف باسم «ABCflux»، تضم قياسات ميدانية لتدفقات الكربون تشمل التبادل الصافي للنظام البيئي (NEE) – وهو الفرق بين امتصاص النباتات وإطلاق النظام البيئي – إضافة إلى فصل المكونين الرئيسيين لهذا الميزان: الإنتاج الأولي الإجمالي (امتصاص النباتات عبر التمثيل الضوئي) والتنفس البيئي (إطلاق النباتات والميكروبات).
وتمت مقارنة هذه البيانات بمؤشرات الأقمار الصناعية مثل مؤشر الغطاء النباتي الطبيعي (NDVI) لتوسيع التقديرات على مستوى المنطقة. كما استخدم الفريق تقنيات تعلم آلي لسد الثغرات في المناطق قليلة الرصد، لا سيما في سيبيريا، حيث لا تزال حالة عدم اليقين أكبر.
وتبين الخرائط أن الأراضي المفتوحة الخالية من الأشجار – مثل التندرا – تتغير بسرعة أكبر من الغابات البوريالية، إذ تظهر انبعاثات متواصلة خارج فصل الصيف تُفشل تأثير النمو القصير على الامتصاص السنوي، ومع ذلك، تبقى الغابات البوريالية، في المتوسط، مصبًّا للكربون، لكن سنوات الحرائق الشديدة قادرة على محو هذا المكسب وتحويلها إلى مصدر للانبعاثات.

ضرورة توسيع شبكات الرصد
وتحمل التربة الصقيعية الشمالية مئات المليارات من الأطنان من الكربون العضوي، وهي كمية ضخمة تمثل حصة كبيرة من المخزون العالمي تحت سطح الأرض. هذا المخزون، إذا تحرر، يمكن أن يقلب المعادلة المناخية العالمية.
ولذلك شددت الدراسة على ضرورة توسيع شبكات الرصد في المناطق النائية وتوثيق الدورة السنوية كاملة لا مجرد الذروة الصيفية، خاصة مع تغير مواسم الحرائق وامتداد فترات الذوبان والنشاط الميكروبي.
ويختتم الباحثون بأن مزيجًا من ارتفاع درجات الحرارة، وطول مواسم الذوبان، وزيادة الاضطرابات مثل الحرائق، سيحدد ما إذا كانت هذه الأراضي الشمالية ستواصل لعب دور درع يبطئ الاحترار العالمي أم ستتحول إلى محرك إضافي له. تحسين تغطية البيانات في المناطق الفقيرة بالرصد سيجعل هذه التقديرات أكثر دقة ويعزز فهمنا لدور القطب الشمالي في النظام المناخي العالمي.





