هل تساءلت يومًا عن المسافة التي تقطعها قطرة المطر قبل أن تصل إليك؟ قد تكون هذه القطرة قد قطعت آلاف الكيلومترات من المحيط أو البحر أو البحيرة التي تبخرت منها. وتشير أبحاث حديثة إلى أن هذه الرحلة أصبحت أطول من السابق.
فالهواء الأكثر دفئًا قادر على حمل كميات أكبر من بخار الماء، وهو ما لا يغيّر فقط كمية الأمطار التي نتلقاها، بل يؤثر أيضًا في أماكن سقوطها.
أجرى ترافيس إيرنسون، من جامعة وايومنج، وزملاؤه دراسة نمذجت حركة الرطوبة في الغلاف الجوي داخل الولايات المتحدة على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وأظهرت النتائج أن بخار الماء في مناطق الجنوب الغربي والسهول الجنوبية بات يقطع مسافات أطول تتراوح بين 50 و80 كيلومترًا مقارنة بما كان عليه قبل 35 عامًا، كما يبقى معلقًا في الغلاف الجوي لمدة تتراوح بين ساعتين وأربع ساعات إضافية قبل أن يهطل على شكل أمطار.
كما كشفت الدراسة، المنشورة في دورية “Geophysical Research Letters”، عن زيادة معدلات التبخر من أسطح المحيطات مقابل انخفاضها من اليابسة. ويؤدي هذا التحول في مسارات الرطوبة الجوية إلى تغيير توقيت ومواقع هطول الأمطار، ما ينعكس بشكل مباشر على استخدامات الأراضي.
وأشار الباحثون إلى أن استمرار هذا الاتجاه، المتمثل في انتقال الرطوبة لمسافات أطول، سيؤدي إلى اعتماد الأمن المائي في العديد من الدول والمناطق بشكل متزايد على مصادر تقع خارج حدودها، ما يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي بين الدول المتجاورة.
يُعدّ انتقال الرطوبة في الغلاف الجوي عنصرًا أساسيًا في دورة المياه على الأرض، إذ ينقل بخار الماء عبر آلاف الكيلومترات ويحدد المناطق التي تتلقى الأمطار وتلك التي لا تتلقاها. وتُظهر دراسة اعتمدت على بيانات تمتد لـ35 عامًا أن بخار الماء في الولايات المتحدة بات يسافر لمسافات أطول ويبقى لفترات زمنية أطول قبل أن يهطل، مع تراجع مساهمة المصادر الأرضية وزيادة الاعتماد على التبخر من المحيطات.
وتشير النتائج إلى اتجاه واضح يتماشى مع التوقعات النظرية، حيث يؤدي الاحترار العالمي إلى زيادة قدرة الهواء على حمل بخار الماء، ما يغيّر مساراته في الغلاف الجوي ويؤثر على توقيت ومواقع هطول الأمطار. ويعني ذلك أن جزءًا أكبر من الأمطار الحالية مصدره المحيطات مقارنة بالماضي، وأن الأمن المائي قد يصبح أكثر ارتباطًا بمصادر تقع خارج الحدود الجغرافية للدول.
ويؤكد الباحثون أن هذه التغيرات في دورة المياه العالمية تحمل تداعيات مهمة على إدارة الموارد المائية مستقبلًا، ما يتطلب تعزيز التعاون بين الدول والتخطيط المستدام للتكيف مع التحولات المناخية.
تتبّع حركة الرطوبة الجوية
يُعدّ انتقال الرطوبة في الغلاف الجوي أحد المكونات الأساسية لدورة المياه على كوكب الأرض، حيث ينقل بخار الماء عبر مسافات قد تمتد لآلاف الكيلومترات، متحكمًا في تحديد المناطق التي تتلقى الهطول المطري وتلك التي تعاني من الجفاف.
وفي هذا السياق، اعتمدت دراسة حديثة على تتبّع حركة الرطوبة الجوية باستخدام بيانات تحليلية تمتد على مدار 35 عامًا، بهدف استكشاف الاتجاهات طويلة المدى في انتقال بخار الماء الذي يسهم في تغذية الأحواض المائية المختلفة داخل الولايات المتحدة الأمريكية.
بخار الماء أصبح يسافر لمسافات أطول
وكشفت النتائج أن بخار الماء أصبح يسافر لمسافات أطول ويبقى لفترات زمنية أطول في الغلاف الجوي قبل أن يهطل على شكل أمطار، كما تبيّن أن نسبة أقل من هذا البخار تأتي من مصادر أرضية، مقابل زيادة الاعتماد على التبخر من المحيطات. وتؤكد هذه النتائج اتجاهًا طالما تنبأت به النماذج المناخية والنظريات العلمية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مباشرة على إدارة الموارد المائية مستقبلًا.
ويشير الملخص المبسط للدراسة إلى أن بخار الماء ينتقل عبر الغلاف الجوي لمسافات طويلة بين موقع التبخر وموقع الهطول، وأن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من قدرة الهواء على حمل هذا البخار، ما يؤدي إلى تغير مساراته. وقد أظهرت الدراسة وجود اتجاهات ذات دلالة إحصائية تؤكد أن الرطوبة تسافر لمسافات أطول ولفترات أطول، وأن نسبة أكبر من الأمطار الحالية تعود إلى تبخر المياه من المحيطات مقارنة بالماضي.
