الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تحويل تعهدات الدول المناخية إلى إجراءات فعلية، وتمديد برنامج أممي لخفض الانبعاثات، وسط خلافات متوقعة مع الدول النامية بشأن تمويل مواجهة تغير المناخ.
يعتزم الاتحاد الأوروبي استغلال قمة الأمم المتحدة للمناخ COP31 المقرر عقدها في تركيا خلال نوفمبر المقبل، للدفع نحو اتفاق بشأن حزمة من الإجراءات الرامية إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري التي ترفع حرارة الكوكب، وفقًا لوثيقة داخلية أوروبية اطلعت عليها وكالة رويترز.
وتأتي التحركات الأوروبية في وقت تتزايد فيه الظواهر الجوية المتطرفة المرتبطة بتغير المناخ، بينما أخفقت الحكومات خلال مؤتمرات المناخ الأممية الأخيرة في الاتفاق على إجراءات أكثر صرامة لخفض الانبعاثات، في ظل مخاوف لدى اقتصادات ناشئة ودول منتجة للوقود الأحفوري بشأن تأثير هذه الإجراءات في النمو الاقتصادي والتنمية.
وبحسب مسودة الوثيقة، تعتزم أوروبا الدفع نحو ما وصفته بـ«حزمة للتخفيف من آثار تغير المناخ»، تركز على خفض الانبعاثات وتحويل التعهدات المناخية القائمة للدول إلى إجراءات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع.
وتُعد هذه الخطوة جزءًا من توجه أوروبي لتغيير مسار المفاوضات خلال قمة COP31، عبر التركيز على تنفيذ الالتزامات المناخية القائمة بدلًا من الاكتفاء بإعلان تعهدات جديدة.
أوروبا تريد تمديد مفاوضات خفض الانبعاثات حتى 2040
تتمثل إحدى المطالب الرئيسية للاتحاد الأوروبي في تمديد المسار التفاوضي المخصص لخفض الانبعاثات ضمن مفاوضات الأمم المتحدة بشأن المناخ حتى عام 2040.
ووفقًا للوثيقة، يتيح هذا المسار، المعروف باسم «برنامج عمل التخفيف»، للحكومات مناقشة سبل تقليل الانبعاثات وتحديد المجالات التي يمكن إحراز تقدم إضافي فيها، إلا أن البرنامج من المقرر أن تنتهي مدته خلال العام الجاري.
ويريد الاتحاد الأوروبي تمديده لضمان استمرار المناقشات الدولية بشأن خفض الانبعاثات، وتعزيز فرص تحويل الأهداف المناخية إلى سياسات وإجراءات عملية.
كما يسعى التكتل الأوروبي إلى حث الدول على الاستجابة لتأكيد الأمم المتحدة، في الشهر الماضي، أن العالم لن يحقق هدف اتفاق باريس للمناخ المتمثل في الحد من ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمية عند 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.
وصاغت الوثيقة أيرلندا، التي تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي.
وقال وزير المناخ الأيرلندي داراج أوبراين إن بلاده ستعمل على تعزيز الشراكات لتحقيق تقدم عملي في العمل المناخي العالمي، مع التركيز بصورة خاصة على التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري والتوسع في الاعتماد على الكهرباء.
ومن المقرر أن يناقش وزراء المناخ في الاتحاد الأوروبي استراتيجية التكتل لقمة COP31 خلال اجتماع يعقد يوم الاثنين.
التحول بعيدًا عن الوقود الأحفوري في صدارة الأولويات
تأتي التحركات الأوروبية وسط ضغوط جيوسياسية متزايدة على الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ، خصوصًا بعد انسحاب الولايات المتحدة من المفاوضات المناخية العالمية.
وفي أعقاب انتهاء قمة COP30 التي استضافتها البرازيل العام الماضي دون التوصل إلى التزامات أقوى للحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، يقول دبلوماسيون أوروبيون إن الاتحاد يعتزم اتباع نهج مختلف في مفاوضات COP31.
ويقوم هذا النهج على تجنب المواجهات العلنية بشأن القضايا الخلافية، والتركيز بدلًا من ذلك على التعاون مع الدول لتنفيذ تعهداتها المناخية.
ويعكس هذا التوجه محاولة أوروبية للانتقال من الجدل بشأن صياغة الالتزامات إلى البحث في كيفية تطبيقها، بما يشمل التحول في أنظمة الطاقة، وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وزيادة الاعتماد على الكهرباء في مختلف القطاعات.
غير أن تحويل التعهدات إلى إجراءات فعلية يظل مرتبطًا بقدرة الدول على توفير السياسات والتكنولوجيا والاستثمارات اللازمة، فضلًا عن التوصل إلى تفاهمات بشأن توزيع الأعباء الاقتصادية لعملية التحول.
لا تعهدات جديدة لتمويل المناخ في COP31
في المقابل، كشفت الوثيقة الأوروبية عن موقف قد يفتح جبهة خلاف جديدة مع الدول النامية، إذ أشارت إلى أن الاتحاد الأوروبي لا يرى مجالًا لتقديم تعهدات جديدة بشأن تمويل المناخ خلال قمة COP31.
ومن المرجح أن يتعارض هذا الموقف مع مطالب الدول الأكثر فقرًا، التي تسعى إلى الحصول على مزيد من الدعم المالي لمواجهة آثار تغير المناخ، وتمويل خفض الانبعاثات والتكيف مع الظواهر الجوية المتطرفة.
وتكتسب قضية التمويل أهمية خاصة في المفاوضات المناخية؛ إذ تحتاج الدول إلى موارد مالية لدعم التحول إلى مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف والفيضانات وموجات الحرارة وغيرها من المخاطر المناخية.
ويضع غياب التعهدات المالية الجديدة تحديًا أمام التوصل إلى توافق دولي بشأن تنفيذ الالتزامات المناخية، خصوصًا في ظل التفاوت بين قدرات الدول الاقتصادية ومسؤولياتها واحتياجاتها التمويلية.
وبينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى دفع الدول نحو تنفيذ تعهداتها القائمة وتسريع خفض الانبعاثات، يبقى توفير التمويل اللازم للتنفيذ أحد الملفات التي قد تحدد طبيعة التفاهمات التي يمكن التوصل إليها في قمة COP31.
وتكشف الوثيقة أن الاختبار الرئيسي للقمة لن يقتصر على الاتفاق على أهداف جديدة لخفض الانبعاثات، بل سيمتد إلى كيفية تنفيذ التعهدات القائمة، ومدى استعداد الدول لتجاوز الخلافات بشأن الوقود الأحفوري والتمويل المناخي.