وتبرز أهمية هذه النتائج في ظل الحاجة المتزايدة لفهم أنماط الهطول وتوفر المياه على المستويين الإقليمي والعالمي، خاصة بالنسبة للحكومات والقطاعات الصناعية والمجتمعات التي تعتمد على الموارد المائية في التخطيط لمستقبلها. ومع ذلك، لا تزال هناك درجة من عدم اليقين في التنبؤات الهيدرولوجية المستقبلية، نتيجة التعقيدات المرتبطة بالعمليات الجوية.
ويلعب الغلاف الجوي دورًا محوريًا في دورة المياه، إذ ينقل بخار الماء من مناطق التبخر—سواء من المحيطات أو اليابسة—إلى مناطق الهطول، ما يمدّ هذه المناطق بالمياه العذبة اللازمة للزراعة والطاقة والشرب والصناعة.
تغيرات متعددة
ومع استمرار ارتفاع درجات حرارة الأرض بفعل الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة البشرية، تشهد الأنظمة الجوية والمحيطية تغيرات متعددة، تشمل أنماط حركة الغلاف الجوي، ودرجات حرارة سطح البحر، وشدة ومواقع العواصف، إضافة إلى تأثيرات سطح اليابسة، وكلها عوامل تؤثر في معدلات التبخر وانتقال الرطوبة وبالتالي في أنماط الأمطار.
ووفقًا للنظرية الفيزيائية المعروفة بعلاقة “كلاوزيوس-كلابيرون”، فإن الهواء الأكثر دفئًا يستطيع الاحتفاظ بكمية أكبر من بخار الماء. ومع ارتفاع درجة الحرارة، تزداد قدرة الغلاف الجوي على حمل بخار الماء بنحو 7% لكل درجة مئوية، في حين تزداد معدلات الهطول بنسبة أقل، تقارب 2% فقط لكل درجة.
ويؤدي هذا الاختلال إلى تعزيز أنماط تجمّع وتباعد الرطوبة في الغلاف الجوي، بحيث تزداد كميات الرطوبة القادمة من المحيطات إلى اليابسة، خاصة في مناطق العروض الوسطى.
كما تشير هذه الآلية إلى أن بخار الماء يمكث لفترات أطول في الغلاف الجوي ويسافر لمسافات أكبر قبل أن يهطل، وهو ما تدعمه نتائج الدراسة الحالية، رغم أن مثل هذه التغيرات لم تكن موثقة بوضوح في السجلات الرصدية سابقًا.
تغيرات في النظام المائي العالمي
وتأتي هذه النتائج في سياق أوسع من التغيرات التي يشهدها النظام المائي العالمي، حيث تم توثيق اتجاهات أخرى مثل انخفاض العجز في ضغط البخار في جنوب غرب الولايات المتحدة نتيجة زيادة قدرة الهواء على الاحتفاظ بالرطوبة، إلى جانب تغيرات في أنماط الهطول المرتبطة بحركة الكتل الهوائية. ومع ذلك، لا تزال بعض هذه النتائج محل نقاش علمي، بسبب التباينات بين النماذج المناخية والبيانات الرصدية.
وفي هذه الدراسة، اعتمد الباحثون على بيانات إعادة التحليل المناخي ERA5، التي تجمع ملايين القياسات اليومية من الأقمار الصناعية ومحطات الرصد الأرضية، إلى جانب استخدام نموذج متقدم لتتبّع حركة الرطوبة في الغلاف الجوي يُعرف باسم WAM2layers، والذي يتيح تحديد مصادر بخار الماء ومساراته بدقة زمنية ومكانية عالية.
ومن خلال تحليل بيانات “مصادر تبخر الهطول الإقليمي”، تم قياس ثلاثة مؤشرات رئيسية، هي: معدل إعادة تدوير الرطوبة الأرضية، وزمن بقاء بخار الماء في الغلاف الجوي، والمسافة التي يقطعها قبل الهطول.
وأظهرت النتائج وجود اتجاهات واضحة ذات دلالة إحصائية في عدد من الأحواض المائية، خاصة في جنوب غرب الولايات المتحدة، حيث ازدادت المسافات التي يقطعها بخار الماء، وطالت مدة بقائه في الغلاف الجوي.
تراجع ملحوظ في مساهمة المصادر الأرضية في تغذية الهطول
كما كشفت الدراسة عن تراجع ملحوظ في مساهمة المصادر الأرضية في تغذية الهطول، مقابل زيادة دور المحيطات، وهو ما يتماشى مع الفهم العلمي لتأثيرات الاحترار العالمي، حيث تتعزز أنماط انتقال الرطوبة من مناطق التباعد فوق المحيطات إلى مناطق التجمع فوق اليابسة.
وتشير هذه النتائج إلى أن التغيرات في مسارات الرطوبة الجوية لا تقتصر فقط على زيادة المسافات، بل تشمل أيضًا تغيّر مصادرها، ما قد يؤثر على توزيع الأمطار وأنماطها في المستقبل. كما تحمل هذه التحولات تداعيات كبيرة على إدارة الموارد المائية، إذ قد تعتمد بعض الدول بشكل متزايد على مصادر مائية خارج حدودها، ما يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لضمان الأمن المائي في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
